من بيرني ساندرز إلى زهران ممداني... 10 سنوات غيّرت اليسار الأميركي
قبل عشرة أعوام، كان الحديث عن وصول سياسي اشتراكي إلى أحد أبرز المناصب التنفيذية في الولايات المتحدة يبدو أقرب إلى الطموح منه إلى الاحتمال الواقعي. أما اليوم، وبعد صعود زهران ممداني في نيويورك، وعقد منظمة "الديموقراطيين الاشتراكيين في أميركا" مؤتمرها الوطني في شيكاغو وسط نقاشات تتجاوز الاحتجاج إلى التفكير في المنافسة على الرئاسة، بات السؤال: كيف انتقل اليسار الأميركي من الهامش إلى قلب المشهد السياسي؟
2016... ساندرز يكسر المحظور
شكّلت حملة السيناتور بيرني ساندرز للانتخابات الرئاسية عام 2016 نقطة التحول الأبرز في تاريخ اليسار الأميركي الحديث. فبعد عقود ارتبطت فيها كلمة "اشتراكية" في الوعي الأميركي بالحرب الباردة، نجح ساندرز في تحويلها إلى عنوان لنقاش سياسي واسع، جامعاً ملايين الأصوات ومئات آلاف المتطوعين.
ورغم خسارته أمام هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي، فرض أجندة جديدة على الحزب، شملت توسيع الرعاية الصحية، وخفض كلفة التعليم الجامعي، وتشديد الرقابة على وول ستريت، ورفع الحد الأدنى للأجور.
2018... ولادة جيل جديد
بعد عامين فقط، دخلت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز الكونغرس بعدما أطاحت بجو كراولي، أحد أبرز قادة الحزب الديموقراطي في مجلس النواب، وكان يُنظر إليه بوصفه وريثاً محتملاً لنانسي بيلوسي.
حمل فوز أوكاسيو كورتيز إعلاناً عن ولادة جيل جديد من السياسيين التقدميين. وسرعان ما تحولت، مع عدد من النواب الشباب، إلى واجهة سياسية لتيار يساري أكثر جرأة في قضايا المناخ، والعدالة الاجتماعية، والهجرة، والضرائب، والسياسة الخارجية.

2020... من الهامش إلى التأثير
في انتخابات 2020، خسر ساندرز مجدداً السباق الرئاسي، لكن كثيراً من أفكاره بقي حاضراً في النقاش السياسي الأميركي. فحتى المرشحون الأكثر اعتدالاً داخل الحزب الديموقراطي وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاقتراب من بعض مطالبه لاستقطاب القاعدة الشابة.
في الوقت نفسه، واصل تنظيم "الديموقراطيين الاشتراكيين في أميركا" توسعه، مستفيداً من تنامي الاهتمام بين الشباب بالعدالة الاقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، وأزمة السكن، وتزايد الفوارق الاجتماعية.
2023... غزة لحظة سياسية فارقة
أحدثت الحرب في غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولاً إضافياً داخل القاعدة الديموقراطية، ولا سيما بين الشباب والطلاب.
فقد اتسعت الهوة بين مواقف قيادة الحزب التقليدية وبين قطاعات واسعة من الناخبين الشباب، الذين رفعوا سقف الانتقادات للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وتحولت الجامعات الأميركية إلى ساحة احتجاجات غير مسبوقة منذ عقود.
هذا التحول منح اليسار زخماً سياسياً إضافياً، بعدما أصبحت القضية الفلسطينية جزءاً من النقاش الداخلي الأميركي.
2026... محطة ممداني
جاء فوز زهران ممداني بعمادة نيويورك ليؤكد أن اليسار أصبح قادراً على تحقيق انتصارات انتخابية في مدن كبرى، إلى جانب صناعة الخطاب والضغط على الحزب الديموقراطي.
وحمل مؤتمر المنظمة في شيكاغو مؤشرات على مرحلة جديدة يتقدم فيها هدف قيادة الحزب الديموقراطي، مع طرح فكرة الدفع بمرشح اشتراكي إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذا توفرت الظروف التنظيمية والسياسية المناسبة.

إلى أين يتجه اليسار؟
يبقى الطريق إلى البيت الأبيض مليئاً بالعقبات. فلا تزال المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديموقراطي تمتلك نفوذاً واسعاً، كما أن النظام الانتخابي الأميركي لا يمنح التيارات الراديكالية هامشاً كبيراً للمناورة.
لكن العقد الماضي أظهر أن اليسار الأميركي لم يعد ظاهرة احتجاجية عابرة. فمن حملة بيرني ساندرز، مروراً بصعود ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وصولاً إلى زهران ممداني، تشكّل مسار سياسي متدرج نقل الاشتراكيين من هامش الحياة السياسية إلى موقع يصعب تجاهله في رسم مستقبل الحزب الديموقراطي، وربما مستقبل السياسة الأميركية نفسها.