من يحمي عائلات "أسود الأطلس"؟.. الكرة في ملعب لقجع
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يصبح الوصول إلى عائلات لاعبي المنتخب الوطني أسهل من الوصول إلى اللاعبين أنفسهم، وأن تتحول الأمهات والآباء والزوجات والأطفال، في لحظة يفترض أن تكون عنوانا للفرح الوطني، إلى أهداف لكاميرات بعض صناع المحتوى، يلاحقونهم بين المدرجات والممرات بحثا عن لقطة ترفع عدد المشاهدات، وكأن خصوصية الناس أصبحت ثمنا عاديا في سوق “الترند”.
هذا المشهد لا يسيء إلى عائلات اللاعبين وحدها، وإنما يمس صورة منتخب بنى مكانته بالعمل والانضباط، حتى غدا أحد أبرز مشاريع النجاح الرياضي المغربي، فمن المفارقات أن المنتخب الذي فرض احترامه داخل المستطيل الأخضر، وجد نفسه في مونديال 2026 أمام سلوكيات لا تمت بصلة إلى قيم الاحتراف التي أوصلته إلى هذه المكانة، بعدما تحول محيطه، في بعض اللحظات، إلى مساحة مفتوحة للتطفل، واختلط فيها التشجيع باقتحام الحياة الخاصة، والإعجاب بملاحقة الأشخاص، وصناعة المحتوى بانتهاك أبسط قواعد الاحترام.
ولذلك لم تكن الرسالة التي نشرها أكرم الصيباري، شقيق الدولي إسماعيل الصيباري، مجرد دفاع عن أسرته، وإنما شهادة من داخل محيط المنتخب على أن ما يجري لم يعد حالات معزولة، بل أصبح ظاهرة تستحق الوقوف عندها، فحين يضطر شقيق لاعب دولي إلى مطالبة الناس باحترام والدته وعائلته، فالمشكلة لم تعد في تصرف فردي، وإنما في حدود بدأت تتلاشى بين حق الجمهور في التشجيع، وحق الإنسان في أن تبقى أسرته بعيدة عن المطاردة والكاميرات.
ولا أحد يجادل في حق الجمهور في الاحتفال، كما لا أحد ينكر أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من المشهد الرياضي الحديث، وأن كثيرا من صناع المحتوى يقدمون أعمالا مهنية تسهم في نقل أجواء المباريات إلى ملايين المتابعين، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح البحث عن “الترند” أهم من احترام الناس، وعندما تتحول الكاميرا من وسيلة لنقل الحدث إلى أداة لاقتحام الحياة الخاصة، فيختفي الفارق بين التوثيق والتطفل، وبين العمل الإعلامي وملاحقة الأشخاص، وهي ممارسات لا يمكن تبريرها بالحماس أو بحب المنتخب.
والمثير للانتباه أن بعض من يمارسون هذه السلوكيات لا يحتاج إلى اعتماد رسمي حتى يقترب من عائلات اللاعبين، إذ قد يصل إليهم من بين الجماهير، ويتحرك كما يفعل مصورو “الباباراتزي”، باحثا عن لقطة استثنائية أو مشهد عاطفي يضمن انتشارا واسعا، غير عابئ بما قد يسببه ذلك من إزعاج أو إحراج، أو بما قد يترتب عليه من مساس بخصوصية أشخاص لم يختاروا الظهور أمام الرأي العام، وإنما حضروا لتشجيع أبنائهم، شأنهم شأن أي أسرة ترافق أحد أفرادها في مناسبة استثنائية.
ومن الخطأ تحميل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مسؤولية تنظيم ما يقع داخل ملاعب كأس العالم، فالجميع يدرك أن البطولة تخضع لإشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجان المنظمة في البلدان المستضيفة، غير أن ذلك لا يعفي الجامعة من مسؤولية حماية محيط المنتخب، خاصة أن رئيسها فوزي لقجع أعلن قبل انطلاق البطولة استمرار مرافقة عائلات اللاعبين للبعثة المغربية، باعتبارها جزءا من فلسفة الإعداد النفسي التي اعتمدت منذ مونديال قطر 2022، وهي فلسفة أثبتت نجاحها في تعزيز الاستقرار الذهني والعاطفي للاعبين.
ومن هنا تكتسب القضية بعدا آخر، فإذا كانت الجامعة تعتبر الأسرة جزءا من منظومة صناعة الإنجاز، فإن حماية هذه الأسرة تصبح امتدادا طبيعيا لهذه الفلسفة، لأن العائلات التي حضرت بدعوة من الجامعة وعلى نفقتها، لتكون سندا نفسيا للاعبين، لا ينبغي أن تجد نفسها وسط مطاردة الكاميرات، أو أن تتحول إلى مادة للاستهلاك الرقمي، فالدعم النفسي الذي تراهن عليه الجامعة يفقد قيمته عندما يصبح مصدر الطمأنينة نفسه عرضة للإزعاج.
ولا يتعلق الأمر بعزل العائلات عن الجماهير، ولا بمنع الناس من التعبير عن محبتهم للمنتخب، وإنما بوضع مدونة سلوك واضحة تنظم العلاقة مع محيط المنتخب، وتحدد حدود التعامل مع اللاعبين وأسرهم، مع تعزيز التنسيق مع الجهات المنظمة في البطولات الكبرى لتوفير الظروف التي تحمي خصوصية العائلات، لأن المؤسسات التي تبني مشاريع كبرى لا تكتفي بإلإشراف على المنتخبات الوطنية، وإنما تحمي أيضا البيئة الإنسانية التي تساعد على تحقيق النجاح.
لقد نجحت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في بناء واحد من أنجح المشاريع الرياضية في القارة، واليوم تجد نفسها أمام اختبار جديد، ليس داخل الملعب، وإنما خارجه، فحماية محيط المنتخب أصبحت جزءا من حماية المشروع نفسه، واستكمالا لفلسفة أعلنها فوزي لقجع بنفسه، قوامها أن الأسرة عنصر من عناصر صناعة الإنجاز، وإذا كانت كذلك، فإن صون كرامتها وخصوصيتها لم يعد خيارا، بل مسؤولية مؤسساتية تفرضها طبيعة المشروع، لأن المنتخبات الكبيرة لا تقاس فقط بما تحققه من انتصارات، وإنما أيضا بقدرتها على حماية الإنسان الذي يقف خلف تلك الانتصارات.
The post من يحمي عائلات "أسود الأطلس"؟.. الكرة في ملعب لقجع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.