من كاميرون إلى ستارمر: العقد البريطاني المتصدع
في السياسة، لا تسقط الدول دائماً بصوت مدو. أحياناً تبدأ الحكاية بشرخ صغير في جدار قديم، ثم تتسع الفجوة بهدوء، حتى تكتشف الدولة أنها لم تعد تقف على الأرض التي اعتادت الوقوف عليها.
لهذا، فإن استقالة كير ستارمر بعد أقل من عامين على الفوز الكاسح الذي أعاد حزب العمال إلى الحكم بعد أربعة عشر عاماً من هيمنة المحافظين، لا تبدو مجرد نهاية مبكرة لتجربة حكومية، بل علامة على لحظة أعمق تعيشها بريطانيا؛ لحظة لم تعد تبحث فيها عن رئيس وزراء جديد بقدر ما تبحث عن إجابة لسؤال أكثر اتساعاً: ماذا تريد أن تكون في القرن الحادي والعشرين؟
توازن مفقود
منذ ديفيد كاميرون، الذي فتح باب الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2016، دخلت بريطانيا مرحلة من البحث عن توازن فقدته. لم يكن بريكست مجرد قرار بالخروج من أوروبا، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والعالم، بين السيادة والانفتاح، بين الماضي الإمبراطوري والحاضر المتغير.
لكن المفارقة أن الدولة التي أرادت استعادة السيطرة، وجدت نفسها أمام سؤال أكبر: ماذا تفعل بهذه السيطرة؟
ومنذ ذلك اليوم، جربت بريطانيا أكثر من إجابة، وكأنها تبحث عن المفتاح في أبواب مختلفة. اختارت خطاب الخروج الصارخ مع بوريس جونسون، أملاً في ولادة "بريطانيا العالمية". اختارت القيادة النسائية مع تيريزا ماي، التي اصطدمت بعقدة التوفيق بين وعود الخروج وتعقيدات الواقع. ثم جاءت ليز تراس بتجربة اقتصادية قصيرة كشفت هشاشة الثقة في الأسواق. وبعدها حاول ريشي سوناك تقديم صورة رجل الإدارة الهادئة. ثم جاءت انتخابات 2024 لتمنح حزب العمال بقيادة ستارمر أغلبية واسعة، أنهت أربعة عشر عاماً من حكم المحافظين.
لكن المفارقة كانت أن الفوز الانتخابي لم يتحول إلى انتصار اجتماعي؛ فالمشكلة لم تعد في اسم الحزب الذي يحكم، بل في المسافة التي اتسعت بين الدولة والمجتمع. الناخب البريطاني لم يعد ينتقل فقط بين اليمين واليسار بحثاً عن اختلاف أيديولوجي، بل يبحث عن دليل ملموس على أن السياسة ما زالت قادرة على تحسين حياته.
فالمواطن الذي ينتظر دوره في النظام الصحي الوطني، أو يواجه أزمة السكن، أو يشعر بأن دخله يتآكل أمام ارتفاع تكاليف المعيشة، لا يبحث عن خطاب أكثر أناقة، بل عن دولة أكثر حضوراً.
وهنا تظهر المفارقة البريطانية الكبرى: دولة ما زالت تمتلك مقعداً مهماً في العالم، لكنها تواجه في الداخل شعوراً بأن ثمار هذه القوة لا تصل إلى الجميع.
لقد كان بريكست مرآة لهذا التحول، لكنه لم يكن القصة كلها. فقد جاءت وعود "استعادة السيطرة" في لحظة كانت فيها بريطانيا تواجه تحديات اقتصادية عميقة: نمو ضعيف، دين عام مرتفع، ضغوط على الخدمات العامة، وأسئلة جديدة حول مكانة لندن كمركز مالي عالمي في عالم لم تعد فيه الجغرافيا وحدها تصنع النفوذ.
ولهذا لم تعد أزمة الثقة مجرد شعور سياسي عابر؛ بل أصبحت مرتبطة بتجربة معيشية يومية. فحين يشعر المواطن أن الوعود الكبرى لا تغير واقعه الصغير، يبدأ البحث عن بدائل أكثر حدة.
ومن هنا يمكن فهم صعود قوى جديدة مثل حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج. فالمشهد البريطاني لم يعد مجرد منافسة بين بيتين سياسيين كبيرين؛ العمال والمحافظون. بل دخل مرحلة تشظي تعكس تحولاً أعمق في مزاج الناخب.
من نحن؟
في الماضي، كان البريطاني يغير الحكومة. اليوم، يبدو أنه يبحث عن تغيير النظام الذي تنتجه الحكومات. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام بريطانيا في العقد المقبل. فهناك أكثر من مسار مفتوح: إما أن تنجح الأحزاب التقليدية في إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على النمو والخدمات والعدالة، أو تدخل البلاد مرحلة طويلة من التشظي السياسي، حيث يصبح الغضب قوة انتخابية أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائه.
وربما يكون الخطر الأكبر ليس صعود حزب أو سقوط آخر، بل أن تفقد بريطانيا الرواية التي كانت تشرح بها نفسها. فالدول الكبرى لا تفقد مكانتها فقط عندما تتراجع قوتها، بل عندما تصبح غير قادرة على الإجابة عن سؤال: من نحن؟
ومن كاميرون إلى ستارمر، لا تبدو بريطانيا دولة عاجزة عن التغيير، بل دولة تبحث عن اتجاه؛ فالانتخابات المقبلة قد تغير ساكن داونينغ ستريت، لكنها لن تجيب وحدها عن السؤال الأكبر.
هل تستطيع بريطانيا أن تكتب رواية جديدة عن نفسها قبل أن يكتبها الآخرون نيابة عنها؟