من "كان يا مكان" إلى "هاري بوتر" .. لماذا يقرأ الشباب "الأدب العجائبي"؟
سعيا إلى فهم اهتمام الشباب، داخل المغرب وخارجه، بأدب الخيال، ناقش نقاد وأكاديميون بالمعرض الدولي للنشر والكتاب الموضوع، وقال عبد اللطيف محفوظ إن هذه الأعمال “تخرق السببية الزمنية والمنطقية” وتوفر بساطة الأسلوب والتشويق والغرابة لجيل تربى على عالمين، وتتيح له مثل هذه الأعمال “شرنقة” بعيدة عن العالم الواقعي.
وأضاف محفوظ: “تزفيتان توردوروف يفرق بين نوعين: نوع العجيب والفنتازيا؛ فالفنتازيا تجعل القارئ يتردد وهو يتلقى الأحداث والموضوعات، ولا يستطيع الحسم هل هي تنتمي إلى الواقع الذي نعيشه أم واقع آخر، وهي روايات لا تفارق الواقع بل تخلخله، وتجعله غير قابل للتأويل الصافي الواضح. أما النوع العجيب فهو منفصل تماما عن العالم، ويقدم عالما قائم الذات بقواعد مفارقة لواقعنا، ولا يدفعنا إلى الشك والتساؤل؛ بل نعترف منذ البداية بأنه عالم خاص، مثل سلسلة “هاري بوتر”، وكذلك “ألف ليلة وليلة” التي تدفعنا إلى التعامل مع أحداثها كحقيقة داخل عالمها”.

وواصل الناقد والروائي المغربي: “ميخائيل باختين اعتبر أن الرواية بجميع أنواعها، سواء ارتبطت بالواقع أو الأسطورة القومية للشعوب أو الخيال العلمي، لا يمكنها إلا أن تكون مرتبطة بسؤال ضمني يهم الإنسان في لحظة إنتاجها.. فينبغي على الناقد ألا ينظر إليها فقط بأنها مفارقة لواقعها؛ بل أن يرصد الأسباب التي دفعت جيلا إلى اللجوء إلى كتابتها”.
وسجل الناقد الأكاديمي عبد اللطيف محفوظ: “أما بيير كاميناد فاعتبر أن كل كتابة تتعالى على الواقع ولا تنضبط لشروطه هروب من الواقع، إلا إذا كان السبب سياسيا. وهو متأثر بشكل أو بآخر برأي نيتشه حول الانهزام أمام الواقع الذي يفسر كل شكل هروب منه. فيما توجد آراء أخرى تعتبر أن الكتّاب عندما لا يوجدون في الواقع ما يميزهم، يتعالون عنه، بعوالم خيالية تستعيد الذاكرة القديمة للإنسانية، رأت السحر معادلة للتغلب على قساوة الواقع، وتفسير العصر، والاقتراب بين الإنسان والآلهة”.

من جانبه، ذكر محمد فخر الدين، الباحث في التراث والثقافة الشعبية المغربية، أن “جاك لاكان يميز بين ثلاثة عوالم متداخلة هي: الواقعي، والرمزي، والخيالي…”، ليتساءل: “هل يستطيع الإنسان عيش الواقع بدون تخييل وعالم مواز للعالم الواقعي؟ ألا نعيش الحياة من خلال الحلم؟ والحلم من خلال الحياة؟”.
وتابع فخر الدين: “(هاري بوتر) حكاية (…) صراع بين خير وشر (…) بصور ورموز (…) والجانب السحري حاضر بكثرة في ‘هاري بوتر’ ولا ينقل فقط الثقافة الإنجليزية المؤمنة بالأشباح، والساحرات على مكانسهن… بل يوجد تقاطع مع أساطير على المستوى العالمي (…) فلـ’سيد الظلام’ روح متجزئة، سبعة أجزاء. كما يمكن ابتلاع الموت الإنسان وعودته من جديد لكن ليس بنفس الطريقة (…) ولا يوجد الشر الخالص والخير الخالص (…) وعلى الشر فيه أن يموت في الخيّر، حتى يستطيع هزيمة الشر”.

الباحث الأكاديمي أبرز أن كل هذا “منبن على تراث تخييلي تقوم الرواية بتطويره… (…) و’كان يا مكان’ في الحكاية الخيالية تنقلنا إلى عالم آخر، الفانتازيا، هي عتبة للدخول إلى المتخيل (…) والسير الشعبية مليئة بصور مثل التي استقاها ‘هاري بوتر’ إلا بشيء من التبيئة، وهي عوالم جديدة يبحث عنها الجيل الناشئ وتتيحها له هذه الروايات”.
من جهته، تحدث عبد العزيز بنار، الباحث المتخصص في السرد، عن أن الاهتمام الشبابي بأدب الخيال “موضوع يسائل العلاقة بين الأدب والواقع، والحدود بين الممكن والمستحيل”؛ لأن هذه الحكايات “توسع مفهوم الأدب، بما ذهب إليه بارت وبلانشو في حديثهم عن انفتاح الأدب دائما على إمكانيات وعدم توقفه عند آفاق معينة”.

وواصل بنار: “الشباب يبحث عن الإثارة والتشويق في مواجهة رتابة اليومي، ولمحاولة ورغبة اقتحام المجهول، ومواجهة المخاوف، بطريقة رمزية (…) ويتقصد من هذا الأدب بناء هوية فردية، عبر التماهي مع حكايات خارقة (…) والهروب من الواقع الضاغط سياسيا واجتماعيا ونفسيا نحو عوالم بديلة”.
وذكر مؤلف كتاب “جمالية السرد في القصة القصيرة المعاصرة” أن “الثقافة العالمية تعرف أدب الخوارق منذ القديم؛ وهو نوع يعزّز القدرة على التفكير خارج المألوف، ويسهم في تجذير سؤال القراءة، ويقدم عالما متماسكا ومقنعا، ولا يسلي فقط؛ بل يعبر عن قضايا نفسية واجتماعية للإنسان”.
وسجل المتدخل عينه أن من أهم ما في هذه الحكايات “الامتساخ والتحول (…) وهو عنصر المفارقة الحاضر جدا، تزيينا أو تقبيحا، وسلاح ضد عنف العالم وغرابته؛ ولهذا يتجاوز الشباب النصوص التقليدية والواقعية، للبحث عن عالم وفضاءات وإمكانيات جديدة (…) عبر أدب ينقل الحياة الواقعية بطريقة غير معقولة”.
The post من "كان يا مكان" إلى "هاري بوتر" .. لماذا يقرأ الشباب "الأدب العجائبي"؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.