مهرجان كانّ السينمائي...كيف أصبحت "السعفة الذهبية" الجائزة الأكثر هيبة في تاريخ السينما؟
تُعدّ السعفة الذهبية، الجائزة الكبرى لمهرجان كانّ السينمائي، واحدة من أرفع الجوائز السينمائية في العالم، وقد تحوّلت منذ إطلاقها عام 1955 إلى رمز عالمي لسينما المؤلف، وللأفلام التي تترك أثراً دائماً في تاريخ الفن السابع. وفي كلّ شهر أيار/مايو، تتّجه أنظار العالم إلى الكروازيت، حيث تمتدّ المنافسة داخل المهرجان إلى سباق محموم للفوز بالجائزة التي تستطيع تغيير مصير مخرج بالكامل، وفرض فيلم داخل الذاكرة الثقافية العالمية لعقود طويلة.
سعفة وُلدت من رمز مدينة كانّ
قبل استحداث السعفة الذهبية، كان مهرجان كانّ السينمائي يكتفي بمنح "الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم". لكن إدارة المهرجان قرّرت عام 1955 إطلاق جائزة أكثر تفرّداً وأناقة، مستوحاة من شعار مدينة كانّ الفرنسية الذي تتوسّطه سعفة نخيل.

مُنحت أول سعفة ذهبية في التاريخ لفيلم "مارتي" للمخرج ديلبرت مان قبل أن تتحوّل الجائزة سريعاً إلى رمز عالمي لسينما المؤلف الأوروبية والسينما الفنية الطموحة.
ورغم أنّ تاريخ السعفة الذهبية عرف عدداً من التغييرات والانقطاعات، إذ عاد المهرجان بين عامَي 1964 و1974 إلى استخدام تسمية "الجائزة الكبرى"، فإنّ إدارة كانّ أعادت تثبيت السعفة الذهبية رسمياً عام 1975، لتصبح منذ ذلك الحين القلب الرمزي للمهرجان، والجائزة الأكثر ارتباطاً باسمه.
كيف تغيّرت السعفة الذهبية عبر الزمن؟
لم تكن السعفة الذهبية دائماً بالشكل الفاخر الذي نعرفه اليوم. فقد شهد تصميم الجائزة تحوّلات متعدّدة مع مرور العقود، سواء من ناحية المواد أو الشكل الفني.

وفي عام 1998، أعادت "شوبارد" تصميم السعفة الذهبية بالكامل، لتصبح عبارة عن سعفة من الذهب عيار 18 قيراطاً موضوعة على قاعدة من الكريستال المشغول يدوياً. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه النسخة الصورة الرسمية الحديثة للجائزة.
يعكس تطوّر السعفة الذهبية أيضاً تحوّل المهرجان السينمائي نفسه: مهرجان أكثر عالمية، وأكثر حضوراً إعلامياً، وأكثر تأثيراً في صناعة السينما العالمية والأسواق الثقافية.
لماذا تُغيّر السعفة الذهبية مسيرة المخرجين؟
لا تُعتبر السعفة الذهبية مجرّد تتويج رمزي، وإنّما يمكنها أن تغيّر المسار المهني لمخرج أو ممثل أو فيلم بالكامل. فالفوز في مهرجان كانّ يعني غالباً الانتقال الفوري إلى العالمية، مع توزيع أوسع، واهتمام نقدي أكبر، وحضور قوي في موسم الجوائز.

حقّق كوينتن تارانتينو "انفجاره" العالمي بعد فوز فيلم "خيال رخيص" بالسعفة الذهبية عام 1994، بينما نال بونغ جون هو السعفة الذهبية عام 2019 عن "طُفيلي"، قبل أن يكتسح الفيلم لاحقاً جوائز الأوسكار، ويصبح أول فيلم غير ناطق بالإنكليزية يفوز بجائزة أفضل فيلم.
كما دخلت جين كامبيون التاريخ عام 1993 بعدما أصبحت أول امرأة تفوز بالسعفة الذهبية عن فيلم "البيانو"، في لحظة مفصلية داخل صناعة ظلّت لعقود طويلة خاضعة لهيمنة الرجال.
أشهر المخرجين الذين فازوا بالسعفة الذهبية
يرتبط تاريخ السعفة الذهبية بأسماء كبرى أصبحت جزءاً من أسطورة مهرجان كانّ السينمائي.
يُعدّ فرنسيس فورد كوبولا من بين المخرجين القلائل الذين فازوا بسعفتين ذهبيتين عن فيلمَي "المحادثة" و"القيامة الآن". كما نال مايكل هاينيكي سعفتين ذهبيتين عن "الشريط الأبيض" و"الحب".

وينتمي أيضاً إلى نادي الفائزين المزدوجين النادر كلّ من أمير كوستوريتسا، إيمامورا شوهيه، كين لوتش، وروبين أوستلوند.
لكن تاريخ السعفة الذهبية لا يخلو أيضاً من الغيابات الصادمة والجدالات السينمائية، إذ لم يفز بها مخرجون أسطوريون مثل ستانلي كوبريك، ألفريد هتشكوك، وإنغمار برغمان، رغم تأثيرهم الهائل في تاريخ السينما.
جائزة ذات بُعد سياسي وثقافي
منذ ستينيات القرن الماضي، لم تعد السعفة الذهبية تكافئ الجماليات السينمائية وحدها، بل تحوّلت تدريجياً إلى مرآة سياسية وثقافية للعالم المعاصر.

الحروب، والهوية، والانقسامات الاجتماعية، والطبقات، والاستعمار، والذاكرة الجماعية، كلّها أصبحت موضوعات متكرّرة في الأفلام الفائزة بالسعفة الذهبية.
فيلم "سائق التاكسي" للمخرج مارتن سكورسيزي التقط صورة أميركا المصابة بصدمة ما بعد حرب فيتنام، بينما أعاد "الريح التي تهز الشعير" للمخرج كين لوتش قراءة حرب الاستقلال الإيرلندية.
وفي السنوات الأخيرة، فرضت أفلام مثل "تيتان" للمخرجة جوليا دوكورناو و"أنورا" للمخرج شون بيكر حضور سينما أكثر راديكالية واهتماماً بالهوامش الاجتماعية والتحوّلات الثقافية المعاصرة.
كيف تجاوز تأثير السعفة الذهبية حدود السينما؟
اليوم، لم تعد السعفة الذهبية مجرّد جائزة سينمائية، بل تحوّلت إلى علامة ثقافية عالمية تؤثّر في اتجاهات الصناعة، ومنصات البث التدفقي، واستراتيجيات الاستوديوهات، وحتى سباق جوائز الأوسكار.

فالسينما التي كانت تُعتبر يوماً "سينما نخبوية" أو محدودة الجمهور، بات يمكنها اليوم، بدفع من مهرجان كانّ السينمائي، أن تتحوّل إلى ظاهرة جماهيرية عالمية، كما حدث مع "طُفيلي".
ولا يزال بريق السعفة الذهبية يغذّي هيبة مهرجان كانّ في مواجهة مهرجانات كبرى مثل مهرجان البندقية السينمائي و"موسترا البندقية".
لماذا لا تزال السعفة الذهبية مهمّة؟
في عصر تهيمن فيه الامتيازات السينمائية الضخمة، والخوارزميات، ومنصات البث، لا تزال السعفة الذهبية تحتفظ ببعد يكاد يكون رومانسياً داخل السينما العالمية.

فهي لا تزال مرتبطة بفكرة أنّ الفيلم يمكنه، حتى اليوم، أن يكون عملاً فنياً كاملاً قادراً على الاستفزاز، أو الإرباك، أو تقسيم النقّاد والجمهور، انطلاقاً من عرض واحد على الكروازيت.
وربّما لهذا السبب تحديداً، تبقى السعفة الذهبية، بعد أكثر من سبعين عاماً على ولادتها، الجائزة الأكثر هيبة وأسطورية في تاريخ السينما العالمية.