من يخسر عندما تنتصر الديبلوماسية على الحرب؟
يد الله كريمي بور*
في ظل الحروب الممتدة والأزمات المستعصية، لا تُقاس قيمة الاتفاقات السياسية دائماً بما تتضمنه من بنود فحسب، بل أحياناً بما تمثله من انتقال من منطق الصراع إلى منطق التسوية. ومن هذا المنطلق، فإن الترحيب بمذكرة التفاهم الراهنة لا يستند إلى تفاصيلها التي لم تُنشر بعد، وإنما إلى مبدأ وجودها بحد ذاته، وما يحمله من مؤشرات سياسية واستراتيجية على تحوّل مهم في مسار الأزمة.
هزيمة المتشددين
يكشف الموقف الرافض مذكرة التفاهم من بعض القوى المتشددة في الداخل وتجار الأزمات في الإقليم أن الاتفاق يمس بصورة مباشرة المصالح التي تشكلت خلال سنوات الصراع. فالحروب الطويلة لا تنتج جبهات عسكرية فحسب، بل تخلق أيضاً شبكات اقتصادية وسياسية تستفيد من استمرار التوتر وتعيش على إدامة الأزمات.
إن قبول أطراف النزاع بمثل هذه المذكرة يعني عملياً أن تكلفة استمرار الحرب أو حالة الجمود أصبحت أعلى من تكلفة التسوية. وهذا بحد ذاته مؤشر على وصول الجميع إلى مرحلة التشبع من الأزمة واستنزاف الخيارات السابقة. كما أن وجود وثيقة رسمية يتيح للمجتمع الدولي والرأي العام تقييم مدى التزام الأطراف مسار السلام، ويحدّ من قدرة دعاة الحرب على التلاعب بالسرديات السياسية أو التنصل من المسؤولية.
ومن هنا، فإن أكبر الخاسرين من أي تفاهم سياسي هم أولئك الذين ترتبط مصالحهم باستمرار النزاع، لأن الانتقال من الساحة العسكرية إلى الساحة السياسية يسحب تدريجاً المبررات التي تقوم عليها مشاريعهم ونفوذهم.
التحول نحو نهج السلام
حتى لو واجهت مذكرة التفاهم صعوباتٍ أو تعثرات في المستقبل، فإن أهميتها تكمن في أنها تنقل البيئة السياسية والنفسية من مرحلة الحرب إلى مرحلة الديبلوماسية. فالنجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في توقيع الوثيقة، بل في كسر الحلقة المفرغة للصراع وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.
كما أن وجود اتفاق رسمي يفتح المجال أمام أطراف إقليمية ودولية للقيام بدور الضامن أو المراقب، ما يحول النزاع من مواجهة ثنائية مفتوحة إلى التزام متعدد الطرف، تصبح تكلفة الإخلال به أعلى بكثير من السابق.
وعلى المستوى المجتمعي، تمنح التفاهمات السياسية المجتمعات المنهكة فرصةً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية. فالرأي العام الذي ذاق مرارة الحرب يصبح أكثر تمسكاً بالاستقرار وأقل استعداداً للعودة إلى دوامة العنف، وهو ما يشكل عامل ضغط إضافياً لصالح استمرار المسار السلمي.
ضرورة الانضباط الاستراتيجي
غير أن الترحيب بمذكرة التفاهم لا يعني التعامل معها بوصفها نهاية المطاف أو ضمانة تلقائية للنجاح. فالمرحلة اللاحقة تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط الاستراتيجي والواقعية السياسية. والخطأ الذي يقع فيه كثيرون من المنتقدين هو مقارنة أي اتفاق واقعي بسلام مثالي خالٍ من العيوب، في حين أن الخيارات المتاحة على الأرض تكون غالباً بين تسوية ناقصة وحرب مدمرة.
إن مرحلة ما بعد التفاهم يجب أن تترافق مع إصلاحات سياسية واقتصادية تعزز الثقة الداخلية، وتقلص مساحات الفساد والاحتكار والريع التي تغذت على ظروف الحرب والانغلاق. كما أن تراجع المخاطر الأمنية يهيئ الظروف لتحويل رؤوس الأموال من الأنشطة غير المنتجة إلى الاستثمار الحقيقي، بما يساهم في إعادة بناء الاقتصاد وتخفيف الضغوط الاجتماعية.
وفي النهاية، فإن الحكم على أي مذكرة تفاهم لا يكون من خلال مثاليات مجردة، بل من خلال مقارنتها بالبديل الواقعي المتاح. ولهذا أظل مقتنعاً بأن أسوأ أشكال السلام والتفاهم يظل، في معظم الأحيان، أكثر فائدة وأقل تكلفة من أفضل الحروب وأكثرها قابلية للتبرير.
*أكاديمي إيراني ومحلل في قضايا الجغرافيا السياسية والعلوم السياسية في إيران
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية