من واشنطن إلى أبوظبي: شبكات سلاح تحكم بورتسودان
لم يعد السؤال عن هوية القوات المسلحة السودانية مسألة نظرية تحتمل الجدل، بل بات سؤالاً وجودياً يطرحه الدم النازف في شوارع السودان. فما يجري اليوم لا يُقرأ باعتباره عمل جيش انقلابي، بل هو تحوّل عضوي مكتمل: من جيش نظامي إلى مليشيا عقائدية ترتدي البدلة العسكرية، تديرها شبكة مصالح متشابكة بين رجال دين وتجار سلاح وسماسرة دوليين، بينما يحترق السودان في الخلف.
ما كشفته السلطات الإماراتية، أمس، بإحالة شبكة تسليح مرتبطة بالجيش السوداني إلى المحاكمة، بعد أسبوع من قبض السلطات الأميركية على شبكة إيرانية تعمل في مجال تهريب وبيع السلاح لصالح الجيش السوداني، لم يكن مصادفة إجرامية، بل صورة كاشفة للطريقة التي تُدار بها الحرب في السودان.
حين يتورط قادة برتب رفيعة في صفقات سلاح عبر سماسرة وشركات وهمية تمتد من أبوظبي حتى واشنطن، فهنا لا تجوز تسمية جيش، ولا يجوز تسمية ذلك دفاعاً عن الوطن.
الاسم الدقيق لهذا النشاط هو اقتصاد الحرب، الذي تُديره عصابة لا تختلف في منطقها عن أي تنظيم إجرامي عابر للحدود، غير أنها تمتلك ميزة إضافية: رتباً عسكرية وختماً حكومياً.
هذه البنية التحتية للفساد المؤسسي لا تُبنى في يوم، ولا تُفكَّك بخطاب سياسي. فاستخدام الشركات المدنية واجهاتٍ لتمرير صفقات الأسلحة، والتلاعب بالفواتير لتوليد أرباح غير مشروعة، هو مؤشر على أن من يُمسك بزمام هذا الجيش لا يفكّر بمنطق القائد العسكري، بل بمنطق المقاول الذي يضمن استمرار العقود طالما استمرت الحرب.

الحقيقة التي يتهرب منها خطاب بورتسودان هي أن القوات المسلحة السودانية تحوّلت إلى ذراع عسكرية للحركة الإسلامية (الإخوان)، التي أسقطتها الثورة في الشارع قبل أن تُستعاد في الثكنات.
وهذا الارتهان لم يكن اختياراً طارئاً، بل هو منهج ممنهج: استبدال ولاء الجندي للدستور بولائه للتنظيم، وتحويل المؤسسة العسكرية من حامية للمواطن إلى أداة بقاء لنخبة فقدت شرعيتها الشعبية فطلبتها من فوهة المدفع.
ولأن السوق الشرعية للسلاح تشترط شفافية لا تتحملها هذه المنظومة، انزلق القادة نحو السوق السوداء، حيث المهرِّبون والسماسرة، والشبكات المرتبطة بميليشيات مرتزقة، وقنوات إيرانية وثّقتها محاكم إقليمية ودولية.
وهنا تنهار آخر أقنعة "الدفاع عن الوطن"؛ جيشٌ يشتري سلاحه من تجار يعملون في الظلام، ويموّل حروبه من خزائن التهريب، لا يمكنه أن يدّعي أنه يحارب من أجل السودان وشعبه.
الأخطر من كل ما سبق هو ما تكشفه التقارير من غياب كامل لأي التزام بقواعد الاشتباك أو القانون الدولي الإنساني. فمحاولات الحصول على موادّ متفجرة وصواعق عبر وسطاء دوليين، والاتهامات الموثقة باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين تحرّمها المواثيق الدولية، لا تترك مساحة للتأويل: هذه ليست قوة مسلحة تخوض حرباً، بل مليشيا تُدار بمنطق الإفلات من العقاب، وتعتمد على صمت المجتمع الدولي وقوداً لها مثل الوقود المُهرَّب سواء بسواء.
الجيش الذي يمرّر الملايين من الطلقات عبر مطارات مدنية ووثائق مزوّرة لا يمكنه الاحتجاج بالقوانين الدولية ومعاهدات جنيف، تماماً كما لا يمكن للصّ أن يحتجّ بحقوق من سرقهم.
ما يحدث في السودان هو خصخصة السيادة: دولة رُهنت لتنظيم إسلامي راديكالي، خسر الشرعية الشعبية فعوّضها بالسيطرة على مصادر القوة. وإطالة أمد الحرب ليست فشلاً في إدارتها، بل هي نتيجة طبيعية لمنظومة تستمدّ بقاءها من الفوضى، وتتربح من الدم ما تخسره في السياسة.
المحاكمات الجارية في أبوظبي وواشنطن، والتحقيقات المتشعبة حول شبكات التسليح المرتبطة ببورتسودان، يجب أن تكون مقدمة لتحوّل جذري في كيفية تعامل المجتمع الدولي مع هذا الملف. سلطة بورتسودان ليست حكومة شرعية تستحق الاعتراف، بل أطرافٌ في شبكة جريمة منظمة تستخدم شارات الدولة لحماية أعمالها؛ والاعتراف بهم حكومةَ أمرٍ واقع ليس حيادية ديبلوماسية، بل تواطؤ صامت.
استعادة السودان لن تبدأ بوقف إطلاق النار، بل بانتزاع المؤسسة العسكرية من قبضة من حوّلوها إلى إقطاعية مسلحة، ثم بناء جيش وطني مهني يمثل كل السودانيين، ويمتثل للقانون، ويُساءل أمامه، لا جيشٌ يرى في القانون سلعةً لها ثمن، لا سلطةً لها هيبة.