من يربح حين يخسر لبنان؟
نعيم عون
كان على القوى اللبنانية، ومعها الخارج المعني باستقرار لبنان، أن تقرأ قبول "حزب الله" بوقف النار في تشرين الثاني 2024 باعتباره فرصة سياسية نادرة، لا لحظة شماتة ولا محطة لتصفية الحسابات. فقد حملت تلك اللحظة اعترافاً ضمنياً بأن الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الهجوم كان خطأً، وأن البلاد دخلت مرحلة لا تُدار بالمعادلات القديمة.
لكن ما حدث كان العكس تقريباً. بدل فتح نافذة وطنية لاحتواء "حزب الله" داخل مسار دولة، جرى التعامل مع لحظة ضعفه كفرصة للضغط عليه ودفعه إلى الزاوية. ومن يظن أن قوة بهذا الحجم، بما تمثله من ذاكرة وخوف وبيئة اجتماعية، يمكن دفعها إلى الزاوية بلا تكلفة على لبنان كله، يخطئ في قراءة المجتمع والدولة والخوف.
ليست هذه أول فرصة يضيّعها لبنان. بعد خروج الجيش السوري عام 2005، كان يمكن فتح نقاش وطني جدي حول السيادة والسلاح وشكل الدولة بعد الوصاية. لكن تلك اللحظة ضاعت بين الحسابات الضيقة والاستقواء بالخارج والرهانات المتقابلة. واليوم يتكرر المشهد: محطة كان يمكن أن تصبح بداية انتقال وطني، فإذا بها تتحول إلى سبب إضافي للتصلب وانعدام الثقة.
"حزب الله" يتحمل مسؤولية كبرى، لكنه ليس الطرف الوحيد. خصومه يتحملون أيضاً مسؤولية سوء التقدير حين قرأ بعضهم لحظة الضعف فرصةً للإلغاء لا لإعادة الإدماج، والخارج يتحمل مسؤوليته حين طلب من لبنان ما يفوق قدرته من دون أن يساعده على بناء شروط انتقال جدي.
المشكلة اللبنانية لا تبدأ وتنتهي عند سؤال السلاح، وإن كان أحد أهم عناوينها. المشكلة الأعمق أن كل مكوّن يحمل هاجساً وجودياً أو سياسياً أو أمنياً، ويريد من الدولة أن تطمئنه لا أن تتحول إلى أداة تُستعمل ضده. بعض الهواجس يرتبط بالحماية، وبعضها بالشراكة، وبعضها بالموقع والدور، وبعضها بالخوف من الحرب والانهيار والخارج وإسرائيل. ومع الوقت، تحولت هذه الهواجس إلى جدار من انعدام الثقة.
هنا يبدأ الحل الحقيقي: لا بإنكار الهواجس أو السخرية منها، بل بوضعها على الطاولة ضمن مصارحةٍ وطنية جدية تسأل: ما الذي يخيف كل مكوّن؟ ماذا يريد من الدولة؟ ماذا يخشى من الآخر؟ وماذا يستطيع أن يقدّم كي تقوم دولة تحمي الجميع ولا تُستعمل ضد أحد؟
لا يمكن بناء دولة إذا شعر مكوّن أساسي أنها مشروع لنزع حمايته، ولا إذا شعر آخرون أن السلاح سيبقى سلطةً أعلى من الدستور. ولا يمكن أن يُطلب من الجنوب أن يثق بالدولة إذا
تُرك أمام إسرائيل، ولا من بقية اللبنانيين أن يقبلوا قرار حرب وسلم لا يمرّ بمؤسساتهم. السؤال الوطني هو: كيف ننتج دولة تطمئن الجميع وتُلزم الجميع؟
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة لأن ساسته عالجوا هواجسهم بالإنكار.
لذلك يجب تغيير لغة النقاش، والبدء من سؤال أكثر واقعية: كيف نحوّل عناصر القوة الموجودة في لبنان إلى قوة دولة؟ وكيف نحوّل هواجس المكوّنات من أسباب صدام إلى ضمانات سياسية ودستورية وأمنية متبادلة؟
الدولة لا تُبنى على الانتقام، بل على عقدٍ وطني يُشرك الجميع. "حزب الله" يخسر حصرية قراره العسكري خارج الدولة، لكنه يربح انتقالاً آمناً لدوره داخل معادلة لا تستهدف بيئته. خصومه يخسرون وهم كسره وإلغائه، لكنهم يربحون مساراً فعلياً نحو دولة واحدة. الجيش يربح وظيفة وطنية واضحة، والجنوب يربح حماية لا تُترك للمزاج الإسرائيلي، وبقية اللبنانيين يربحون دولة تحميهم من الفساد والزبائنية واستزلام زعمائهم للخارج.
أما الخارج، فعليه أن يعيد قراءة مصلحته في لبنان. فالدول لا تتحرك بالعاطفة، لكن سوء تقدير المصالح قد يحوّل الضغط إلى نتيجة عكسية. فما كان ممكناً في خريف 2024 أن يتحول إلى نافذة تسوية واحتواء، تُرك ليتحوّل إلى تصلّب جديد. لقد بالغ الخارج، كلٌّ من موقعه، في الرهان على الضغط ورفع سقف المطالب على سلطة لبنانية ضعيفة. وهذه المقاربة لا تنتج استقراراً مستداماً، بل تدفع لبنان إلى مزيد من التصلب والانكشاف. لذلك لا ينبغي أن تكون مصلحة الخارج في لبنان منفصلة عن مصلحة لبنان نفسه؛ فالاستقرار الحقيقي يحمي البلد من دون أن يتحول إلى تكلفة مفتوحة على الجميع.
أما الوضع الإسرائيلي القديم الجديد، فيجب وضعه أيضاً في مقاربة جديدة. لا يمكن أن يُطلب من لبنان ضبط الداخل بينما يستمر القصف والاغتيال والتهديد. ولا يمكن أن يُقال للجنوب: ثق بالدولة، إذا كانت لا تملك قدرة فعلية على منع الاعتداءات أو إلزام المجتمع الدولي حمايته. أي مسار وطني لا يبدأ بوقف نار فعلي ولا يضع التزامات إسرائيل على الطاولة، لن يُكتب له النجاح. فالقوة وحدها لا تنتج حلولاً، والانتصارات التكتيكية لا تصنع حلولاً مستدامة.
لكن في النهاية، لا يستطيع اللبنانيون أن يعلّقوا كل شيء على الخارج. الخارج يستعمل الضعفاء، وكلما بقي لبنان منقسماً بقي قابلاً للاستعمال. لذلك لا بد من مسؤولية داخلية شجاعة توقف استدعاء الخارج ضد الداخل.
المطلوب اليوم ليس إكمال حفلة الزجل الإعلامي بين من يهاجم "حزب الله" ومن يدافع عنه. المطلوب مقاربة وطنية تقول: لدينا مشكلة سلاح، ومشكلة دولة، ومشكلة ثقة بين المكوّنات، ومشكلة خارج يستعمل لبنان. ولا حل لأي واحدة من هذه المشكلات إذا عولجت منفردة.
لبنان لا يحتاج إلى كسر أحد كي تقوم الدولة، بل إلى أن يتحمل الجميع مسؤولية قيامها. يحتاج إلى طاولة لا يذهب إليها الأطراف كي يربحوا على بعضهم، بل كي يقول كل طرف للآخر: هذا ما أخافه، هذا ما أريده، وهذا ما أستطيع أن أقدمه كي لا يبقى لبنان رهينة الخوف. ومن هنا تكتسب دعوة البابا لاوون الرابع عشر إلى المصالحة والتعبير عن الهواجس بشجاعة معناها السياسي العميق: لا مصالحة حقيقية إذا ظل كل طرف يخفي خوفه، ولا دولة إذا بقيت الهواجس تُدار بالصمت أو الاستقواء أو الإنكار.
ليست مأساة لبنان أنه لا يحصل على فرص، بل أن ساسته يبدّدونها عند كل منعطف. ففي اللحظات التي كان يمكن أن تُفتح فيها أبواب الدولة، يتقدّم منطق الغلبة على منطق العقد، ويتحوّل ضعف الخصم إلى إغراءٍ للضغط لا إلى فرصة لإعادة بناء المشترك.
عنوان المرحلة المقبلة يجب أن يكون واضحاً: لا دولة تُبنى على الخوف، ولا وطن يُبنى على سلطة تسرق شعبها، أو عاصمة تنفجر بلا حساب، أو أمن يتحرك خارج الدولة. الحل أن توضع كل الهواجس على الطاولة، وأن تتحول التعددية اللبنانية من سبب صدامٍ إلى نظام ضمانات متبادلة داخل دولة واحدة.
لبنان لا يفتقر إلى الفرص؛ يفتقر إلى الحكمة والشجاعة السياسية التي تحوّل الفرصة إلى عقد وطني قبل أن تبتلعه لعبة الأمم.