موت الوظيفة

موت الوظيفة وميلاد الإنسان المتجدد

هل ماتت الوظيفة، أم مات تصورنا للإنسان؟

لم يكن التحول الأكبر الذي يشهده العالم في العقدين الأخيرين هو انمحاء بعض المهن أو بروز أخرى، فالتاريخ الإنساني عرف دائما تحولات في أنماط الإنتاج والعمل. الجديد اليوم هو أن هذه التحولات لم تعد تمس سوق الشغل وحده، بل أصبحت تعيد تشكيل الصورة التي يحملها الإنسان عن ذاته، وعن معنى التعلم، وعن قيمة المعرفة، وعن طبيعة النجاح. إننا لا نعيش مجرد انتقال من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد رقمي، بل نعيش انتقالا من إنسان صمم لعالم مستقر إلى إنسان يطلب منه أن يعيش في عالم لا يعرف الاستقرار (ديمومة التحول).

ولعل الخطأ الأكبر الذي ما زلنا نقع فيه هو أننا نستمر في معالجة أسئلة المستقبل بأدوات الماضي. فما زالت المدرسة تبنى في كثير من الأحيان على افتراض أن المعرفة ثابتة، وأن التخصص يدوم، وأن الشهادة تضمن الاستقرار، وأن النجاح يعني الوصول إلى وظيفة دائمة. غير أن الواقع أصبح يقول شيئا مختلفا تماما؛ فالمهن تعاد صياغتها، وسلاسل القيمة تتغير، والذكاء الاصطناعي يتولى مهاما كانت إلى وقت قريب حكرا على الذكاء البشري، بينما أصبحت الكفايات التي يحتاجها الفرد بعد خمس سنوات تختلف جذريا عن تلك التي يحتاجها اليوم.

ومن هنا، فإن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة وظائف، بل أزمة تصور. إنها أزمة نموذج إنساني مازال يُكوَّن بعقلية القرن العشرين، في حين يطالبه العالم بالعيش وفق منطق القرن الحادي والعشرين.

إن الفرضية التي يدافع عنها هذا المقال بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالاتها؛ المستقبل لن يكون من نصيب من يمتلك وظيفة، وإنما من يمتلك القدرة على أن يولد مهنيا وفكريا مرات متعددة طوال حياته. ومن هنا يبرز مفهوم جديد نقترحه بوصفه مدخلا لإعادة التفكير في التربية والعمل والتوجيه، وهو مفهوم “الإنسان المتجدد”.

ولفهم هذا التحول، سنحاول الإجابة عن أربعة أسئلة مترابطة؛ من هو الإنسان المتجدد؟ وما الكفايات التي تمنحه القدرة على التجدد؟ وكيف ينبغي للمدرسة أن تعيد بناء رسالتها لتكوين هذا الإنسان؟ ثم كيف ينتقل التوجيه التربوي من اختيار المهنة إلى بناء الإنسان القادر على صناعة مستقبله؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن أجوبة ظرفية، بل تسعى إلى إعادة بناء علاقتنا بالتعلم والعمل والحياة.

الإنسان المتجدد: من مفهوم التعلم إلى فلسفة الوجود

اعتدنا في الأدبيات التربوية أن نتحدث عن “التعلم مدى الحياة”، حتى أمسى هذا المفهوم شعارا يتكرر في التقارير الدولية والخطط الإصلاحية الوطنية. غير أن التحولات الراهنة تفرض علينا الانتقال خطوة أبعد؛ فالمطلوب لم يعد مجرد التعلم المستمر، وإنما إعادة بناء الذات باستمرار. ومن هنا نقترح مفهوم الإنسان المتجدد، لا من حيث كونه شخصا كثير التكوين أو واسعَ الثقافة، بل من حيث كونه نموذجا إنسانيا جديدا. يقوم على ثلاث ركائز متكاملة وهي:

الركيزة الأولى: المرونة المعرفية؛ أي القدرة على مراجعة ما نعرفه دون خوف، والتخلي عن الأفكار التي لم تعد صالحة، واستقبال الجديد دون مقاومة نفسية أو فكرية. فالإنسان المتجدد لا يعتبر المعرفة ملكية خاصة، بل مسؤولية متجددة.

