من باول إلى وورش... ترامب يغيّر رئيس "الفيدرالي" ولا يغيّر سياسته

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ليس الخلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي نقاشاً تقنياً على ربع نقطة في معدلات الفائدة. إنه، في العمق، نزاع على صاحب الكلمة الأخيرة في إدارة الاقتصاد: البيت الأبيض المنتخب، أم المصرف المركزي الذي بُنِيت صدقيته على قدرته على مقاومة الضغوط السياسية؟

 

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

 

المواجهة مستمرة

بدأت المواجهة في عهد جيروم باول، مع أن ترامب نفسه اختاره لرئاسة "الفيدرالي" في عام 2017 أي خلال ولاية ترامب الأولى. في العام التالي، رفع المصرف معدلات الفائدة أربع مرات، مستنداً إلى قوة النمو وانخفاض البطالة، وخشية أن يؤدي استمرار التحفيز إلى ارتفاع معدلات التضخم. لكن ترامب رأى في كل زيادة تهديداً للبورصة والاستثمار والصادرات الأميركية، ولاسيما أن معدلات الفائدة المرتفعة تعزز الدولار وتجعل المنتجات الأميركية أغلى في الخارج.

سرعان ما تجاوز اعتراضه حدود النقد المعتاد. ومع اشتداد الحرب التجارية مع الصين في عام 2019، اتهم باول بالتأخر في خفض معدلات الفائدة، ثم تساءل علناً عمّن يمثل "العدو الأكبر" للولايات المتحدة: باول أم الرئيس الصيني شي جين بينغ. كان يريد من "الفيدرالي" أن يخفف آثار الرسوم الجمركية ويمنح الاقتصاد دفعة إضافية. أما باول، فكان يرى أن السياسة النقدية لا تستطيع إصلاح الأضرار التي تصنعها الحرب التجارية.

فرضت جائحة كورونا هدنة مؤقتة. خفّض "الفيدرالي" معدلات الفائدة إلى قرب الصفر، وفتح قنوات واسعة للسيولة والائتمان. كانت تلك تماماً السياسة التي أرادها ترامب. لكن الهدنة انتهت مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، فيما بقي باول في منصبه بعدما كان الرئيس جو بايدن قد أعاد تعيينه لولاية ثانية.

هذه المرة، طالب ترامب بخفض معدلات الفائدة إلى نحو واحد في المئة، معتبراً أن المعدلات المرتفعة تخنق سوق الإسكان والاستثمار وتحمّل الخزانة مئات مليارات الدولارات من أعباء الدين. غير أن باول رفض الاستعجال قبل اتضاح أثر رسوم ترامب الجمركية الجديدة في الأسعار. وهنا تكمن مفارقة سياسة ترامب: هو يريد استخدام الرسوم لحماية الصناعة الأميركية وانتزاع تنازلات تجارية، ثم يطلب من "الفيدرالي" خفض معدلات الفائدة لتعويض ما قد تسببه الرسوم من تباطؤ، مع أنها قد ترفع تكلفة السلع والمكونات المستوردة وتغذي التضخم.

 

 

 

مسألة مقري الفيدرالي

لم يبق الخلاف محصوراً في معدلات الفائدة. ركّز البيت الأبيض وحلفاء ترامب على ارتفاع تكلفة تجديد مقري "الفيدرالي" في واشنطن إلى نحو 2.5 مليار دولار. ثم فُتِح تحقيق جنائي في شهادة باول أمام الكونغرس في شأن المشروع. ورد باول، في خروج نادر عن تحفظه، بأن التحقيق ليس سوى "ذريعة" للضغط على "الفيدرالي" لكي يحدد معدلات الفائدة وفق رغبة الرئيس. أغلق القضاء التحقيق في نيسان (أبريل) 2026، وأُحِيلت مراجعة تكلفة المشروع إلى المفتش العام. لكن القضية أظهرت أن المواجهة تخطت الانتقاد السياسي إلى استخدام أدوات التحقيق والمساءلة ضد رئيس المصرف المركزي.

بانتهاء رئاسة باول، اختار ترامب كيفن وورش، بعدما أعلن ثقته بأن الرئيس الجديد سيتجه إلى خفض معدلات الفائدة. لكن وورش أكد أمام مجلس الشيوخ أنه لم يقدم أي تعهد في هذا الشأن، وأن قراراته ستبقى مستقلة ومبنية على البيانات. تولى وورش منصبه في أيار (مايو) 2026، ليجد أمامه تضخماً يتجاوز معدله هدف الاثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأسعار طاقة مرتفعة، وآثاراً متراكمة للرسوم الجمركية والتوترات في الشرق الأوسط. لذلك أبقى "الفيدرالي" معدلات الفائدة في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المئة خلال أول اجتماعين برئاسته، على الرغم من مطالبة ترامب بأن تتمتع الولايات المتحدة بأدنى معدلات فائدة في العالم.

ولم يقتصر الأمر على رفض الخفض. في اجتماع تموز (يوليو)، عارض ثلاثة أعضاء قرار التثبيت وطالبوا برفع معدلات الفائدة ربع نقطة مئوية. أي إن جزءاً من "الفيدرالي" كان يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً لما يريده ترامب. ومع ذلك، لم ينقلب الرئيس على وورش بعد. لا يزال يصفه بأنه "عبقري"، ويلقي باللوم على بقية أعضاء اللجنة. لكن هذه الهدنة قد تصبح قصيرة إذا استمر التضخم وأبقى المجلس معدلات الفائدة مرتفعة، أو قرر زيادتها. عندها سيواجه وورش السؤال الذي واجهه باول قبله: هل يستطيع أن يكون اختيار ترامب من دون أن يصبح أداة في يده؟

 

 

صراع وصل إلى المحكمة العليا

لا تقتصر المعركة على رئيس المجلس. حاول ترامب إقالة عضو مجلس الحكام ليزا كوك الميالة إلى رفع معدلات الفائدة بسبب مزاعم تتعلق بطلبات رهن عقاري سبقت عملها في "الفيدرالي". أوقفت المحكمة العليا الإقالة، مؤكدة ضرورة منحها فرصة للاطلاع على الأدلة والرد عليها. لكن الإدارة أعادت تحريك الملف. وإذا نجحت في إبعاد كوك ثم مرّرت بديلاً منها في مجلس الشيوخ، فقد يتغير تدريجاً ميزان الأصوات داخل مجلس المحافظين.

لترامب بعض الحجج الوجيهة. أخطأ "الفيدرالي" في تقدير التضخم بعد الجائحة، ومعدلات الفائدة المرتفعة تضغط فعلاً على مشتري المنازل والشركات والخزانة. لكن خفضها إلى واحد في المئة فيما لا تزال معدلات التضخم مرتفعة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة. وإذا اعتقد المستثمرون أن "الفيدرالي" خضع إلى الرئيس، فقد يطالبون بعائد أعلى على السندات البعيدة الأجل، فترتفع تكلفة الاقتراض بدلاً من أن تنخفض.

نجح ترامب في تغيير رئيس "الفيدرالي"، لكنه لم يغيّر حتى الآن طريقة عمل المؤسسة. وربما يكتشف أن المشكلة، من وجهة نظره، لم تكن في باول وحده. فاستقلال "الفيدرالي" لا يُختبَر عندما يتفق مع الرئيس، بل عندما يملك القدرة على قول "لا" له.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية