من جنوب لبنان إلى إسلام آباد... ماذا يحمل معه قائد الجيش اللبناني؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يكن خبر مغادرة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد بدعوة من قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير خبراً عادياً في التوقيت والمضمون. فالزيارة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع تصاعد الضغوط على لبنان، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، وآخرها استهداف آلية للجيش اللبناني أدى إلى استشهاد ضابطين وجندي، في حادثة أثارت تساؤلات سياسية وأمنية تتجاوز البعد العسكري المباشر.

 

وفي وقت تحاول فيه الدولة اللبنانية تثبيت وقف إطلاق النار والحد من التصعيد، برزت أسئلة عديدة حول خلفيات زيارة قائد الجيش: لماذا يذهب إلى باكستان الآن؟ وهل حصلت الزيارة على موافقة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام؟ وهل تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز إطار التعاون العسكري التقليدي؟

 

هل نال هيكل الضوء الأخضر السياسي

وفق المعطيات المتوافرة، من الصعب تصوّر أن زيارة بهذا المستوى أجريت من دون تنسيق كامل مع الرئاستين الأولى والثالثة. فالمؤسسة العسكرية باتت لاعباً أساسياً في الملفات المرتبطة بالوضع الأمني جنوباً، وأي تحرك خارجي لقائد الجيش اللبناني في هذه المرحلة الحساسة لا يمكن أن يكون بعيداً من المظلة السياسية الرسمية.

 

رسمياً، تندرج الزيارة في إطار تعزيز التعاون العسكري بين الجيشين اللبناني والباكستاني، وتبادل الخبرات والتدريب وتطوير العلاقات بين المؤسستين. غير أن التوقيت يمنحها أبعاداً إضافية تتجاوز هذه العناوين التقليدية.

 

فإسلام آباد برزت خلال الأشهر الماضية كطرف يحافظ على شبكة علاقات واتصالات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وسط التقدم  في المفاوضات الإيرانية – الأميركية. وفي ظل تعثر أكثر من مسارٍ تفاوضي يخص لبنان، تنظر أوساط سياسية إلى الزيارة باعتبارها فرصة لفتح قنوات تواصل جديدة قد تكون لها علاقة بمستقبل التسوية اللبنانية أو بالترتيبات الأمنية والسياسية التي يجري تداولها إقليمياً.

 

وتزداد أهمية هذا التقدير في ضوء تعثر جولات التفاوض التي راهنت عليها السلطة اللبنانية خلال الأشهر الماضية، واستمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بمستقبل الجنوب وآليات تطبيق التفاهمات الأمنية. لذلك يصعب على كثيرين التعامل مع زيارة قائد الجيش باعتبارها مجرد محطةٍ بروتوكولية أو تقنية، خصوصاً أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير يُعد من الشخصيات العسكرية الأكثر حضوراً في المشهد السياسي والإقليمي في بلاده.

 

بين الضغوط الإسرائيلية وفصل المسارات

في المقابل، ذهبت أوساط سياسية وإعلامية قريبة من "حزب الله" إلى ربط زيارة هيكل بالتطورات الميدانية الأخيرة، وخصوصاً استهداف الجيش اللبناني في الجنوب. وبحسب هذه المقاربة، فإن الضربة الإسرائيلية التي أدت إلى سقوط ضابطين وجندي لا يمكن فصلها عن سياق الضغوط المتزايدة التي تمارسها تل أبيب على الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

 

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي اعتبر أن ما جرى "ليس خطأً أو شبهة" كما تحاول إسرائيل الإيحاء، بل عملية مقصودة تحمل رسائل واضحة. ومن هذا المنطلق، تُقرأ العملية على أنها رسالة ضغط إضافية موجهة إلى الجيش اللبناني في مرحلة تتزايد فيها الرهانات الدولية على دوره جنوباً.

 

وتعتبر هذه الأوساط أن إسرائيل تعمل منذ فترة على فصل المسار اللبناني عن المفاوضات الإيرانية – الأميركية، خشية أن يؤدي أي تقدم في هذا الملف إلى إنتاج تفاهماتٍ تنعكس على الجبهة اللبنانية. لذلك تنظر بعين الريبة إلى أي قنوات تواصل جديدة يمكن أن تنشأ عبر أطراف إقليمية تملك علاقات مع واشنطن وطهران في آن واحد.

 

وفي هذا السياق تحديداً، اكتسبت زيارة هيكل إلى إسلام آباد أهمية استثنائية. فبالنسبة إلى أصحاب هذه القراءة، فإن تزامن استهداف الجيش مع زيارة قائده إلى دولة يُنظر إليها على أنها منخرطة في قنوات التواصل الإقليمية ليس مجرد مصادفة زمنية، بل قد يندرج ضمن رسائل متبادلة تتصل بمستقبل التسوية في لبنان وموقعه ضمن المشهد الإقليمي الأوسع.

 

لكن في المقابل، لا توجد معطيات رسمية تؤكد وجود أي دور سياسي مباشر للزيارة أو أي ارتباط بينها وبين المفاوضات الجارية في المنطقة. كما أن مصادر رسمية لا تزال تتعامل معها على أنها زيارة عسكرية بحتة تدخل في إطار العلاقات الطبيعية بين الجيشين اللبناني والباكستاني.

 

ومع ذلك، فإن تزامن الزيارة مع التصعيد الإسرائيلي ضد الجيش اللبناني، ومع الحراك الديبلوماسي الإقليمي المتسارع، يجعل من الصعب فصلها عن السياق السياسي العام. وبين من يراها محطة تعاون عسكري تقليدية، ومن يعتبرها جزءاً من شبكة اتصالات إقليمية آخذة في التشكل حول لبنان، يبقى المؤكد أن رحلة قائد الجيش إلى إسلام آباد جاءت في توقيتٍ يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة، ويعكس حجم التشابك بين الساحة اللبنانية والتطورات الإقليمية المحيطة بها.

 

ففي الشرق الأوسط اليوم، لم تعد تحركات القادة العسكريين مجرد زيارات بروتوكولية، بل باتت في كثير من الأحيان جزءاً من مشهد سياسي وأمني أوسع، تتداخل فيه الرسائل الديبلوماسية مع الرسائل الميدانية، وتختلط حسابات الحرب بمسارات التفاوض.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية