"من مركز النزوح إلى بطولة العالم"... عماد عيّاش يتمسّك بحلمه رغم التهجير
في عمر لا يتجاوز التاسعة، يحمل عماد عيّاش على كتفيه حلماً أكبر من سنواته بكثير. فبينما فرضت الحرب على آلاف الأطفال ترك منازلهم ومدارسهم وأماكن لعبهم، اختار هو أن يتمسّك بحلمه الرياضي وأن يواصل طريقه نحو العالمية، مؤمناً بأن النزوح قد يغيّر المكان، لكنه لا يستطيع أن يغيّر الطموح.
عماد، بطل لبنان في الكاراتيه خمس مرات متتالية، وجد نفسه مضطراً إلى مغادرة الجنوب والنزوح مع عائلته. لكن ما تغيّر في حياته لم يكن كافياً ليدفعه إلى التخلي عن الرياضة التي أحبّها منذ سنواته الأولى.
يقول الطفل الصغير بثقة لافتة: "أنا ألعب الكاراتيه، وحلمي أن أصبح بطل عالم". كلمات بسيطة تختصر إصراراً كبيراً لدى طفل يرفض الاستسلام رغم الظروف الصعبة التي يعيشها.
بدأت علاقة عماد بالكاراتيه عندما شجّعه والده على خوض التجربة. ومع الوقت تحوّلت الرياضة إلى شغف حقيقي رافقه في حياته اليومية، حتى أصبح من أبرز اللاعبين في فئته العمرية.
ورغم انتقاله إلى مركز للنزوح بعيداً من منزله وبيئته المعتادة، يؤكد عماد أنه لم يفكر يوماً في التراجع عن حلمه. ويقول إن الحياة في الجنوب كانت أجمل بالنسبة إليه، وإن النزوح يترك أثراً نفسياً صعباً على الأطفال، لكنه يصرّ على متابعة تدريباته والعمل بجدّ للوصول إلى أهدافه.
ومن داخل الغرفة التي نزح إليها في إحدى مدارس بيروت، حوّل عماد جزءاً من مساحة إقامته المؤقتة إلى زاوية تدريب صغيرة. هناك، يحتفظ ببعض المعدات التي تمكّن من إحضارها معه من الجنوب، إلى جانب أدوات أخرى تبرّع بها عدد من المدرّبين والمهتمين بالرياضة بعد معرفتهم بقصته، في محاولة لمساعدته على مواصلة التدريبات وعدم الانقطاع عن ممارسة الكاراتيه.
ففي المكان الذي لجأت إليه عائلته هرباً من الحرب، يخصّص الطفل ساعات من يومه للتدريب، مستبدلاً صالة الألعاب الرياضية بغرفة نزوح متواضعة، ومتمسكاً بحلمه الذي لم تتمكن الحرب من انتزاعه منه. وبين الجدران التي شهدت على معاناة آلاف النازحين، يواصل عماد توجيه لكماته وركلاته نحو هدف واحد: أن يصبح بطلاً للعالم ويرفع اسم لبنان عالياً.
يبدو واضحاً أن العائلة تشكل الركيزة الأساسية في مسيرة عماد الرياضية، وخصوصاً والده الذي يصفه بأنه الداعم الأول له. ويقول بابتسامة: "بابا الدنيا كلها"، في إشارة إلى حجم الثقة والدعم اللذين يتلقاهما منه يومياً.
ولا يقتصر حلم الطفل على الفوز بالبطولات فحسب، بل يتعداه إلى مستقبل يراه مرتبطاً بالرياضة. فهو يتطلع إلى أن يصبح مدرّباً للكاراتيه وأن يفتتح نادياً خاصاً به، ليُدرّب الأطفال ويساعدهم على تحقيق أحلامهم كما يسعى اليوم إلى تحقيق حلمه.
ورغم صغر سنّه، يحمل عماد رسالة ناضجة إلى الأطفال الذين عاشوا تجربة النزوح مثله. ويوجّه إليهم كلاماً مليئاً بالأمل قائلاً: "لا تخافوا، سنعود أقوى، وأحلامكم لا تموت ولا تتدمّر".
في مركز النزوح، حيث تحضر قصص الخسارة والقلق يومياً، يواصل عماد تدريباته وأحلامه بثبات. وبين لقبٍ حققه وألقابٍ يحلم بتحقيقها، يثبت الطفل الجنوبي أن الأبطال الحقيقيين لا تُصنع قصصهم في لحظات الراحة، بل في الأوقات التي يختارون فيها الوقوف مجدداً رغم كل الصعوبات.