منطقة اليورو بين حربي أوكرانيا وإيران: أزمة طاقة تضغط على النمو والتضخم
لا شكّ في أن الاقتصاد الأوروبي يقف اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ تضغط عليه جبهتان جيوسياسيتان في وقت واحد، وتلقيان بظلال ثقيلة على النمو والتضخم والأسواق المالية. الجبهة الأولى هي الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت عام 2022 ولاتزال مستمرة بتداعياتها العسكرية والاقتصادية والطاقوية. أما الجبهة الثانية فهي التصعيد الخطير في الشرق الأوسط، ولا سيما منها الحرب المرتبطة بإيران وما رافقها من مخاوف على إمدادات النفط والغاز عبر الخليج ومضيق هرمز.
السرّ في الطاقة
القاسم المشترك بين الأزمتين هو الطاقة. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، دخلت أوروبا أعمق عمليات إعادة التموضع الطاقوي في تاريخها الحديث. قبل الحرب، كان الغاز الروسي يشكل ركيزةً أساسية في الصناعة والتدفئة والكهرباء داخل الاتحاد الأوروبي. لكن هذه المعادلة انهارت تدريجاً. فقد تراجعت واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب من نحو 137 مليار متر مكعب عام 2021 إلى نحو 18 مليار متر مكعب فقط في 2025، أي بانخفاض يقارب 87%. كما هبطت حصة روسيا من واردات الغاز عبر الأنابيب من نحو 40% في 2021 إلى نحو 6% فقط في 2025. في المقابل، ارتفعت أهمية الغاز الطبيعي المسال، وخصوصاً من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى، إذ زادت حصة الغاز المسال في واردات الاتحاد الأوروبي من نحو 20% في 2021 إلى نحو 45% في 2025.
هذا التحول لم يكن مجانياً. فقد نجحت أوروبا في تجنب سيناريو الانقطاع الشامل، لكنها دفعت الثمن عبر ارتفاع تكلفة الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية لبعض الصناعات، ولا سيما منها الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن والأسمدة والزجاج. ألمانيا، على سبيل المثال، وهي القلب الصناعي للقارة، وجدت نفسها أمام نموذجٍ اقتصادي جديد أقل راحة: طاقة أغلى، طلب عالمي أضعف، ومنافسة أشد من الولايات المتحدة وآسيا. لذلك لم تعد أزمة الطاقة مجرد ملف معيشة أو فواتير منزلية، بل تحولت إلى سؤال حول مستقبل الصناعة الأوروبية نفسها.

انعكس ذلك بوضوح على التضخم: في ذروة أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا، تجاوز التضخم في منطقة اليورو مستويات غير مسبوقة منذ تأسيس العملة الموحدة، قبل أن يتراجع لاحقاً مع انخفاض أسعار الغاز ورفع أسعار الفائدة. غير أن الهدوء النسبي لم يدم طويلاً. فالتصعيد في الشرق الأوسط أعاد فتح الجرح نفسه، لأن أي اضطراب في إمدادات النفط والغاز من الخليج ينعكس فوراً على الأسعار العالمية، حتى لو لم تكن أوروبا المستورد الأكبر مباشرة من المنطقة. فالسوق النفطية عالمية، وأي ارتفاع في سعر برنت يرفع تكلفة النقل والشحن والمواد الأولية، ثم ينتقل تدريجاً إلى أسعار السلع والخدمات.
تراجع التفاؤل بالنمو
وفي هذا السياق، خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو في منطقة اليورو لعام 2026 إلى نحو 0.9%، بعدما كانت التوقعات السابقة أكثر تفاؤلاً. في المقابل، رُفعت توقعات التضخم إلى نحو 3% في 2026، مدفوعةً بصدمة أسعار الطاقة الجديدة. هذه الأرقام تختصر مأزق أوروبا: نمو ضعيف لا يتحمل تشديداً نقدياً كبيراً، وتضخم أعلى من الهدف لا يسمح بتيسير سريع للسياسة النقدية. وهنا تظهر معضلة البنك المركزي الأوروبي بوضوح: هل يرفع الفائدة لكبح التضخم، أم يتريث خوفاً من خنق اقتصاد هش؟
وقد عبّر عدد من مسؤولي البنك المركزي الأوروبي عن هذا القلق. فالأزمة الحالية لا تتعلق بارتفاع موقت في أسعار النفط والغاز فحسب، بل بخطر انتقال الصدمة إلى توقعات الشركات والمستهلكين. وتشير أبحاث حديثة للبنك إلى أن الحرب في الشرق الأوسط رفعت فوراً توقعات الشركات بشأن تكلفة المدخلات وأسعار البيع والتضخم القصير الأجل. هذا مهم لأن التضخم لا يصبح خطيراً فقط عندما ترتفع الأسعار، بل عندما يبدأ الجميع، من الشركات إلى العمال والمستهلكين، بالتصرف على أساس أن الأسعار ستواصل الارتفاع. عندها تتحول الصدمة الخارجية إلى تضخم داخلي أكثر صعوبة في السيطرة عليه.
أما على صعيد المستهلكين، فالمشكلة لا تقل حساسية. الأسر الأوروبية خرجت من أزمة أوكرانيا منهكةً بفواتير طاقة مرتفعة وفوائد قروض أعلى وتآكل في القدرة الشرائية. ومع صدمة جديدة في الشرق الأوسط، يتعزز ما يمكن وصفها بـ"ذاكرة التضخم": أي أن الناس يصبحون أكثر حساسية لأي ارتفاع جديد في الأسعار، حتى لو كان محدوداً. وهذا قد يدفعهم إلى تقليص الإنفاق، خصوصاً على السلع غير الأساسية، ما يزيد الضغط على النمو.

أسهم وسندات في سوق مرهقة
في الأسواق المالية، تظهر التداعيات بسرعة. الأسهم الأوروبية تتحرك بين قوتين متعاكستين: من جهة، تستفيد شركات الطاقة والدفاع وبعض القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من البيئة الجديدة؛ ومن جهة أخرى، تتضرر شركات الطيران والنقل والصناعة والاستهلاك من ارتفاع الوقود وتراجع الثقة. وقد سجّل مؤشر STOXX 600 الأوروبي تقلباتٍ واضحة مع كل خبر يتعلق بالتصعيد أو التهدئة في الشرق الأوسط، في حين يميل المستثمرون في لحظات الذعر إلى الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب والسندات الألمانية.
لكن السندات الأوروبية نفسها ليست بمنأى عن الضغط. فارتفاع التضخم يقلل شهية المستثمرين للسندات الطويلة الأجل إذا توقعوا بقاء الفائدة مرتفعة. وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومات الأوروبية إلى تمويل إنفاق أكبر على الدفاع والطاقة والتحول الأخضر ودعم الأسر والشركات. هذا يعني أن بعض الدول، ولاسيما المثقلة بالديون، قد تواجه تكلفة اقتراض أعلى إذا طال أمد الصدمات الجيوسياسية. وهنا تصبح الأزمة مزدوجة: تضخم أعلى، نمو أضعف، وحيّز مالي أضيق أمام الحكومات.
مع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. فقد أظهرت أوروبا قدرةً واضحة على التكيف منذ 2022. فقد ملأت مخزوناتها من الغاز، ووسعت وارداتها من الغاز المسال، ورفعت مساهمة الطاقة المتجددة، وبدأت ببناء بنية تحتية أكثر مرونة. كما أن تقليص الاعتماد على روسيا، رغم تكلفته، منح أوروبا هامشاً استراتيجياً أكبر. لكن التحدي الحقيقي هو ألا تستبدل أوروبا تبعية بأخرى: من الغاز الروسي إلى الغاز المسال المستورد، ومن خطوط الأنابيب الشرقية إلى ممرات بحرية قلقة في الشرق الأوسط.
#Quote#
السؤال الأساسي: هل تظل منطقة اليورو رهينة الصراعات الجيوسياسية التي تهدد أمنها الطاقوي واستقرارها الاقتصادي؟ أم تنجح في تحويل الأزمات المتلاحقة إلى فرص لبناء نموذج اقتصادي جديد، يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وحماية الصناعة، وخفض هشاشة الأسواق أمام كل صدمة خارجية؟
الجواب لن يتحدد في كييف أو طهران أو مضيق هرمز فحسب، بل أيضاً في بروكسل وفرانكفورت وبرلين وباريس، حيث تُرسم اليوم ملامح الاقتصاد الأوروبي للمستقبل.