موجبات استراتيجية ردعية لمشروع خليجي ـ مشرقي للأمن واستقلالية القرار والتنمية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

نزيه الخياط*


ليست الجغرافيا وحدها التي تصنع مكانة الدول، كما أن امتلاك الموارد الاقتصادية أو المواقع الحيوية لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية واستراتيجية. فالتاريخ لا يقيس الدول بما تملكه فقط، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى منظومة متكاملة تنتج التأثير، وتحمي المصالح، وتصون استقلال القرار.
إن بناء القدرة الاستراتيجية لا يقوم على جمع عناصر القوة بصورة منفصلة، بل على تكاملها ضمن رؤية سياسية ومؤسساتية تحول الإمكانات إلى قوة فعلية. فالجغرافيا، والثروة، والقوة العسكرية لا تنتج تأثيراً مستداماً إلا عندما تعمل ضمن منظومة واحدة.

كما أظهرت التحولات الدولية والتجارب الإقليمية الأخيرة أن الضمانات والتحالفات الخارجية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً من بناء القدرة الذاتية، بل تزداد فاعليتها عندما تستند إلى دول تمتلك مقومات قوة وطنية متماسكة.

ومن هنا يطرح المقال سؤاله المركزي:

كيف يمكن لدول الخليج والمشرق العربي الانتقال من مرحلة امتلاك المقومات الاستراتيجية إلى مرحلة بناء القدرات الاستراتيجية؟

إن الإجابة لا تكمن في البحث عن عنصر قوة منفرد، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن باعتباره منظومة متكاملة تجمع بين الدفاع، والتنمية، والمعرفة، والإنسان، وتؤسس لمشروع خليجي ـ مشرقي للأمن، واستقلالية القرار، والتنمية.

أولاً: الفجوة بين امتلاك المقومات وامتلاك القدرات الاستراتيجية

تتمثل المشكلة الأساسية في وجود فجوة بين ما تمتلكه الدول من عناصر قوة، وبين قدرتها على تحويلها إلى قدرة استراتيجية مستدامة.
فالمقومات متوافرة، لكنها بقيت في كثير من الأحيان موزعة بين قطاعات ومؤسسات ومصالح منفصلة. فالثروة الاقتصادية لم ترتبط دائماً ببناء قاعدة معرفية وصناعية مستقلة، والجغرافيا لم تتحول بالكامل إلى منظومة نفوذ، والطاقات البشرية لم تُدمج ضمن مشروع وطني شامل لبناء القدرة. فالمشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب منظومة تحولها إلى قدرات.

فالدولة قد تمتلك موارد مالية ضخمة، لكنها لا تصبح قوة استراتيجية إلا عندما توظفها لبناء اقتصاد منتج، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز المعرفة، وإنشاء مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات والتحولات.

كما أن الموقع الجغرافي لا يكتسب قيمته الاستراتيجية ما لم يتحول إلى شبكات للنقل، والتجارة، والأمن، والتكامل الإقليمي.

فالقدرة الاستراتيجية ليست مجموعاً حسابياً لعناصر منفصلة، بل نتاج تكاملها. فالقوة الاقتصادية تحتاج إلى حماية، والقوة العسكرية إلى قاعدة اقتصادية وتكنولوجية، والتنمية إلى الاستقرار، والاستقرار إلى مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في البحث عن مصادر قوة جديدة، بقدر ما يتمثل في بناء الآليات التي تجعل عناصر القوة القائمة تعمل ضمن منظومة واحدة.

ثانياً: الجغرافيا العربية من واقع طبيعي إلى وظيفة استراتيجية
لطالما شكلت الجغرافيا أحد المحددات الأساسية في بناء مكانة الدول، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى قوة. فالموقع الجغرافي يمنح الإمكان، لكنه لا يضمن القدرة. والفارق بين الدول التي تستثمر جغرافيتها والدول التي تبقى أسيرة لها يكمن في قدرتها على تحويل المجال الطبيعي إلى وظيفة استراتيجية.

وتبرز هذه القاعدة بوضوح في الخليج والمشرق العربي، حيث تمتلك المنطقة موقعاً استثنائياً في النظام العالمي، وتشرف على ممرات بحرية تمثل شرايين رئيسية للتجارة والطاقة، فضلاً عن امتدادات جغرافية توفر لها عمقاً استراتيجياً واسعاً.

غير أن القيمة الاستراتيجية للجغرافيا لا تنبع من الموقع في حد ذاته، بل من قدرة الدولة على تنظيمه واستثماره ضمن رؤية شاملة. فالممرات البحرية لا تتحول إلى عناصر قوة إلا عندما ترتبط بقدرات الحماية والتأمين، وببنية اقتصادية وتكنولوجية قادرة على تعظيم الاستفادة منها.

ومن هنا، ينبغي ألا تُقرأ الجغرافيا العربية باعتبارها واقعاً ثابتاً، بل مورداً استراتيجياً قابلاً للتحويل. فالسواحل الطويلة، والمجالات البحرية، والموقع الرابط بين القارات ليست مجرد خصائص طبيعية، بل عناصر يمكن أن تدخل في بناء منظومة دفاعية واقتصادية متكاملة عندما تُدار بعقل استراتيجي حديث.

ولا يقتصر الاستثمار في الجغرافيا على البعد العسكري، بل يشمل بناء قدرة تجعل الموقع مصدراً للقوة الاقتصادية والأمنية في آن واحد.

ولهذا، تمثلت إحدى المعضلات التاريخية في أن أهمية الموقع العربي كانت معروفة عالمياً، لكنها لم تتحول دائماً إلى وزن استراتيجي عربي موازٍ. فقد استفادت قوى خارجية من هذه الأهمية عبر بناء ترتيبات أمنية ومصالح اقتصادية، بينما بقي التكامل العربي في استثمار هذا الموقع محدوداً.

ومن ثم، فإن بناء القدرة الاستراتيجية يقتضي الانتقال من النظر إلى الجغرافيا بوصفها امتيازاً طبيعياً إلى اعتبارها مسؤولية استراتيجية.

فالربط بين الموانئ، وشبكات النقل، والطاقة، والصناعة، والمعرفة، والأمن لا يمثل مجرد مشاريع تنموية متفرقة، بل يمكن أن يشكل بنية تحتية لقدرة استراتيجية جديدة.

ومن هذا المنظور، يمتلك الفضاء الخليجي ـ المشرقي مقومات تؤهله لبناء بنية استراتيجية متكاملة. فالجسر البحري الذي يربط مصر بالمملكة العربية السعودية، وشبكات النقل والسكك الحديدية الممتدة من الخليج نحو تركيا وأوروبا عبر الأردن وسوريا، إضافة إلى مشاريع الربط في مجالات الطاقة والنفط والغاز، يمكن أن تتحول، ضمن رؤية سياسية ومؤسساتية مشتركة، من مشاريع اقتصادية منفصلة إلى شبكة استراتيجية تربط الجغرافيا بالاقتصاد والأمن، وتشكل قاعدة لقدرة ردعية متكاملة.

ثالثاً: الردع الشامل: من القوة العسكرية إلى تكامل القدرة الوطنية

 

ارتبط مفهوم الردع تاريخياً بامتلاك قدرة عسكرية تمنع الخصم من الإقدام على العدوان عبر رفع كلفة الفعل المتوقع. ولا تزال القوة العسكرية ركناً أساسياً في أي منظومة أمنية، إلا أن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة أظهرت أن الردع الحديث أصبح أوسع من المجال العسكري.

فالدول لم تعد تواجه التهديدات عبر الجيوش وحدها، بل من خلال منظومات مترابطة تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والمعلومات، والطاقة، والأمن المجتمعي. ولذلك، فإن الدولة التي تمتلك قوة عسكرية متقدمة لكنها تعاني ضعفاً اقتصادياً أو تكنولوجياً أو مجتمعياً قد تبقى عرضة للضغوط رغم امتلاكها أدوات عسكرية متطورة.

ومن هنا، ينبغي إعادة تعريف الردع باعتباره قدرة الدولة على منع الإكراه الخارجي من خلال امتلاك منظومة متكاملة من عناصر القوة الوطنية.

فالردع العسكري يمثل أحد مكونات هذه المنظومة، لكنه لا يحقق فاعليته إلا عندما يستند إلى عناصر أخرى تضمن استدامته. فالقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، وقاعدة صناعية وتقنية تدعمها، ومؤسسات تحسن إدارتها، ومجتمع يثق بقدرة دولته على حماية مصالحها.

ولهذا، لا ينبغي أن يكون السؤال الاستراتيجي: كم تمتلك الدولة من وسائل عسكرية؟ بل: هل تمتلك القدرة الشاملة التي تجعل هذه الوسائل جزءاً من منظومة قوة مستدامة؟

ومن هنا تبرز أهمية الردع الاقتصادي والتنموي. فالتنمية ليست ملفاً منفصلاً عن الأمن، بل أصبحت أحد شروطه الأساسية. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً، وقدرة إنتاجية، وبنية معرفية متقدمة، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني، وأقل تعرضاً للضغوط الخارجية.

كما يوفر الاقتصاد القوي الموارد اللازمة لتطوير الدفاع، والتكنولوجيا، والتعليم، في حين يؤدي ضعف التنمية إلى تقليص الخيارات الاستراتيجية للدولة.

وفي العصر التكنولوجي، تبرز كذلك أهمية الردع المعرفي والتقني. فلم تعد مكانة الدول تقاس بما تقتنيه من تقنيات فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطويرها، وتوظيفها. فالاستقلالية الاستراتيجية لا تتحقق بمجرد امتلاك التكنولوجيا، وإنما بالقدرة على استيعابها وإنتاجها وتطويرها.

ومن هذا المنظور، فإن أي مشروع لبناء قدرة استراتيجية عربية لا يمكن أن يكتفي بتحديث الجيوش أو زيادة الإنفاق الدفاعي، بل ينبغي أن ينظر إلى الأمن باعتباره منظومة لإنتاج القدرة.

فالدولة التي تستورد أدوات القوة من دون امتلاك شروط إنتاجها تبقى رهينة لإرادة الآخرين، بينما تقترب الدولة التي تبني قواعدها المعرفية والصناعية من امتلاك استقلالية استراتيجية حقيقية.

رابعاً: الإنسان والردع الوطني: من التجنيد التقليدي إلى الإعداد الوطني الشامل


إذا كانت الجغرافيا تمنح الدولة المجال، والاقتصاد يوفر الموارد، والتكنولوجيا تمنح أدوات القوة، فإن الإنسان هو العنصر الذي يحول هذه المقومات جميعها إلى قدرة استراتيجية فعلية.

لذلك، لا يكتمل بناء القدرات الاستراتيجية من دون إعادة النظر في موقع الإنسان داخل منظومة الأمن الوطني.

لقد ارتبط مفهوم الدفاع تاريخياً بالمؤسسة العسكرية وبقدرة الجيش على حماية الدولة وردع الأخطار الخارجية. وسيبقى هذا الدور أساسياً، غير أن طبيعة التحديات الحديثة أظهرت أن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد أفراد قواتها المسلحة أو مستوى تسليحها، بل بمدى استعداد مجتمعها للمشاركة في حماية الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود.

ومن هنا يبرز مفهوم الردع الوطني بوصفه أحد المكونات الرئيسية للقدرة الاستراتيجية.

فالردع لا يقوم فقط على إقناع الخصم بوجود قوة عسكرية قادرة على مواجهته، بل أيضاً على إدراكه أن الدولة تمتلك مجتمعاً متماسكاً، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وموارد بشرية مؤهلة للتعامل مع الأزمات والظروف الاستثنائية. وهذا يفرض الانتقال من مفهوم ضيق للتجنيد إلى مفهوم أوسع هو الإعداد الوطني الشامل. فالإعداد الوطني لا يعني عسكرة المجتمع، بل بناء مجتمع يمتلك الوعي والمعرفة والمهارات التي تجعله شريكاً في حماية الدولة وتنميتها.

إن حمل السلاح يمثل أحد أبعاد الدفاع، لكنه ليس جوهره الوحيد. فالقدرة الوطنية تحتاج أيضاً إلى الإنسان المتعلم، والمهندس، والباحث، وخبير التكنولوجيا والاتصالات، وكل من يسهم في تعزيز قدرة الدولة على العمل والاستمرار في الظروف العادية والاستثنائية.

دلالة النموذج السويسري والجاهزية الوطنية

يقدم النموذج السويسري دلالة مهمة في هذا المجال؛ فالمقصود ليس نقل تجربة وطنية بحذافيرها، بل استيعاب الفكرة التي تقوم عليها، وهي أن حماية الوطن لا يمكن أن تكون مسؤولية مؤسسة منفصلة عن المجتمع، بل مسؤولية وطنية مشتركة تقوم على الجاهزية، والانتماء، والكفاءة، والقدرة على الصمود.

فالردع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بقدرة الجيش على خوض المواجهة، بل بقدرة الدولة والمجتمع معاً على الاستمرار أثناء الأزمات، والتعافي السريع بعدها، والحفاظ على تماسك المؤسسات واستمرارية وظائفها الحيوية.

خامساً: المشروع الخليجي ـ المشرقي للأمن واستقلالية القرار والتنمية

 

إن الانتقال من امتلاك المقومات إلى بناء القدرة الاستراتيجية يقتضي إطاراً سياسياً وفكرياً جديداً. فالتحدي الذي تواجهه دول الخليج والمشرق العربي لا يقتصر على التصدي للتهديدات القائمة، بل يتمثل في بناء منظومة تجعلها أقل تعرضاً للضغوط وأكثر قدرة على صوغ خياراتها الاستراتيجية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع خليجي ـ مشرقي متكامل للأمن، واستقلالية القرار، والتنمية. ولا يعني هذا المشروع العودة إلى صيغ تقليدية للتكامل السياسي أو إنشاء منظومة تلغي خصوصيات الدول، بل يقوم على تكامل وظيفي يتيح للقدرات الوطنية أن تعمل ضمن رؤية مشتركة في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح والتحديات.

فالمشروع المنشود لا يستبدل الدولة الوطنية، بل يعزز قدرتها من خلال التعاون في المجالات التي أصبحت بطبيعتها عابرة للحدود، وفي مقدمتها الأمن البحري، والدفاع، والتكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، والطاقة، والأمن الغذائي، وشبكات النقل، والبحث العلمي.

فالخليج يمتلك الثقل الاقتصادي والمالي، وموارد الطاقة، والموقع البحري الحيوي، بينما يمثل المشرق عمقاً بشرياً وجغرافياً وحضارياً مهماً. ويمكن لتكامل هذه المقومات أن يؤسس لقاعدة استراتيجية واسعة متى توفرت الرؤية والمؤسسات القادرة على تحويل الإمكانات إلى قدرة فعلية.

وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة، بما يحمله من أبعاد عسكرية وأمنية وسياسية ومجتمعية.

غير أن مواجهة هذه التحديات لا ترتبط فقط بامتلاك أدوات عسكرية مقابلة، بل بقدرة الدول العربية على بناء منظومة تجعل أمنها نابعاً من تكامل قدراتها الذاتية، بحيث يصبح الردع نتيجة لبنية استراتيجية متماسكة، لا مجرد استجابة ظرفية لتصاعد التوترات.

ويؤكد استمرار هذه التحديات أن الأمن الخليجي لا يمكن أن يظل قائماً على إدارة الأزمات وحدها، بل يحتاج إلى بناء قدرة استراتيجية طويلة المدى.

وفي الوقت نفسه، فإن بناء هذه القدرة لا يعني رفض التحالفات الدولية أو الانفصال عن النظام العالمي، بل إعادة صوغ العلاقة معه  على أساس أكثر توازناً.

فالدول لا تحافظ على استقلالية قرارها بالابتعاد عن الآخرين، وإنما بامتلاك عناصر القوة التي تجعل شراكاتها قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ. والتحالف الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين شريك قادر وشريك ملتزم، لا بين طرف يوفر الحماية وطرف يعتمد عليها بصورة كاملة.

ومن ثم، يرتبط استقلال القرار ارتباطاً مباشراً ببناء القدرة الاستراتيجية؛ فالدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً، وتكنولوجيا متقدمة، ومجتمعاً متماسكاً، ومؤسسات فعالة، تكون أكثر قدرة على إدارة علاقاتها الخارجية وحماية خياراتها الوطنية.

 من وفرة المقومات إلى صناعة القدرة

تكشف القراءة الاستراتيجية للواقع الخليجي والمشرقي أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب عناصر القوة، بل في الفجوة بين امتلاك هذه العناصر والقدرة على دمجها في منظومة استراتيجية واحدة.

فالجغرافيا تمنح العمق، لكنها تحتاج إلى رؤية تستثمرها. والاقتصاد يوفر الموارد، لكنه يحتاج إلى المعرفة والمؤسسات لتحويل الثروة إلى قوة. والتكنولوجيا تمنح أدوات التأثير، لكنها تحتاج إلى الإنسان القادر على إنتاجها وتطويرها وتوظيفها. أما القوة العسكرية فلا تحقق الردع المستدام إلا عندما تستند إلى مجتمع متماسك، واقتصاد منتج، ودولة قادرة على الاستمرار.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج والمشرق العربي لا يقتصر على مواجهة مصادر التهديد، بل يتمثل في بناء نموذج جديد للقدرة يجعلها أكثر قدرة على حماية مصالحها، وصوغ خياراتها، وتعزيز مكانتها في البيئة الإقليمية والدولية.

فالدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى منظومة استراتيجية تعمل في اتجاه واحد، وتخدم رؤية وطنية واضحة.

وعليه، فإن بناء القدرات الاستراتيجية لدول الخليج والمشرق العربي لا يمكن أن يتحقق عبر عنصر منفرد أو استجابة ظرفية لأزمة عابرة، بل من خلال مشروع متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الأمن، والتنمية، واستقلالية القرار.

ولا يعني تكامل المقومات الاستراتيجية إلغاء خصوصيات الدول أو تجاوز اختلافاتها، بل إدراك أن التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية تجعل العمل المنفرد أقل قدرة على مواجهة التحديات المركبة، وأن التعاون الوظيفي في مجالات القدرة الأساسية أصبح أحد الشروط الضرورية للأمن والاستقرار.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُفهم المشروع الخليجي ـ المشرقي للأمن واستقلالية القرار والتنمية بوصفه مشروع مواجهة فقط، بل مشروع تاريخي لبناء القدرة، يهدف إلى تحويل الإمكانات المتفرقة إلى قوة استراتيجية جماعية قادرة على التأثير وصناعة المستقبل.

فالمنطقة لا تعاني نقصاً في عناصر القوة، بل تحتاج إلى هندسة استراتيجية جديدة تربط بين الجغرافيا، والإنسان، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والمؤسسات، ضمن رؤية واحدة تحول الموارد إلى قدرة، والقدرة إلى تأثير.

وعليه، فإن القاعدة التي ينبغي أن تؤطر التفكير الاستراتيجي العربي في المرحلة المقبلة تتمثل في أن تكوين القدرات الاستراتيجية لدول الخليج والمشرق العربي لا يتحقق بامتلاك مقومات القوة منفردة، بل بتكاملها ضمن مشروع خليجي ـ مشرقي ردعي للأمن، واستقلالية القرار، والتنمية.

*أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية