من يداوي وجع الطاقم الصحي في لبنان؟
شرف أبو شرف - نقيب الأطباء سابقاً
لم تعد معاناة المرضى في لبنان القصة الوحيدة داخل المستشفيات، بل امتدّ الوجع إلى من يُفترض بهم أن يداووا.
في يومياتٍ يثقلها التعب، يئنّ القطاع الصحي تحت وطأة أزمات متراكمة، حتى غدا السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا مرض الطاقم الصحي، فمن يداويه؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود في العمل الطبي، بين مختلف المناطق اللبنانية، وعملي المتواصل نقيباً للأطباء خلال حقبتين من الزمن، أي ست سنوات، أستطيع القول إنّ الكفاءة لم تتراجع. ما زالت حيّة في خبرة الأطباء، وفي التزام الممرضات، وفي تلك اللمسة الإنسانية التي تميّز هذا القطاع. لكن ما يتآكل اليوم ليس المعرفة، بل القدرة على الاحتمال.
مرضى يشتكون من الكلفة، وطواقم تعمل فوق طاقتها، وضغط يومي يفوق الحدود. لم يعد المستشفى فقط مكاناً للعلاج، بل مرآة لوطنٍ متعب.
الأسباب معروفة، لكنها قاسية في تراكمها. الانهيار المالي أطاح بالمدخرات، وأضعف الجهات الضامنة، وخلق فجوة بين كلفة الاستشفاء وقدرة المرضى. تزامن ذلك مع هجرة واسعة للكفاءات، بحثاً عن عيش كريم، ما ترك فراغاً كبيراً في الكادر الصحي.
ثم جاءت الأزمات الكبرى، من جائحة كورونا التي استنزفت الطواقم وأودت بحياة عددٍ منهم، إلى انفجار مرفأ بيروت الذي وضع المستشفيات أمام تحدٍّ استثنائي في ليلة واحدة. ومع ضعف الدعم المؤسسي، بات القطاع يعمل في ظروف صعبة.
انعكس ذلك في مشهد يومي مثقل بالإرهاق. الطواقم التمريضية تعمل بجهدٍ مضاعف، لكن الوقت لا يكفي لتقديم الرعاية المطلوبة. العلاقة بين المريض ومقدّم الخدمة أصبحت أكثر توتراً، والتكاليف ارتفعت بشكل كبير. وما يزيد خطورة الوضع تعرّض العاملين أحياناً للعنف اللفظي أو الجسدي، في غياب حماية كافية، ما يعمّق شعورهم بعدم الأمان.
ومع ذلك، لا يزال بالإمكان وقف التدهور. تبدأ الخطوات العاجلة بزيادة عدد الممرضات والممرضين لتخفيف العبء، ورفع الأجور بشكل عادل لتحفيزهم على البقاء، فهم العمود الفقري لأي نظام صحي. كما أن تأمين الحماية للعاملين في القطاع بات ضرورة ملحّة، فلا يمكن لمن يداوي الناس أن يعمل في بيئة مهدِّدة. ويُستكمل ذلك بتطبيق قانون فصل الأتعاب للأطباء كاملاً، ودفع مستحقاتهم مباشرة من الجهات الضامنة الرسمية والخاصة ضمن مهلة زمنية محددة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بما يحفظ كرامتهم ويؤمّن استقرارهم المهني. إلى جانب ذلك، يبقى تحسين تنظيم العمل، وتوفير دعم نفسي للعاملين، وتعزيز التواصل مع المرضى، خطوات أساسية لإعادة التوازن.
لكن الحل الحقيقي يتجاوز الإجراءات المرحلية. إنه يبدأ بقيام دولة قادرة على دعم القطاع الصحي وإصلاحه، واستعادة الثقة بالمؤسسات، ووقف نزيف الكفاءات. دولة تدرك أن الاستثمار في الإنسان، طبيباً كان أم ممرضاً، هو شرط بقاء الوطن.
يحزنني أن أرى زملاء يغادرون، وأن أرى من بقي منهم يقاتل بصمت. لكنني، رغم كل شيء، ما زلت أؤمن بأن هذا البلد قادر على النهوض. لسنا شعباً عاجزاً، بل شعبٌ مُنهك.
نحن لا نطلب المستحيل، بل وطناً يحمي من يحمون حياة الآخرين، ويعيد إليهم الكرامة والأمان والسلام، لتعود المستشفيات كما يجب أن تكون: أماكن للشفاء، لا مرآةً للألم.