"منتدى طنجة" يوصي بضمان استدامة الأنظمة الصحية في قارة إفريقيا

أجمع المتدخلون في المنتدى رفيع المستوى حول تمويل الصحة المستدام، الذي انعقد اليوم الأربعاء في مدينة طنجة، على هامش الدورة الثامنة والخمسين للجنة الاقتصادية لأفريقيا، على ضرورة الاجتهاد وتكاثف الجهود لضمان الاستدامة في المجال الصحي وتقويته في بلدان القارة.

وأكد أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، في كلمة بالمناسبة، أهمية التزام دول القارة المشترك لجعل أنظمتها الصحية محركات حقيقية للسيادة والازدهار المستدام لأفريقيا.

وقال التهراوي إن الصحة ليست نفقة اجتماعية، بل هي “استثمار سيادي يعكس تحولا في طريقة التفكير ووضع الميزانيات وطريقة التدبير والتنفيذ”، معتبرا أن السؤال الحقيقي الذي لم يعد “هل يمكننا تحمل الاستثمار في الصحة؟”، هو “هل يمكننا تحمل عدم الاستثمار؟”.

وسجل وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن عدد سكان أفريقيا سيتضاعف تقريبا بحلول سنة 2050، الأمر الذي يعني المزيد من الطلب الذي يضع أنظمتنا الصحية عرضة للضغوط بالفعل، موردا أن من دون تغيير هيكلي ستتحول هذه الضغوط إلى “عدم استقرار”.

وذهب التهراوي إلى أن اعتماد بلدان إفريقيا أنظمة صحية مرنة لا يمثل خيارا، بل هو شرط أساسي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدا أن “الأزمات الأخيرة كشفت نقاط ضعفنا، المتمثلة في الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، والقدرة الصناعية المحدودة، والأنظمة المجزأة”.

وشدد التهراوي على أن السيادة الصحية اليوم لا تتعلق بالمستشفيات والأطباء فحسب، بل بالقدرة على الإنتاج والشراء والتسليم، مبرزا أن الاستثمار الناقص في الصحة ليس أمرا محايدا، بل إنه مكلف، مشيرا إلى أنه يضعف الإنتاجية ويزيد الضغط المالي على المدى الطويل ويعمق عدم المساواة.

وزاد التهراوي موضحا أن النظام الصحي الضعيف يشكل خطرا اقتصاديا كليا، والنظام الصحي القوي هو أصل للنمو، مشيرا إلى أن الاستثمار في الصحة ليس عبئا على الميزانية العامة، بل هو شرط للاستدامة على المدى الطويل، مستعرضا التجربة المغربية في المجال وكيف ترجمت المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، الرؤية المعتمدة إلى إصلاحات ملموسة تضع التغطية الصحية الشاملة في صميم النموذج التنموي.

وقال المسؤول الحكومي إن المسار المستقبلي لأفريقيا يقف عند نقطة تحول تستدعي مواءمةً أقوى بين وزارات المالية ووزارات الصحة، وتنظيمًا أفضل وعمليات شراء محسّنة، وإنتاجا دوائيا ولقاحا محليا وسلاسل توريد مرنة ومراكز صناعية إقليمية، معتبرا أن هذا الطريق يمكن أن تصبح معه السيادة حقيقة واقعة، مذكرا بأن المغرب يعمل في هذا الاتجاه من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتعزيز التعاون جنوب-جنوب.

من جهته، قال كلافير جاتيتي، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا، إن أسس التمويل الصحي في أفريقيا تتحول بسرعة لا رجعة فيها، مبرزا أن الظروف المالية العالمية تتشدد وترتفع تكلفة رأس المال ويتقلص الحيز المالي.

وأضاف غاتيتي في كلمة بالمناسبة أن المساعدات الإنمائية التي كانت يوما ما ركيزة موثوقة لتمويل الصحة، تتراجع وتزداد غموضا، سواء من حيث الحجم أو القدرة على التنبؤ، مؤكدا أن الضغوط المحلية تتزايد؛ إذ أنفقت إفريقيا حوالي 145 مليار دولار أمريكي على الصحة في عام 2022، ومع ذلك جاء أقل من نصفها من التمويل العام.

وسجل المسؤول الأممي أن هناك احتياجات صحية متزايدة في إفريقيا في ظل مساحة مالية متقلصة، معلنا أنه “في ظل هذا القيد، تكمن فرصة حاسمة، ليس فقط لتمويل الصحة بطريقة مختلفة، بل لتحويل كيفية بناء أنظمتنا، وتوسيع نطاقها، واستدامتها”.

وأكد أن حل المشكلة التي يعاني منها الجميع يمكن أن توفره منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لافتا إلى أنه كثيرا ما يُنظر إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية على أنها “اتفاقية تجارية. لكنها أكثر من ذلك بكثير”.

وشرح أنها “بنية تنموية توفر سوقا تضم 1,5 ملايير نسمة، وناتجا محليا إجماليا يزيد عن 3,4 تريليونات دولار أمريكي، ومنصة للانتقال من النظم الوطنية المجزأة إلى حلول قارية متكاملة”، مشددا على أنه “لا يوجد مجال يكون فيه هذا التحول أكثر إلحاحا من مجال الصحة”.

وأوضح غاتيتي أن “أفريقيا تستورد أكثر من 70% من مستحضراتها الصيدلانية، مما يجعلنا عرضة للصدمات الخارجية، واضطرابات الإمداد، وارتفاع التكاليف”، واستدرك قائلا: “لكننا بدأنا نرى تقدما، لقد برز المغرب والجزائر كمراكز إقليمية للأدوية، وتبني رواندا قدرات تصنيع جديدة، فيما تواصل جنوب أفريقيا ترسيخ الإمدادات الإقليمية”.

وأردف أنه من خلال منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، يمكن لهذه المكاسب المعزولة أن تصبح نظاما قاريا متصلا وتنافسيا، مؤكدا قدرة البلاد على بناء سلاسل قيمة إقليمية، وتنسيق المعايير التنظيمية.

يذكر أن المنتدى سجل حضور وزراء للصحة ومسؤولين أمميين وأفارقة، بالإضافة إلى خبراء دوليين في قطاع أنظمة الصحة وتمويلها وضمان استدامتها، الذين قدموا رؤى وتصورات متقاطعة تدعم تعزيز الاستثمار في المجال الصحي وتطالب الحكومات الإفريقية بإيلائه العناية اللازمة لتحقيق التنمية وضمان الاستقرار والسيادة.

The post "منتدى طنجة" يوصي بضمان استدامة الأنظمة الصحية في قارة إفريقيا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress