من هرمز إلى بكين: حرب إيران تضع ترامب وشي أمام أخطر اختبار اقتصادي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في قمة بكين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ، ليست الرسوم الجمركية أو تايوان وحدهما على الطاولة، فحرب إيران، التي بدأت مواجهة عسكرية في الخليج العربي، تحولت بسرعة إلى أزمة تمس قلب الاقتصاد العالمي: النفط، والشحن البحري، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى مستقبل الطرق التجارية التي يتنافس عليها الأميركيون والصينيون.

تحلّ قمة 14 و15 أيار/مايو في توقيتٍ حساس جداً: تمر العلاقة بين واشنطن وبكين أصلاً بمرحلة توتر تجاري وتكنولوجي غير مسبوقة، بينما تجد الصين نفسها أمام تهديد مباشر لأحد أهم شرايين اقتصادها: الخليج ومضيق هرمز. وعلى رغم الكلام كله عن "فك الارتباط" بين الاقتصادين، لا تزال الأرقام تقول شيئاً مختلفاً. بلغ حجم التجارة السلعية بين البلدين عام 2025 نحو 414,7 مليار دولار، بينها أكثر من 308 مليارات دولار واردات أميركية من الصين، في مقابل 106 مليارات صادرات أميركية إليها. أي أن العجز التجاري الأميركي لا يزال يتجاوز 202 مليار دولار.

 

 

مسألة الهيمنة

لكن المشكلة اليوم لم تعد مجرد عجز تجاري، فالمعركة أصبحت أوسع كثيراً: من يسيطر على الاقتصاد العالمي المقبل؟ من يملك المعادن النادرة؟ من يتحكم بأشباه الموصلات؟ من يؤمّن الطاقة والممرات البحرية؟ ومن يستطيع خنق سلاسل الإمداد عند الحاجة؟ 

بنت الصين خلال العقدين الماضيين قوة صناعية هائلة. هي تهيمن على جزء كبير من تكرير المعادن الأرضية النادرة، وعلى قطاعات البطاريات والطاقة الشمسية والمغناطيسات الصناعية المستخدمة في السيارات الكهربائية والطائرات وحتى الصناعات العسكرية. في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تمسك بأوراق القوة المالية والتكنولوجية الكبرى: الدولار، والعقوبات، والتكنولوجيا المتقدمة، والأساطيل البحرية. لكن حرب إيران كشفت أن الطرفين معاً أكثر هشاشة مما يبدوان عليه.

تبدو الصين تحديداً في موقعٍ حساس. إنها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، مع واردات تتجاوز 10 ملايين برميل يومياً. وتشير تقديرات دولية إلى أن بكين استوردت في 2025 نحو 1,38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، أي الجزء الأكبر من صادرات إيران النفطية. لهذا، لا تعتبر الصين إيران مجرد دولة نفطية. بالنسبة إلى بكين، إيران قطعة أساسية في الخريطة الكبرى لمشروع "الحزام والطريق"، إذ يمنح موقعها الجغرافي الصين ممراً يربط الخليج بآسيا الوسطى وتركيا والقوقاز، وصولاً إلى أوروبا. وهي أيضاً جزء مهم من الممرات التي تحاول الصين عبرها تقليل اعتمادها على الطرق البحرية التي تستطيع واشنطن التأثير فيها عسكرياً.

 

إيران والحزام والطريق

صحيح أن مشروع "الحزام والطريق" لن ينهار إن خرج النظام الإيراني من المعادلة، فثمة بدائل تمر عبر روسيا أو باكستان أو آسيا الجنوبية الشرقية. لكن غياب إيران سيجعل المشروع أقل مرونة وأقل قدرة على بناء فضاء اقتصادي أوراسي مستقل نسبياً عن النفوذ الأميركي. وهنا تحديداً تظهر خطورة الحرب الحالية. ليس مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق على الخريطة، بل شريان يمر عبره نحو خُمْس استهلاك النفط العالمي، أي ما بين 20 و21 مليون برميل يومياً. وأي اضطراب فيه يصيب الاقتصاد الآسيوي مباشرة، وخصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وليست المشكلة في النفط فقط، بل في تكلفة نقله أيضاً. في حروب كهذه ترتفع عادة أقساط التأمين البحري ورسوم "مخاطر الحرب"، وتزداد تكلفة الشحن وإعادة توجيه السفن، ما ينعكس سريعاً على الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد.

لقد بدأت آثار ذلك تظهر بالفعل داخل الصين. في نيسان/أبريل 2026 تراجعت واردات الصين النفطية إلى 9.37 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ نحو أربع سنوات، فيما انخفضت صادرات الوقود المكرر الصينية بنحو 33 في المئة بسبب اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.

والمشكلة بالنسبة إلى بكين أن هذه الأزمة تأتي في توقيت سيئ أصلاً. يعاني الاقتصاد الصيني منذ سنوات من أزمة خانقة في قطاع العقارات، وديون مرتفعة مترتبة على الحكومات المحلية، وضعف الاستهلاك الداخلي، وتباطؤ النمو. بمعنى آخر، تدخل الصين هذه المرحلة وهي أقل راحة اقتصادياً مما كانت عليه قبل عشر سنوات.

أما الولايات المتحدة، فصحيح أنها أصبحت أقل اعتماداً على نفط الخليج بفضل النفط الصخري، لكنها ليست محصنة بالكامل. يعني ازدياد أسعار النفط العالمية ارتفاع تكاليف البنزين والنقل والغذاء ومعدلات التضخم، وهذه مسائل حساسة جداً لأي رئيس أميركي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية الرئاسية.

لكن الحرب تمنح واشنطن أيضاً بعض المكاسب. كلما ارتفعت أسعار الطاقة ازدادت جاذبية صادرات النفط والغاز الأميركية، وتعزز دور الدولار كملاذ آمن، وعادت أهمية الحماية البحرية الأميركية إلى الواجهة، وخصوصاً في نظر أوروبا وآسيا.

 

إيرانيان في قارب صيد قبالة بندر عباس الإيراني المطل على مضيق هرمز. (4 أيار/ماي 2026. (أ ف ب)

 

معركة الممرات

في الخلفية تدور معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الممرات التجارية. تدعم الولايات المتحدة مع الإمارات والسعودية والاتحاد الأوروبي والهند مشروع "الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي"، المنافس الأبرز لمشروع "الحزام والطريق".

يُفترَض أن يربط المشروع الهند بالخليج ثم أوروبا عبر شبكة موانئ وسكك حديد تمر بالمنطقة، مع دورٍ مهم لإسرائيل بوصفها عقدة تكنولوجية ولوجستية في شرق المتوسط. لكن الحرب الإيرانية تجعل هذه الممرات الجديدة أكثر هشاشة، لأن المستثمرين وشركات الشحن والتأمين يخافون دائماً من المناطق المفتوحة على التصعيد.

أما أوروبا، فتبدو عالقة في المنتصف. هي تحتاج إلى الصين اقتصادياً وصناعياً، لكنها تقترب أكثر من السياسات الأميركية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على بكين، فيما تبقى شديدة الحساسية حيال أي ارتفاع في أسعار الطاقة والشحن.

في العمق، يبدو أن العالم يدخل مرحلة مختلفة تماماً عن العولمة التي عرفها خلال العقود الماضية. لم تعد الكفاءة وحدها هي التي تحكم الاقتصاد العالمي، بل الأمن أيضاً: أمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وأمن التكنولوجيا، وحتى أمن سلاسل الإمداد. ولهذا تبدو قمة ترامب وشي أكبر بكثير من مجرد لقاء سياسي عابر. إنها، عملياً، قمة حول شكل الاقتصاد العالمي المقبل.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية