من شيشاوة إلى الشاوية.. قلة اليد العاملة الفلاحية تتفاقم في موسم الحصاد
يواجه القطاع الفلاحي بالمغرب إشكالية متنامية تتعلق بقلة اليد العاملة المؤهلة وارتفاع تكلفتها؛ ما انعكس بشكل واضح على سير موسم الحصاد الجاري، إذ وجد الفلاحون أنفسهم أمام صعوبات حقيقية في تأمين عدد كافٍ من العمال في الوقت المناسب.
وأمام هذا الواقع الذي يتناقض مع مستويات البطالة بالبلاد، اضطر العديد من الفلاحين إلى توسيع الاعتماد على الآلات الفلاحية الحديثة لتسريع وتيرة الحصاد وتقليص الحاجة إلى اليد العاملة التقليدية، على الرغم من ارتفاع تكلفتها، مع محاولتهم الاستعانة أيضا بعمال قادمين من دول جنوب الصحراء لتسريع وتيرة الحصاد.
وخلال مطلع السنة الجارية، اشتكى أصحاب ضيعات الزيتون أيضا من قلة اليد العاملة المؤهلة وارتفاع تكلفتها؛ ما حال دون جني كميات مهمة من المحاصيل، بعد التساقطات المطرية الغزيرة التي ساهمت في رفع الإنتاجية بربوع المملكة.
“شبح التكلفة”
أوضح سعيد كرشيت، الكاتب العام لـ”جمعية أفولكي لمستخدمي المياه للأغراض الزراعية” بإقليم شيشاوة، أن “الفلاحين بالمنطقة يواجهون أزمة خانقة جراء النقص الحاد في اليد العاملة الفلاحية وارتفاع تكلفتها بشكل غير مسبوق حيث قفز أجر العامل الواحد إلى 300 درهم”.
وأكد كرشيت، في تصريح لهسبريس، أن “هذه المعاناة تفاقمت مع نضج المحاصيل وجفافها؛ بينما يطالب أصحاب آلات الحصاد بمبالغ خيالية تصل إلى 1000 درهم للهكتار الواحد، بعدما كانت في حدود 400 درهم”.
وسجّل الكاتب العام لـ”جمعية أفولكي لمستخدمي المياه للأغراض الزراعية” بإقليم شيشاوة أن “قلة العمال تضع الفلاحين في مأزق حقيقي لجمع المحصول ونقله، ويجبرهم على الإسراع بالحصاد لتفادي تساقط السنابل وتلفها، خاصة في المناطق الوعرة التي لا تصلها الآلات وتعتمد كليا على السواعد البشرية”.
في هذا السياق، أبرز الفاعل المهني سالف الذكر أن “هناك حالة من التخوف والترقب الشديدين تسود في صفوف الفلاحين بسبب الإشاعات الرائجة حول اعتزام الوسطاء والتجار شراء محصول الشعير بثمن بخس لا يتعدى درهما ونصف الدرهم، والقمح بدرهمين فقط؛ وهو ما سيكون بمثابة ضربة قاضية للمنتجين”.
وعلاقة بإشكالية اليد العاملة، شرح المتحدث ذاته أن “ثمة عزوفا من قبل عدد من الجيل الجديد من الشباب عن الانخراط في العمل بقطاع الفلاحة، ما دفع أصحاب الضيعات إلى الاستعانة بالعمال القادمين من دول جنوب الصحراء”.
كما ذكر سعيد كرشيت أن “الموسم الحالي ممتاز جدا من ناحية الإنتاجية؛ إلا أنه للأسف اصطدم بأزمة في اليد العاملة أخّرت الجني وجمع المحاصيل، كما أثقلت كاهل المنتجين وقلّصت هوامش الأرباح”.
المكننة وتقدّم الحصاد
محمد الإبراهيمي، فاعل مهني بإقليم برشيد، أكد أن “قلة اليد العاملة أمر واقع وحتمي بعدد من القطاعات بالمغرب؛ وعلى رأسها القطاع الفلاحي”.
وأضاف الإبراهيمي، في تصريح لهسبريس، أن “الأمر مردّه إلى أن عددا من المواطنين لم يعودوا يرغبون في العمل في البوادي، بعدما صاروا يشتغلون في المصانع”.
وأبرز الفاعل المهني عينه: “قلة اليد العاملة تختلف من منطقة إلى أخرى، حيث تظل محدودة بجهة الدار البيضاء سطات، نتيجة طبيعتها الجغرافية التي تسمح بالاعتماد شبه الكلي على الآلات الفلاحية الثقيلة؛ من حصّادات وبذّارات وآلات مساعدة في تعليب التبن”.
وأورد المتحدث أن “الفلاحين يواجهون تضخّم التكاليف الخاصة بالحصاد، التي تضاعفت بقرابة ثلاثة أضعاف”، مبرزا أن “الوضعية تتعمّق أكثر مع محدودية الآلات الجاهزة للاستعمال، لا سيما مع الإحجام عن استيرادها خلال العشر سنوات الأخيرة”.
وسجل الإبراهيمي “بإمكان الآلات أن تحل مشكلة قلة اليد العاملة بعدد من المناطق الفلاحية بالمغرب، مع صعوبة ذلك بمناطق ذات تضاريس وعرة”، لافتا إلى أن “أجر العامل الذي كان في حدود 100 درهم لليوم، تضاعف وبات يلامس 300 درهم”.
جاذبية محدودة
من وجهة نظر اقتصادية، قال رشيد ساري، خبير اقتصادي رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إن “أزمة اليد العاملة بالمغرب، وتحديدا في القطاع الفلاحي، ليست وليدة اليوم؛ غير أنها استفحلت أكثر خلال هذه السنة”.
وأضاف ساري، في تسريح لهسبريس، أنه “بالإمكان تفسير هذه الظاهرة بتداعيات سنوات الجفاف الأخيرة التي أضرت بالقطاع وفتحت باب الهجرة إلى الحواضر أمام شرائح واسعة من سكان البوادي، مدفوعة بانشغال الأجيال الجديدة بهواجس الهجرة إلى الخارج، حتى وإن كان الأمر بطريقة سرية وغير شرعية”.
وفيما يتعلق بالعوامل الذاتية والهيكلية، أكد الخبير الاقتصادي ذاته أن “القطاع الفلاحي يعاني من مشكلة هيكلية عميقة، تتمثل في كون غالبية العمال يشتغلون بشكل موسمي، ولا يتم التصريح بهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؛ مما يصعّب من مهمة الحصول على معطيات دقيقة وموثوقة بشأن الحجم الحقيقي للعمالة بهذا القطاع”.
وأفاد المصرح عينه أيضا بأن “عددا من أصحاب الضيعات يتهرّبون من التصريح بالعمال بحجة أن طبيعة النشاط موسمية، حيث يقتصر العمل على 3 إلى 4 أشهر في السنة فقط. وحتى وإن تم التصريح بهؤلاء العمال فيكون بشكل كامل أو غير دقيق (لا يتم احتساب جميع أيام العمل)”.
وتابع ساري: “القطاع الفلاحي لم يعد جاذبا للشغيلة على مدار السنة، وخاصة مع دخول المكننة والآلات الحديثة التي أصبحت تعوض مجهود عمال كثيرين في عمليات الحصاد والسقي”. كما أورد أن “القطاع في المقابل يشهد تحولا نحو “الفلاحة الرقمية” والاعتماد على التكنولوجيات الحديثة؛ مما يغير من طبيعة الحاجة إلى اليد العاملة التقليدية”.
وذكر المتحدث ذاته أن “أزمة الشغيلة لم تعد تقتصر على القطاع الفلاحي؛ بل امتدت إلى قطاعات أخرى، بما فيها قطاع البناء والأشغال العمومية، وسط توجّه أرباب العمل إلى الاستعانة بالمهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء”.
تحسين ظروف العمل
علاقة بالقطاع الفلاحة بالمغرب دائما، نادى ساري بـ”تعزيز جهاز تفتيش الشغل ودفعه نحو القيام بحملات واسعة تهم الضيعات الفلاحية التي يشتبه في كونها لا تحترم حقوق الأجراء”.
كما دعا رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة إلى “وضع آليات لتقليص حجم الأنشطة غير المنظمة لضمان حقوق العمال ومتطلبات استقرارهم الاجتماعي، وكذا بناء قطاع جذّاب يحمي كرامة العاملين فيه ويحد أيضا من دوافع الهجرة”.
وتأسيسا على ما سبق، أبرز ساري أن “تفسير قلة اليد العاملة الفلاحية لا يمكن الانطلاق من مقولة “الخدمة كاينة والناس مبغاوش يخدمو”، مع إغفال العوامل الذاتية والموضوعية الواقفة وراء الأمر، ودون تفعيل مخططات لتحفيز الاستثمار الفلاحي المحلي.
The post من شيشاوة إلى الشاوية.. قلة اليد العاملة الفلاحية تتفاقم في موسم الحصاد appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.