من حرب تموز 2006 إلى أحداث عبرا... كيف ولّدت الانقسامات الداخلية ظاهرة أحمد الأسير؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم تتوقف تداعيات حرب تموز 2006 عند حدود المواجهة العسكرية بين "حزب الله" وإسرائيل. فالحرب التي أعادت رسم موازين القوى الإقليمية، غيّرت أيضاً المشهد الداخلي اللبناني، وأطلقت سلسلة من التحولات السياسية والأمنية التي امتدت سنوات. وإذا كان السابع من أيار 2008 قد شكّل أول اختبار داخلي لفائض القوة الذي راكمه "حزب الله" بعد الحرب، فإن بروز ظاهرة الشيخ أحمد الأسير بين عامي 2011 و2013 كان وجهاً آخر من وجوه الانقسام الذي أنتجته تلك المرحلة.

خرج "حزب الله" من حرب تموز وهو يقدّم نفسه منتصراً في مواجهة إسرائيل، وتعزز حضوره الشعبي والسياسي والعسكري بصورة غير مسبوقة. لكن في المقابل، بدأت تتوسع داخل شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما منهم في البيئة السنية، قناعة بأن ميزان القوى الداخلي اختل لمصلحة الحزب، وأن الدولة فقدت حضورها لمصلحة الحزب. ثم جاءت حوادث السابع من أيار لتكرّس، هذا التحول، بعدما استخدم السلاح في الداخل للمرة الأولى بهذا الحجم منذ انتهاء الحرب الأهلية.

ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، دخل الانقسام اللبناني مرحلةً أكثر حدة. فقرار "حزب الله" الانخراط عسكرياً إلى جانب النظام السوري لم يعد يُقرأ باعتباره خياراً خارجياً فحسب، بل باعتباره عاملاً ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، ويعمّق الشرخ المذهبي والسياسي. في هذا المناخ، برز الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا، ليس كداعية سلفي فحسب، بل كظاهرة سياسية وإعلامية نجحت في استقطاب شريحة رأت في خطابه تعبيراً عن رفض اختلال موازين القوى الداخلية ودعوة إلى استعادة دور الدولة في احتكار السلاح.

لم تكن ظاهرة الأسير وليدة الخطاب الديني وحده، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية بدأت بعد حرب تموز، وتعززت بعد السابع من أيار، ثم بلغت ذروتها مع الحرب السورية. لذلك، لم يقتصر مؤيدوه على التيار السلفي، بل ضمت تحركاته أيضاً مواطنين رأوا أن الدولة لم تعد قادرة على فرض معادلة واحدة على جميع اللبنانيين.

 

ساحة توتر دائم

وسرعان ما انتقلت الظاهرة من المنابر إلى الشارع. فقد شهدت صيدا اعتصامات مفتوحة وتجمعات شبه دائمة في محيط مسجد بلال بن رباح، ترافقت مع إقفال متكرر للطريق الساحلية التي تربط بيروت بجنوب لبنان، وهو الشريان البري الأساسي المؤدي إلى الجنوب. وتحولت المدينة تدريجاً إلى ساحة توتر دائم، مع تسجيل إشكالات ومناوشات متفرقة بين أنصار الأسير ومناصرين لـ"حزب الله" أو لحلفائه، ما رفع منسوب الاحتقان الأمني والسياسي.

 

 

ومع مرور الوقت، لم يعد التصعيد يقتصر على الخطابات أو الاعتصامات. فقد تعرض أشخاص محسوبون على "حزب الله" أو قريبون منه لضغوط في بعض أحياء صيدا، كما أثيرت قضية شقق كان يستأجرها أشخاص يُعتقد أنهم مرتبطون بالحزب، في ظل أجواء من التعبئة المتبادلة وانعدام الثقة. وباتت المدينة تعيش على وقع استنفار يومي، فيما كانت الحركة التجارية والاقتصادية تتأثر بصورة مباشرة كلما أُقفلت الطريق أو ارتفع منسوب التوتر.

 

 

ولأن الطريق الساحلية تشكل المنفذ الرئيسي بين العاصمة والجنوب، تجاوزت تداعيات الاعتصامات حدود صيدا، وأصبحت تمسّ الحركة اليومية لعشرات آلاف المواطنين، كما أثارت انزعاجاً متزايداً لدى "حزب الله "الذي اعتبر أن استمرار قطع الطريق يستهدف بيئته وخطوط تواصله مع الجنوب. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تواجه ضغوطاً سياسية وأمنية متزايدة لإنهاء هذه الحالة التي تحولت من حركة احتجاجية إلى واقع أمني مفتوح يهدد الاستقرار ويقيد أحد أهم الممرات الحيوية في البلاد.

 

 

اندلاع معركة عبرا

وفي حزيران 2013، وصلت الأزمة إلى ذروتها مع اندلاع معركة عبرا بين الجيش اللبناني والمجموعات المسلحة التابعة للأسير، في مواجهةٍ دامية انتهت بالقضاء على هذه الظاهرة أمنياً، بعد سقوط عدد من شهداء الجيش وعشرات القتلى والجرحى، وفرار الأسير قبل توقيفه لاحقاً ومحاكمته.

لكن نهاية المعركة لم تنهِ الجدل الذي رافقها. فمنذ الساعات الأولى للاشتباكات، انتشرت مقاطع فيديو وصور أظهرت رجالاً بلباس مدني يضع بعضهم شارات صفراء على أذرعهم، ما يشكل دليلاً على مشاركة مقاتلين من الحزب في القتال. في المقابل، أكدت قيادة الجيش أن العملية كانت من تخطيطها وتنفيذها بالكامل، ونفت وجود أي قوة عسكرية حزبية مشاركة، كما نفى "حزب الله" بدوره أي دور قتالي مباشر، لتبقى هذه القضية موضع سجال سياسي وإعلامي حتى اليوم.

شكلت نهاية الأسير أيضاً رسالة واضحة بأن الحزب لن يسمح بقيام قوة مسلحة سنية تواجهه بالسلاح، بعدما كان قد رسخ حضوره العسكري والسياسي خلال السنوات السابقة.

 

وبعد عشرين عاماً على حرب تموز، تبدو ظاهرة أحمد الأسير من أبرز التداعيات الداخلية للحرب. فهي لم تكن مجرد حالة أمنية انتهت في عبرا، بل محطة عكست حجم التحولات التي أصابت لبنان بعد عام 2006، حين انتقل الانقسام من الخلاف على سلاح المقاومة إلى مواجهة مفتوحة حول هوية الدولة واحتكارها للقوة. ومن هذه الزاوية، لم تكن عبرا حدثاً منفصلاً، بل إحدى المحطات التي رسمت مسار لبنان في مرحلة ما بعد حرب تموز، تماماً كما فعل السابع من أيار، وكما فعلت لاحقاً الحرب السورية بكل انعكاساتها على الداخل اللبناني.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية