مواقف أمازيغية مغربية ترفض استمرار العضوية في "الجامعة العربية"
حلت الذكرى التاسعة والسبعون لتأسيس جامعة الدول العربية، هذا العام، على وقع تصاعدٍ غير مسبوق في منسوب الانتقادات الموجَّهة إلى هذا التكتل الذي انضمت إليه المملكة المغربية في أكتوبر من العام 1958، خاصة ما يتعلق بغياب أدواره في عدد من الملفات والقضايا؛ آخرها الحرب في الشرق الأوسط، ومحدودية قدرته على التأثير في عالمٍ تحكمه المصالح المتغيرة والتكتلات الإقليمية الأكثر انسجاما، والتي تشكل امتدادا طبيعيا لطموحات وانتظارات شعوب الدول المنضوية تحت لوائها.
وفي خضم ذلك، جدد نشطاء أمازيغ بالمغرب دعواتهم إلى انسحاب الرباط من جامعة الدول العربية، على اعتبار أن استمرار العضوية المغربية في هذه المؤسسة – حسبهم – لا ينسجم مع الخصوصيات التاريخية والثقافية للمملكة واختياراتها ورهاناتها الاستراتيجية، مشددين على أهمية إجراء مراجعة جريئة لهذا الخيار والتفكير في بناء بدائل منسجمة مع العمق الأمازيغي والانفتاح الإفريقي والامتداد المتوسطي للمغرب.
“تكتل هجين”
قال خميس بوتكمنت، ناشط حقوقي أمازيغي، إن “انتماء المغرب إلى جامعة الدول العربية لا معنى له في خضم التحولات الكبيرة التي طرأت على منظور الدولة ومراجعة تقديراتها ذات الصلة بالانتماء، والتي عبرت عنها في دستور 2011 ونصت على انتمائها الإفريقي والمتوسطي والأمازيغي”.
وأبرز بوتكمنت، في تصريح لهسبريس، أن “الانتماء إلى تكتل يتناقض مع المركب الهوياتي للمغرب هو سوء تقدير تَناغُم مع ذروة تنامي خطاب القومية العربية، والذي تبين مع الوقت أنه خطاب يجبر خواطر دول مارست السياسة من منطلق الطائفة والعشيرة وحاولت رسم حدودها السياسية بالاعتماد على خريطة التعريب الذي حاول خلق ميز إيجابي للعربية ووأد الخصوصيات اللغوية والثقافية لشعوب غير عربية بالأساس”.
وأضاف الناشط الحقوقي الأمازيغي أنه “في الزمن الذي تآكل فيه الخطاب القومي العربي وظهر عدم تماسكه وتم دحض الكثير من الأسس التي انبنى عليها نحن في حاجة ماسة إلى شجاعة رسمية لتقطع الدولة مع التبعية لهذا التكتل الذي لا تجمعنا به اللغة والثقافة والتطلعات السياسية المشتركة؛ بل ولا حتى الطموحات الاقتصادية المشتركة، وآن الأوان للقطع مع الاغتراب والشعور بالتبعية السياسية والثقافية”.
وزاد المتحدث عينه شارحا: “ولعل ما نراه اليوم من واقع الأزمة التي تعيشه هذه المنظمة لدليل على ضرورة العودة إلى ذاتنا الحقيقية والنظر إلى أنفسنا كمركز لا كملحق تابع لتكتل غير متجانس وهجين”، معتبرا أن “واقع الجامعة الدول العربية الحالي، الذي صار ما يصدر عنها أقرب للمستملحات وقالب التنكيت، بسبب فشلها في التأثير الإقليمي والدولي والعجز التام حتى في تحصين حدودها في لحظات التوتر والحرب، يستدعي القطع مع الانتماء إليها والعودة إلى حاضنتنا الأصلية الإفريقية والمتوسطية الأمازيغية والتفكير في سبل خلق نهضتنا التي تستحضر عمقنا التاريخي وثرائه وغنانا المجالي والبشري والثقافي، تكون فيه الأمازيغية الجامع لتفرعاتنا والموحد في نظرتنا إلى الآخر بعيدا عن العاطفة ومحاولة إرضاء الخواطر”.
وشدد بوتكمنت على أن “الانسحاب من جامعة الدول العربية هو خطوة ملحة الآن، لا تعبر فقط عن الوعي بذاتنا ومن نكون؛ بل تتعدى ذلك لتكون خطوة للمصالحة مع ذاتنا وتخليصها من الارتباط مع تكتل لا تعنينا أهدافه في شيء، وسيكون في الانسحاب تأسيسا لزمن جديد يؤرخ لتغليب مصلحتنا الذاتية على شعارات عاطفية متآكلة ويقطع مع اصطفافات لا معنى لها تجرنا إلى تبني هموم وقضايا ليست من صلبنا ولا مصلحة لنا فيها”.
سياقات وبديل
اعتبر يوسف بن الشيخ، ناشط أمازيغي، أن “الظروف والسياقات التاريخية التي دفعت المملكة المغربية إلى تقديم طلب الانضمام إلى جامعة الدول العربية في نهاية خمسينيات القرن الماضي لم تعد قائمة اليوم، إذ ارتبط هذا الانضمام حينها بخطاب قومي عربي مدعوم من أنظمة مثل البعثية في العراق والناصرية في مصر؛ مما أدى إلى انتشار مراكز دعم لهذه الإيديولوجيا”.
وأشار بن الشيخ، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “طلب المغرب للحصول على العضوية رُفض في البداية بحجة أن ‘بلاد مراكش ليست بلدا عربيا’، ولم يتم قبوله إلا بعد ضغوط وتدخلات من دول الخليج وترتيبات في الكواليس. كما ارتبط هذا التوجه برغبة المغرب آنذاك في إيجاد ‘موطئ قدم’ داخل المنظمات الإقليمية في سياق مرحلة ما بعد الاستعمار”.
وأبرز الناشط الأمازيغي أن “الحركة الأمازيغية طالبت، منذ ظهورها، بانسحاب المغرب من الجامعة العربية لأسباب عديدة؛ منها أن الأمر يتعلق بمنظمة تقوم على العرق ولا تحترم خصوصيات شمال إفريقيا. كما أن هذه المؤسسة لا تمثل الشعب المغربي لأنها لا تتصل بواقعه أو تاريخه الأمازيغي؛ بل هي محاولة لفرض نماذج إيديولوجية مستوردة من الشرق”.
واعتبر المتحدث ذاته أن “جامعة الدول العربية فشلت فشلا ذريعا في معالجة القضايا العربية منذ تأسيسها، إذ عجزت عن حل الخلافات البينية بين الدول الأعضاء، وعن تقديم حلول للصراع الفلسطيني العربي، وكذا معالجة الأزمات السياسية في ليبيا واليمن وسوريا”.
وسجل بن الشيخ أن “الأمازيغ غير معنيين بهذه الجامعة، حيث إن نجاح التكتلات الإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي يعتمد على شرط المجال والجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، وليس على فرض إيديولوجيات قومية أثبتت فشلها”، مشيرا إلى أن “موقف الحركة الأمازيغية لا يقتصر على رفض عضوية المغرب فقط؛ بل تقترح بديلا يتمثل في تأسيس ‘اتحاد شمال إفريقيا’ أو ‘تمازغا’ يستند إلى الجغرافيا الموحدة والرصيد الثقافي والتاريخي المشترك، ثم الروابط اللغوية واللسانية والإثنية”.
مصالح واقعية
أكد عمر إفضن، عضو الحزب الديمقراطي الأمازيغي (المحظور)، أن “الحديث اليوم عن ما يسمى جامعة الدول العربية لا يمكن فصله عن سياق تأسيسها نفسه، ولا عن اليد التي صاغت ملامحها من وراء الستار. فهذه المؤسسة وُلدت في لحظة كانت فيها خرائط المنطقة تُرسم في مكاتب القوى الاستعمارية، خاصة بريطانيا وفرنسا اللتين تقاسمتا النفوذ في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وكان المغرب من بين ضحايا هذا التقسيم الإمبريالي”.
وأضاف إفضن: “من هذا المنطلق، يصعب اعتبار الجامعة تعبيرا صادقا عن إرادة الشعوب بقدر ما كانت امتدادا لترتيبات سياسية فوقية، لم تُبنَ على التنوع الحقيقي لهوية المنطقة، وعلى رأسها الهوية الأمازيغية في شمال إفريقيا. ولذلك، فإن الحديث عن ‘موت سريري’ للجامعة ليس مفاجئا، بل نتيجة طبيعية لكيان لم يتجذر في وجدان الشعوب”.
وذكر المصرح لهسبريس أن “العالم تغير اليوم وتغيرت معه المفاهيم، إذ لم تعد ‘العروبة’ تعد مشروعا جامعا كما كانت تُقدَّم، بل تحولت إلى خطاب سياسي فقد الكثير من بريقه. وفي المقابل، من المنظور الأمازيغي، يصبح التفكير في موقع المغرب داخل هذا التكتل سؤالا مشروعا، ليس بدافع القطيعة؛ بل بدافع إعادة التموقع وفق المصالح والهوية الحقيقية”.
وأشار إلى أن “المغرب اليوم منفتح على شراكات متعددة؛ بما فيها مع دول الخليج. وهذه علاقة يمكن أن تُبنى على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدا عن الإيديولوجيات القومية الضيقة؛ فالأمازيغي لا يرى العالم بمنطق القوميات المغلقة، بل بمنطق التعايش والتوازن، ويرفض أن يُزج به في صراعات مذهبية أو هوياتية لا تمثله. لهذا، فالمطلوب ليس مجرد الانسحاب أو البقاء؛ بل طرح سؤال أعمق: كيف يبني المغرب موقعه في العالم انطلاقا من ذاته، من تاريخه الأمازيغي، ومن مصالحه الواقعية، لا من قوالب جاهزة صُنعت في زمن غير زمننا؟”.
The post مواقف أمازيغية مغربية ترفض استمرار العضوية في "الجامعة العربية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.