الركيزة الثانية: المرونة المهنية؛ أي الاستعداد للانتقال من دور إلى آخر، ومن وظيفة إلى أخرى، ومن تخصص إلى آخر مجاور، دون أن يشعر بأن هويته قد انهارت. فهو لا يربط وجوده بلقب وظيفي، وإنما بقدرته على التعلم والإنتاج والإضافة.

الركيزة الثالثة: المرونة الوجودية، وهي أعمقها جميعًا؛ لأنها تعني استعداد الإنسان لإعادة تعريف نفسه كلما تغير العالم من حوله، دون أن يفقد قيمه أو بوصلته الأخلاقية. فالإنسان المتجدد لا يعيش أزمة هوية مع كل تحول، لأنه بنى هويته على النمو، لا على الجمود.

إن الفرق بين الإنسان التقليدي والإنسان المتجدد لا يكمن في حجم المعلومات التي يمتلكها، بل في طبيعة علاقته بالمعرفة نفسها. فالإنسان العتيق يسأل ماذا أعرف؟ أما الإنسان المتجدد فيسأل ماذا ينبغي أن أتعلم الآن؟ والأول يبحث عن الاستقرار، بينما يبحث الثاني عن التطور. الأول يخشى التغيير لأنه يهدد ما بناه، أما الثاني فيرى في التغيير فرصة لإعادة بناء ذاته.

ولذلك فإن التجدد ليس مهارة إضافية تضاف إلى السيرة الذاتية، بل هو فلسفة حياة، وطريقة في التفكير، وموقف من العالم.

إن أخطر أشكال الفقر في القرن الحادي والعشرين لن يكون الفقر الاقتصادي، بل الفقر في قابلية التجدد. فهناك من يمتلك أحدث الشهادات، لكنه يعجز عن تعلم شيء جديد، وهناك من يملك خبرة طويلة، لكنه يرفض مراجعة خبرته في ضوء التحولات، وهناك من يخشى الذكاء الاصطناعي لا لأنه يهدد عمله، بل لأنه يكشف حدود استعداده للتعلم من جديد.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد؛ كم سنة من الخبرة لديك؟ وإنما؛ كم مرة استطعت أن تعيد بناء نفسك؟

إن هذا التحول يفرض علينا إعادة النظر في مفهوم النجاح ذاته. فالنجاح لم يعد نقطة وصول، بل أصبح قدرة دائمة على الانطلاق من جديد. ولم تعد الخبرة تعني تكرار العمل نفسه لعشرين سنة، بل تعني القدرة على تطويره عشرين مرة. وهكذا نكتشف أن الإنسان المتجدد ليس نتاج التكنولوجيا، بل هو استجابة حضارية لها. إنه الإنسان الذي لا يسمح للتغيرات بأن تقوده، بل يحولها إلى فرصة للتطوير، ويجعل من كل تحول بداية جديدة، لا نهاية لما سبق.

غير أن هذا المفهوم، على أهميته، يظل إطارا نظريا ما لم يتحول إلى منظومة من الكفايات القابلة للبناء والتنمية. فالتجدد لا يحدث بالرغبة وحدها، ولا بالشعارات، بل يحتاج إلى أدوات عقلية، ومهارات إنسانية، وكفايات مهنية تجعل الفرد قادرا على تحويل التحول إلى إمكان، والتحدي إلى فرصة.

ومن هنا يفرض السؤال التالي نفسه بإلحاح؛ ما الكفايات التي تصنع الإنسان المتجدد؟ وهل ما تزال المدرسة تُكوِّنها فعلا، أم أنها مازالت تُكوِّن إنسانا يناسب الأمس أكثر مما يناسب الغد؟

-باحث ومكون بيداغوجي في علوم التربية، مختص في البيداغوجيا السياقية، والتوجيه التربوي القائم على المشروع الشخصي للمتعلم. يشتغل على التقويم القائم على الأثر والأداء المهني المستدام.

The post موت الوظيفة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress