من يحاسب النيابة العامة؟

إذا كانت النيابة العامة تريد محاسبة المحامي على انتقاده لها، فمن يحاسب النيابة العامة على عدم قيامها بمهامها؟

إنه لأمر جلل أن تتجه النيابة العامة إلى المطالبة بمتابعة محام تأديبياً فقط لأنه ناقش، على حسابه في فيسبوك، تعاطيها السلبي مع شكايات وجهها إليها نيابة عن موكليه.

وقد جاءت مطالبة النيابة العامة، وفق ما أشار إليه الزميل محمد الشمسي من هيئة الدار البيضاء، بناء على كونه تقدم، “كمحام، بعدد من الشكايات دفاعاً عن عدد من الموكلين الذين استأمنوه على مصالحهم، وعندما تتبع مآل تلك الشكايات، بعضها لم يجد له أثر في شعبة الشكايات، وبعضها لم يتم إيلاء العناية الواجبة لها رغم طابعها الذي يحمل خطورة واستعجالاً، وبعضها بقي دون اتخاذ قرار فيه قرابة خمس سنوات، علماً أن الأمر يتعلق بجنح تتقادم بأربع سنوات، وبعضها لا يدري لها وجهة ولا مصيراً.”

وأضاف بأنه “قدم عدداً من الشكايات بحثاً عن الشكايات، وتنقل بين المكاتب والشعب والأقسام، وأحياناً بين المحاكم، بحثاً عن شكاية أحيلت من محكمة إلى محكمة أخرى بواسطة البريد المضمون… وعندما يئس من أن يلقى مخاطباً وجواباً يسعفه في إشعار الموكلين بمصير شكاياتهم، نقل هذه المعاناة وتلك الرحلة السيزيفية عبر صفحته في فيسبوك بكل تجرد ومسؤولية…”

نقل المعاناة بهذه الطريقة، وعوض أن يدفع النيابة العامة إلى التحرك الفوري لمعرفة مصير شكايات المواطنين الذين ألقوا الأمانة على عاتق الزميل، جعلها تختار منحى آخر، وهو الاستنجاد بمقصلة التأديب ضده بعلة عدم تقيده في السلوك المهني بمبادئ الكرامة والشرف والأخلاق الحميدة. فهل الشرف والكرامة والأخلاق الحميدة تقتضي تسلم الأتعاب من الموكلين وتقديم شكايات ثم إهمالها دون أدنى متابعة؟ ألا يعتبر ذلك تخاذلاً من المحامي في القيام بمهامه نيابة عمن ائتمنوه على حقوقهم وحرياتهم، وقد يوصف أحياناً بالتواطؤ من طرف بعض المتقاضين؟

إن تقديم المحامي للشكاية إلى النيابة العامة لا يعني نهاية مهمته، بل هو فقط المنطلق لبدء سلسلة مترابطة من الإجراءات، حيث يلزمه الضمير المهني المسؤول بمتابعة مآل الشكايات بمختلف الوسائل الممكنة. وهو ما قام به الزميل بكل مهنية أمام النيابة العامة. ولما ووجهت طلباته بالإهمال وضاق به الحال، توجه إلى رئاسة النيابة العامة من أجل التشكي من هذا الوضع. لكن رئاسة النيابة العامة، وعوض أن تجد حلاً جذرياً لهذه المعضلة، وجهت شكايته إلى النيابة العامة نفسها.

وبعد طول انتظار، وفي غياب أي بصيص للحل في الأفق، وجد الزميل نفسه مضطراً لنقل هذه المعاناة إلى الرأي العام مستعيناً بحسابه على فيسبوك. فما كان من النيابة العامة إلا أن وجدتها فرصة مواتية للمطالبة بتأديبه لارتكاب مخالفات مهنية، حسب رأيها.

إن الفعل الذي يعد جريمة أو مخالفة مهنية يوصف بهذا الوصف إذا توفرت العناصر القانونية والواقعية الضرورية لقيامه، بغض النظر عن ظروف ومكان وزمان ارتكابه. أي إن السلوك المخالف للقانون يكون كذلك سواء تمت صياغته في مراسلة أو كتاب أو مذكرة أو شكاية أو في تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي أو في مقال بجريدة أو موقع إلكتروني، ولا يمكن اعتباره مخالفاً للقانون فقط لأنه جاء في شكل تدوينة على فيسبوك.

إن النيابة العامة، بانحرافها نحو هذا المنحى الخطير في التضييق على الدفاع ومحاولة تكميمه، تريد بذلك أن تضفي على أعمالها طابع القداسة وتجعلها بمنأى عن النقد أو الانتقاد، أو على الأقل تريد أن يبقى أي قصور أو تقصير يشوب عملها في حدود جدران المحكمة وبعيداً عن النقاش العام. فمن سيحاسب النيابة العامة على عدم قيامها بواجبها في دراسة الشكايات، وإعطاء التعليمات لفتح الأبحاث التمهيدية، والإشراف عليها، وتحريك المتابعات اللازمة؟

إن الحماية التي تريد النيابة العامة، مع الأسف، أن تتمتع بها أعمالها، لا تتمتع بها حتى الأحكام القضائية التي تصدر باسم جلالة الملك وطبقاً للقانون، والتي كانت غير ما مرة محل نقد وانتقاد ومناقشة، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو على صفحات الجرائد الورقية أو الإلكترونية، في حدود الاحترام طبعاً، ودون السقوط إلى مستوى تحقيرها أو المساس بسلطة القضاء أو استقلاله.

إن هذا الانحراف الخطير في عمل النيابة العامة لا يتضرر منه المحامي فقط، بل تتضرر منه بدرجة أولى حقوق وحريات المتقاضين التي تقع على عاتق القضاء مسؤولية حمايتها. فما الفائدة من لجوء المتقاضي إلى النيابة العامة إذا كانت شكايته ستجابه بالإهمال؟ وإذا كانت النيابة العامة تريد أن تصبح حرة في طريقة تدبير إجراءاتها دون رقيب ولا حسيب، فما عليها إلا أن تعمل جاهدة على استصدار قانون ينص على ذلك. آنذاك لن تجد محامياً يتجرأ على مناقشة قراراتها.

إن هذا النوع من الاجتهادات في عمل النيابة العامة هو ما يدفعنا دائماً، كمحامين، إلى المطالبة بتوسيع حصانة المحامي خلال ممارسة مهنته أو بسببها. وهي حصانة لا يجب أن تبقى حبيسة جدران المحاكم بمناسبة تقديم المحامي لمذكراته أو مرافعاته، بل يجب أن تمتد إلى كل ما له علاقة بممارسة المحامي لمهامه، حتى لو كان ذلك بمناسبة التصريحات الصحفية أو التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي، ما دام الأمر مرتبطاً بالنيابة أو المؤازرة في قضية تروج أمام القضاء أو ينتظر أن تعرض عليه.

 محام بهيئة القنيطرة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم