موت الناجين الصامت

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فرانسيسكا موسى

 

 

 

الآلة العسكرية لا تقتل الأجساد فحسب، بل تُهندس الموت جزيئياً ليصبح عنصراً مستداماً في الدورة الطبيعية للحياة. ومع انخفاض حدة العمليات العسكرية المباشرة وتراجع المؤشرات الفيزيائية للنزاع، يترسخ انطباع سطحي بانتهاء الحروب.
 بيد أن التحليل الهيكلي لمرحلة ما بعد النزاع يكشف عن بدء دورة تدميرية ثانية، هي الأكثر ديمومة وضراوة على المنظومة الحيوية للناجين. فخلف التوافقات السياسية، تبرز أزمة بيئية وصحية مركبة تعيد صوغ المحددات اليومية للبقاء البشري. إن العناصر الحرجة لشبكة الأمان الحيوي المتمثلة في جودة الهواء، وتكامل سلاسل الإمداد الغذائي، وسلامة الموارد المائية، تتحول بفعل المقذوفات والركام السام إلى مصادر تهديد مستمر. بناءً عليه، يصبح الحفاظ على الاستقرار الفيزيولوجي والصحي في بيئة ما بعد الحرب تحدياً معقداً أشبه بالتعامل مع حقل ألغام كيميائي وبيولوجي من ملوثاتٍ غير مرئية، لا يقتصر تأثيرها على الجيل المعاصر، بل يمتد مسبباً طفراتٍ وتغيرات جينية عابرة للأجيال.
إن الأثر التدميري المركب للحروب الحديثة يمتد ليلوث عناصر الحياة الأساسية عبر شبكةٍ معقدة من التداعيات الفيزيائية والكيميائية. فالهواء يتحول إلى ناقلٍ للموت المزمن إثر تصاعد غبار الركام الدقيق المحمل بجزيئات الخرسانة المبخرة، والمعادن الثقيلة كالعناصر الإلكترونية المفتتة، ومادة الأسبستوس المسرطنة، فضلاً عن بقايا الأسلحة الحارقة كالفوسفور الأبيض، ما يتسبب بقفزاتٍ دراماتيكية في معدلات التليف الرئوي، والأورام، والتشوهات الخلقية. 
هذا التلوث المحمول جواً يتسلل عبر دورة الطبيعة ليحدث إبادةً بيئية صامتة للتربة والمياه الجوفية نتيجة ترسب المركبات الهيدروكربونية والسموم العسكرية، ما يؤدي إلى تسمم المحاصيل المحلية وانهيار القطاع الزراعي، ويجبر السكان على الارتهان الكلي للأغذية المعلبة والمصنعة التي تفتقر للمغذيات الدقيقة، مسببةً تفشياً مزدوجاً لسوء التغذية الحاد والأمراض الأيضية المزمنة. ويتفاقم هذا الحصار العضوي مع تدمير البنية التحتية للصرف الصحي واختلاطها بمياه الشرب، مما يفتح الباب لعودة الأوبئة المعوية الفتاكة، ليتكامل هذا التدهور البيئي مع اضطراب الصدمة النفسية المزمنة الذي يضع الجسم في حالة استنفار بيولوجي دائم، بحيث يؤدي الارتفاع المستمر لهرمون الكورتيزول إلى كبح الجهاز المناعي وجعل أجساد الناجين مستباحةً للأمراض العضوية.
وفي الختام، يتضح بيقين علمي واستقصائي أن إعلان وقف النار لا يعني بأي حال من الأحوال انتهاء الحرب، بل هو مجرد انتقال بنيوي للنزاع من صيغته العسكرية المرئية إلى صيغة بيولوجية خفية وأكثر فتكاً. إن الاستقرار المجتمعي واستعادة المؤشرات الصحية في مرحلة ما بعد النزاع لا يمكن اختزالهما بإعادة تشييد الواجهات الخرسانية للمباني، بل يتطلبان استراتيجية سيادية ودولية صارمة لـ"إعادة الإعمار البيئي والحيوي"، تبدأ بالتطهير الكيميائي للتربة، وفحص المسطحات المائية، وإدارة مكبات الأنقاض السامة بعيداً عن النطاق السكاني.
 ومن دون معالجة هذه الاختلالات الحيوية بمسؤولية وجدارة، ستظل الحرب مستمرة في أجساد الضحايا وجيناتهم، لتتحول أنفاسهم اليومية ولقيمات عيشهم إلى أدوات موت بطيء يكمل بكفاءةٍ صامتة ما بدأته الآلة العسكرية. وأمام هذا الحصار البيولوجي المطبق، أين يكمن الحل لإنقاذ حياة مجتمعات بأكملها اختنقت أجواؤها بسموم الحروب ومستقبلها؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية