من "بيت العنكبوت" إلى الأرض المحروقة: تراجيديا الشتات والوهم في الوجدان الشيعي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} نانسي اللقيس - كاتبة وباحثة

تتحرك الجغرافيا في جنوب لبنان كدائرة مغلقة، لا يغادرها السكان إلا ليعودوا إليها غرباء، ولا يُبنى فيها حجرٌ إلا وينتظر قذيفة قادمة. غير أن الأزمة الراهنة تتجاوز الركام المادي، لتضرب عميقاً في البنية النفسية والاجتماعية للجماعة الشيعية التي تعيش اليوم حالة غير مسبوقة من "الإحباط المجتمعي" والانكسار، نتيجة تصدّع السرديات الكبرى وسقوط الوعود أمام قسوة موازين القوى الحديثة.

## بنت جبيل.. مرآة الشتات والتاريخ المكرر

ليست مدينة "بنت جبيل" مجرد نقطة استراتيجية في القطاع الأوسط، بل هي مرآة تختصر تاريخاً حافلاً بالنزوح المستمر، تحولت معه بوابتها عبر العقود من معبر محلي إلى منصة للهجرة والاغتراب. فمنذ الأحداث الدامية عام 1920، مروراً باستهدافها بعد "اتفاق القاهرة" عام 1969، واضطرابات عام 1978، وصولاً إلى حرب تموز 2006، كانت المدينة تعيد صياغة هويتها القلقة بين الاغتراب والاضطرار للرحيل.

إلا أن التحول الأبرز بدأ عام 2000، حين ألقى الأمين العام الراحل لـ"حزب الله" خطابه الشهير من قلبها، واصفاً إسرائيل بأنها *"أوهن من بيت العنكبوت"*؛ فمنذ تلك اللحظة، فُرضت على المدينة هوية شعاراتية جديدة اقتطعتها من سياقها التاريخي المركب، لتتحول عملاً بمبدأ "من يحرر يقرر" إلى رمز عقائدي محوري. واليوم، وهي تقف خالية تماماً من أهلها وسط العمليات العسكرية المستمرة، تبدو تلك السردية قد تلاشت، واضعة حلم العودة في مهبّ هواجس "الترانسفير" والتغيير الديموغرافي القاسي.

## "غسيل الأدمغة" وسقوط الوعود الغيبية

إن المتسبب الأول في هذا الإحباط هو الخطاب التعبوي الممنهج الذي بثته الماكينة الإعلامية والثقافية للحزب عبر منابرها المختلفة؛ وهو خطاب مارس على مدار عقود عملية مبرمجة لـ"غسيل الأدمغة"، صاغ من خلالها وعياً جمعياً موهوماً يُقنع البيئة الحاضنة بأن هذا السلاح موطّئ لـ"النصر الإلهي الفوري"، وأن الحزب يمثل إرادة غير قابلة للهزيمة.

اليوم، تكشفت هذه الوعود عن انفصال تام عن الواقع الإستراتيجي؛ فلا السلاح حقق الغايات الموعودة، ولا العقيدة صمدت أمام الآلة والتكنولوجيا الحديثة. لقد استيقظت شريحة كبرى من الطائفة من وراء غبار المعارك على حقيقة مرة، وهي أن منظومة الوعود التي رُبطت بالغيب (ببنيتها المخترقة وتقديراتها الخاطئة ومغامراتها غير المحسوبة) قد سقطت تماماً أمام واقع ميداني وتكنولوجي قاسٍ، أثبتَ أن شعار "أوهن من بيت العنكبوت" لم يكن سوى توصيف واهم تصدّع أمام قسوة الآلة الحربية والواقع الإستراتيجي الحقيقي.

## انفصام الخطاب وواقع الأرض المحروقة

يتجلى عمق المأساة الحالية في ذلك الشرخ الفاضح بين أدبيات القيادة الحزبية وواقع الأرض. ففي الوقت الذي بات فيه مشهد التهجير حقيقة مطلقة، وبسطت فيه إسرائيل سيطرتها الميدانية على قرى شاسعة في الجنوب مخلّفةً أرضاً محروقة، لا يزال الخطاب الحزبي يصرّ بمكابرة منفصلة عن الواقع على نغمة "الانتصار الحتمي".

يتم تسويق الكارثة الراهنة للبيئة المستنزفة على أنها مجرد "خسارة جولة لا خسارة معركة"، في محاولة مستميتة لإنكار الواقع. هذا الإصرار الوهمي على الانتصارات الخشبية لم يعد ينطلي على أحد؛ فالناس الذين يفترشون الطرق ويفقدون مدنهم وقراهم باتوا يرون في هذا الكلام استخفافاً مباشراً بعقولهم ودمائهم، وتأكيداً أن الحزب مستعد للتضحية بآخر حجر وآخر مواطن ليحمي سرديته الفصائلية.

## من "المجتمع الحي" إلى "الخَدَر الجماعي"

هذا التآكل الميداني يوازيه تآكل أشد خطورة في البنية النفسية للبيئة الحاضنة. تعيش الشريحة الكبرى من الشيعة اللبنانيين اليوم صمتاً ثقيلاً؛ ليس صمت الرضا، بل هو صمت محكوم بالخوف من سلطة التخوين، والتوجس من المجهول. لقد تحول المجتمع الغاضب والمتحمس إلى مجتمع محبَط يعيش حالة من "الخدر الجماعي"، حيث لم تعد الأخبار الآتية من الميدان تثير الفخر، بل تُقابل ببرود وعدم تصديق.

حين يعتاد الناس على غياب الحلول كخيار وحيد، يصبح الإحباط مزمناً، ويهدد بالتحول إلى جزء من هوية الجيل الطالع؛ الجيل الذي يقضي طفولته نازحاً في مراكز الإيواء، مكبلاً بكسر كرامته اليومية، ليرى في سؤال الهوية والسياسة مجرد "ثرثرة فوق جثة مستقبله".

## الحسابات الإقليمية وسياسة تفريغ العنف

هذه المأساة اللبنانية لا يمكن فصلها عن العقلية الإقليمية التي تدير خيوط الصراع. فالنظام الإيراني الذي بنى شرعيته لأربعة عقود على خطاب المواجهة الكبرى، كشف عن عقم استراتيجي وبنيوي قاتل؛ فكلما اشتدت الأزمات عليه في الداخل واهتز هرم سلطته جراء الاختراقات الأمنية واغتيال قادته، التمس النجاة عبر تفريغ العنف في محيطه الجغرافي.

تُظهر الإحصاءات والوقائع نمطاً واضحاً في السلوك الإيراني؛ حيث استهدفت الهجمات بالصواريخ والمسيّرات البنى التحتية والمنشآت المدنية والاقتصادية في دول الخليج العربي بنسبة بلغت نحو 85%، بينما بقيت وتيرة العمليات العسكرية المباشرة الأخرى منضبطة ومحدودة بنسبة لم تتجاوز الـ15%. يعكس هذا السلوك عقلية تعوض عن العجز الميداني بإلحاق الأذى بالمحيط والجيران، وتبني سياسة "الأرض المحروقة" لتوسيع مساحات الصراع كآلية تحمي النظام من السقوط الداخلي، ما يؤدي في النهاية إلى استنزاف اقتصادات المنطقة، وتدمير مقومات الحياة، وتفكيك العمران الحضري والبشري.

## العودة إلى الدولة كطريق للشفاء

إن تراكم التجارب السلبية قد يوصل الشريحة الكبرى من الجماعة الشيعية يوماً ما إلى نقطة الانفجار، وتكذيب كل الشعارات القديمة من نوع "نحمي ونبني" أو "سنعيدها أجمل مما كانت"، وهو ما قد يدفع نحو مراجعات حقيقية وانقلاب ضد الواقع المفروض والخيارات التي تبين عقمها وزيفها.

وللخروج من محنة الإحباط المزمن والمدمر، فإن الخطوة الأولى والوحيدة نحو الشفاء تبدأ بالالتجاء الفعلي للدولة اللبنانية، حرفياً، وعلى كل المستويات. يجب أن تسقط الحسابات الإقليمية العابرة للحدود والأوهام الأيديولوجية لمصلحة الهوية الوطنية الجامعة. وفي المقابل، يتعين على الدولة أن تكون صادقة، فلا تخاطب الناس بلغة الأوهام، بل تحصر وعودها بما هو ممكن واقعياً وقابل للتحقيق، لتشرع الدولة ومواطنوها في إعادة إعمار "الثقة" والسيادة، قبل البدء بإعادة إعمار الحجر.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية