من شرعية الإصلاح إلى شرعية السيادة والثقة:
هل يؤسس خطاب العرش لمرحلة سياسية جديدة في المغرب؟
لا تُقرأ خطابات العرش في المغرب بوصفها مناسبات دستورية أو بروتوكولية فحسب، بل باعتبارها لحظات سياسية ترسم أولويات الدولة وتحدد الإطار المرجعي للمرحلة المقبلة. ويأتي خطاب الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس العرش في سياق يتقاطع فيه الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة مع استكمال أوراش اجتماعية واقتصادية كبرى، وفي ظل بيئة دولية تتسم بالحروب، وتصاعد النزعات الحمائية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد حالة اللايقين.
غير أن الخطاب لم يقتصر على استعراض حصيلة سبعة وعشرين عاماً من الحكم، بل قدم تصوراً متكاملاً للمرحلة المقبلة، يقوم على ثلاث ركائز متداخلة: ترسيخ السيادة الاقتصادية، وتحصين المكتسبات، وتعزيز الثقة في المؤسسات وفي النموذج المغربي. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الخطاب باعتباره مؤشراً على تطور في مصادر الشرعية السياسية للعهد، من شرعية الإصلاح إلى شرعية الإنجاز، وصولاً إلى شرعية تستند إلى السيادة والثقة واستمرارية الاختيارات الاستراتيجية.
شرعية الإصلاح… بناء الأمل في مرحلة الانتقال
ارتبطت السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس بما يمكن تسميته “شرعية الإصلاح. “فقد جاء اعتلاء العرش سنة 1999 في مرحلة كانت فيها الدولة والمجتمع يتطلعان إلى أفق جديد يجمع بين الاستمرارية والتجديد، ويؤسس لعلاقة أكثر انفتاحاً بين المؤسسات والمواطنين. لذلك استندت شرعية العهد في بدايته إلى إطلاق سلسلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والاجتماعية، عكست إرادة لتحديث الدولة وتعزيز مسار التنمية في إطار الاستقرار.
وشملت هذه المرحلة مبادرات ذات دلالة سياسية ورمزية، من أبرزها ترسيخ مسار العدالة الانتقالية، وتوسيع برامج التنمية الاجتماعية، وإطلاق إصلاحات إدارية ومؤسساتية، إلى جانب الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، بما أسهم في إعادة تشكيل أولويات العمل العمومي وربط الإصلاح بتحسين شروط التنمية.
ولم تكن شرعية الدولة في تلك المرحلة تُقاس فقط بحجم ما تحقق من منجزات، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج الأمل في إصلاح تدريجي ومتواصل، يحافظ على الاستقرار ويستجيب في الوقت نفسه لتطلعات المجتمع. ولذلك حظيت التجربة المغربية باهتمام واسع، باعتبارها نموذجاً سعى إلى إحداث التغيير عبر التدرج والتراكم، في وقت كانت فيه المنطقة تعرف تحولات سياسية أكثر حدة واضطراباً.
“شرعية الإنجاز”… بناء الدولة التنموية
ومع ترسخ المؤسسات، انتقل مركز الثقل من الإصلاح إلى الإنجاز. فقد أصبحت المشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والموانئ، والصناعة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، معياراً أساسياً لتقييم أداء الدولة.
ولم يعد السؤال المركزي يتعلق بقدرة الدولة على إطلاق الإصلاحات، بل بقدرتها على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة. كما تعزز الحضور الإقليمي والدولي للمغرب من خلال تطور موقعه الاقتصادي والدبلوماسي، وتزايد جاذبيته الاستثمارية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى.
غير أن خطاب العرش لسنة 2026 يذهب أبعد من مجرد إبراز مؤشرات النمو، إذ يقدم تصوراً جديداً للإنجاز، لا يقوم على ارتفاع المؤشرات الاقتصادية فحسب، وإنما على تحويلها إلى عناصر للسيادة الوطنية. فالصناعة، والطاقة، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، لم تعد تُعرض باعتبارها قطاعات اقتصادية منفصلة، بل باعتبارها ركائز للاستقلال الاستراتيجي في عالم يشهد عودة منطق الحماية الاقتصادية وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية.
من الإنجاز إلى السيادة… التحول الأبرز في الخطاب
لعل أبرز ما يميز خطاب هذه السنة هو الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق السيادة الاقتصادية. فالخطاب لا يكتفي بتعداد المشاريع، بل يربطها بهدف استراتيجي واضح يتمثل في تعزيز قدرة المغرب على تأمين حاجياته، وترسيخ استقلال قراره الاقتصادي، وتعزيز موقعه في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
وفي هذا السياق، يبرز التركيز على صناعة السيارات والطيران، وإطلاق صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، وتنزيل “عرض المغرب” في مجال الهيدروجين الأخضر، وتطوير الصناعات الغذائية والدوائية، إضافة إلى بناء قاعدة صناعية للتكنولوجيا الدفاعية والأمن السيبراني. وهي كلها مؤشرات على انتقال المغرب من اقتصاد يسعى إلى جذب الاستثمار فقط، إلى اقتصاد يطمح إلى امتلاك أدوات السيادة في القطاعات الاستراتيجية.
وتتجاوز هذه الرؤية حدود الدورة الحكومية أو الولاية التشريعية، وهو ما يعكسه تأكيد الملك أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، باعتبارها ثمرة تراكمات طويلة المدى ناتجة عن اختيارات استراتيجية متواصلة للدولة.
شرعية الثقة… تحصين المكتسبات
إذا كانت السيادة الاقتصادية تمثل مضمون المرحلة الجديدة، فإن الثقة تمثل شرطها السياسي.
فالخطاب يدعو إلى أن تسود روح الثقة والتفاؤل، ويؤكد أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي أصبح مورداً استراتيجياً نادراً في عالم تتزايد فيه الأزمات. كما يربط بين الأمن، ونجاعة المؤسسات، واستمرار السياسات العمومية، باعتبارها الأساس الذي يسمح بالحفاظ على دينامية التنمية.
وتتجلى هذه الثقة في ثلاثة مستويات متكاملة: ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وثقة المستثمرين في مناخ الأعمال، وثقة الشركاء الدوليين في استقرار الخيارات المغربية. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يصف المغرب بأنه أصبح شريكاً اقتصادياً موثوقاً وفاعلاً دولياً مطلوباً في إطار شراكات جديدة ومتوازنة.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار “التحصين” الذي ختم به الملك الخطاب دلالة خاصة. فالمرحلة المقبلة لا تُقدم باعتبارها مرحلة قطيعة مع ما سبق، ولا باعتبارها بداية نموذج جديد بالكامل، بل باعتبارها مرحلة لحماية المكتسبات، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى، وضمان استمرارية الخيارات الاستراتيجية للدولة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.
ختاما
يكشف خطاب العرش أن المغرب لا يطرح فقط حصيلة سبعة وعشرين عاماً من الإصلاح والإنجاز، بل يرسم ملامح مرحلة جديدة تقوم على ترسيخ السيادة الاقتصادية، وتحصين المكتسبات، وتعزيز الثقة في المؤسسات واستمرارية الاختيارات الاستراتيجية للدولة. وفي عالم يتسم بتصاعد الأزمات وتراجع اليقين، تبدو هذه العناصر مجتمعة أساساً لمصدر جديد للشرعية السياسية.
غير أن نجاح هذه المرحلة سيظل رهيناً بقدرة المؤسسات على تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. فالثقة لا تُكتسب بالخطاب وحده، والسيادة الاقتصادية لا تُقاس بحجم المشاريع فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية. وإذا نجح المغرب في ذلك، فقد يُنظر إلى خطاب العرش لسنة 2026 بوصفه مؤشراً على انتقال تدريجي من شرعية الإصلاح والإنجاز إلى شرعية السيادة والثقة.
*خبير دولي في الحكامة وباحث ومحاضر في الشؤون السياسية والاستراتيجية