موسم الهجرة إلى الشمال .. حكاية تراجيديا مغربية
ستظل مشاهد آلاف المغاربة الهائمين على وجوههم الكالحة في الدروب والطرقات ، صبية ونساء وشبابا، وهم يقتحمون السياج الحدودي بين الفنيدق وسبتة ، وصمة عار وخزي تلاحقنا إلى ما لا نهاية . ستحفر في أخدود جراحنا الغائرة آلاما جديدة ، وستعلو البثور جسد المغرب العليل بعد أن صارت مآسينا ومشاهد عُرينا ، وآهاتُ أمهاتنا ، تتصدر عناوين الصحف ونشرات الأخبار وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي في مشارق الأرض ومغاربها.
لن تنمحي من ذاكرتنا الجمعية مئات مقاطع الفيديو وهي توثق زحف مغاربة من أرض محررة إلى أرض سليبة ينشدون فيها العزاء والخلاص. يا للمفارقة !!! لن ننسى أبد الدهر تدافع الآلاف نحو المجهول ، حفاةً ، عراةً ، لا يحملون مالا ولا متاعا ، ولا ألبوم صور ، ولا حتى حفنة من تراب وطن !! ولا فضيحة باتت تلوكها الألسن في كل مكان !!
والحال أن الأزمة تخطت نطاق رقعتها الجغرافية الضيقة ، واكتست منذ ساعاتها الأولى ، أبعادا إقليمية ودولية بعد أن دخلت أطراف عدة على الخط ، وجعلت منها ورقة ضغط ومساومة في حلبة صراعات جيوسياسية يوظفها كل طرف وفق أهواءه وبما يخدم مصالحه وأجنداته. وهكذا سارعت الولايات المتحدة وإسرائيل لتسييس الأزمة واتخذتها فزاعة ترهب بها خصومها في الداخل كما في الخارج ، وأداة لتصفية حساباتها .
ستظل أطياف من تقاذفهم الموج وابتلعهم البحر، وأجساد من داستهم الأقدام شهودا تقيم الحجة على خيبتنا وعلى نفاقنا في يوم الحشر العظيم. وفيما العالم من حولنا ينسجُ الروايات ، ويروجُ الفرضيات، تعاطفا معنا أو نكاية وتشفيَّا فينا ، اختار أصحاب الحل والعقد كدأبهم ، الصمت وغضَّ الطرف، ودفن الرأس في الرمال. فما أصل الحكاية ؟
جاءت رحلة الهروب الجماعي لتجُبَّ ما قبلها من دعاية رسمية فجة ، وسرديات متواترة تروج لنظريات عن المغرب الآمن ، وعن نجاعة عمل مؤسسات الدولة ، والاستقرار السياسي. ولأنها جاءت غداة خطاب العرش ، فقد نسفت ما تضمنه الخطاب من حديث
عن ” تمكين المغاربة من شروط العيش الكريم الحر ” في محيط إقليمي مضطرب ، ومثلت توقيتا وسياقا ، محاكمة شعبية للسياسات العمومية وإدانة صريحة لا لبس فيها لمنظومة حكم محمد السادس وما رافقها من تسلط وتحكم وفساد ، وقمع للحريات ، وتفشٍ لثقافة الريع ومراكمة للثروات دون حسيب أو رقيب. ومن مكر الصدف أن موجة الهجرة الجديدة سبقت الانتخابات التشريعية وما يرافقها من مظاهر شراء للأصوات والذمم ، وإطلاق الوعود المعسولة ، وتهافت للأعيان والوصوليين على مقاعد وثيرة في مؤسسة صورية لا تملك من أمرها شيئا ، ولا تحسن إلا إنتاج نفس النخب الفاسدة المفسدة في دورة عبثية ومغرقة في السوريالية. فلا غرابة إذن أن تخلو مكاتب الاقتراع من المقترعين في مسرحية سيئة الإخراج معروف سلفا من يتحكم في دواليبها وفي مخرجاتها ، ويدفع باتجاه طرح تساؤل جوهري عن الجدوى من الانتخابات ما دامت لا تعبر عن إرادة الشعب أو تعكس اختياراته.
إن موسم الهروب الكبير، وبعيدا عن ما صاحب سياقاته من تأويلات بشأن دوافعه المضمرة أو المعلنة، مرآة عاكسة لأزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، وبهذا المعنى ، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن ما سبقه من موجات احتجاج شبابية ( حراك الريف و جيل زد على سبيل الذكر لا الحصر) للمطالبة بالنهوض بقطاعي الصحة والتعليم ومحاربة الفساد ، وخلق مناصب الشغل لجحافل العاطلين من حملة الشهادات العليا. إن كان لهذه الفضيحة من مزِية ، فهي فضحُها زيف الشعارات الجوفاء التي ترفعها الدولة عن “التراكمات الإيجابية وصواب الاختيارات الكبرى” التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحجب حقيقة تباعد الهوة بين طبقات المجتمع بفعل اتساع رقعة الفقر ووطأة التهميش وتراكم الإحباط واليأس بعد نحو ثلاثة عقود مما سمي بالعهد الجديد.
لقد أبانت هذه الأزمة الجديدة ، وفي خلفية المشهد توترات إقليمية مفترضة ، أن النظام لا يتورع عن الزج ب” رعاياه الأوفياء”– المواطنة مفهوم منقوص في السياق المغربي- في أتون معاركه الوهمية أو الحقيقية ، ولا يجد غضاضة في جعلهم وقودا في حروبه الدون كيخوتية في ممارسة ميكيافيلية خالصة وفي ذلك ما يكشف حقيقة العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
المغرب في زمنه الراهن بحاجة لمراجعة شاملة وعميقة لسياساته الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم التوزيع العادل للثروة ويجسر الهوة السحيقة بين طبقات المجتمع ويعيد الأمل للمواطنين، ولن يتأتى ذلك إلا عبر حوار وطني موسع شامل ، ومراجعة جذرية للدستور تسند صياغته للجنة تأسيسية وليس لأعضاء يعينهم البلاط ، على أن يفضي ذلك كله إلى اعتماد نظام ملكية برلمانية حقيقية يسود فيها الملك ولا يحكم. هذا المغرب الذي يسير بسرعتين كثرت عثراته وزلاته، ولم يعد يحسن السير. وهذا الانحراف إن لم يتم تقويمه قبل فوات الأوان قد يقود إلى ما هو أسوأ.