من انفعال عابر إلى آثار دائمة .. دروس نفسية من واقعة "سائق القنيطرة"

في ظل ما أفرزه حادث “سائق القنيطرة”، بين سائق حافلة لنقل العمال وسائق شاحنة لنقل البضائع بمدينة القنيطرة، يطفو على السطح موضوع سرعة الانفعال، باعتباره أحد السلوكات التي قد تتحول في لحظات وجيزة إلى مصدر لقرارات غير محسوبة، خاصة حين يغيب التقدير الهادئ للموقف، وهو ما يجعل من هذه الظاهرة مدخلًا لقراءة أعمق في طبيعة ردود الفعل البشرية حين تواجه مواقف مفاجئة.

وتفتح هذه الواقعة المجال لتناول جانب الندم الذي غالبًا ما يعقب لحظات التسرع، إذ يجد الأفراد أنفسهم أمام تبعات أفعال لم يمنحوها ما يكفي من التفكير، بما يستدعي الوقوف عند أهمية التحكم في النفس وتدبير الانفعالات بشكل متزن، خصوصًا في السياقات اليومية التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها قابلية التحول إلى مواقف ذات أثر نفسي واجتماعي ممتد.

عواقب غير محسوبة

إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “ما بات يُعرف بـ’حادث الزرواطة’ ليس مجرد خبر عابر حول خلاف مروري بين سائق حافلة نقل للعمال وسائق شاحنة بضائع، وتحوّله إلى اعتداء عنيف، بل يمثّل حالة نفسية حية تكشف آليات الغضب السريع، وتداعياته المدمرة، وأهمية الأدوات العلمية كالقياس السيكومتري في منع تكراره ضمن طب الشغل”.

وأوضح الحسناوي أن “الأمر يبدأ بسرعة الانفعال، تلك الآلية النفسية التي يصفها العلماء بـ’خطف اللوزة الدماغية’ في لحظة الغضب، فتتجاوز اللوزة – المسؤولة عن الاستجابات العاطفية الفطرية – القشرة الأمامية، مركز المنطق والتخطيط”، مردفا: “لذلك رأينا أن سائق الحافلة نزل ليضرب سائق الشاحنة، محولًا خلافًا عابرًا إلى كارثة لها عواقب غير محسوبة تشمل عقوبات جنائية فورية، وفقدان الثقة المهنية، وصدمة نفسية تطال الأطراف والمجتمع بأكمله”.

وأضاف المتحدث ذاته أن “ما يلي هذا النوع من السلوكات، عادةً، هو الندم الذي يتجلى عبر مراحل ‘نموذج كوبلر-روس’ المتمثلة في الإنكار والغضب والتفاوض والاكتئاب ثم القبول، حيث يعاني الجاني توترًا ما بعد الصدمة (PTSD)، مصحوبًا بكوابيس وفقدان شغف الحياة، بينما يواجه الضحية فوبيا قيادة دائمة وقلقًا مستمرًا”، مشددا على أن “هذا الألم يمتد إلى العائلات، فتتحول لحظة اندفاع إلى أزمة هوية جماعية، مع عزلة اجتماعية وتغيير مسار الحياة إلى الأبد”.

أمام هذه الديناميكيات ذكر الحسناوي “التحكم النفسي” كحل أساسي، مشيرا إلى “تقنية STOP – توقف، وخذ نفسًا عميقًا، وراقب أفكارك، واختر ردًا”، باعتبارها التقنية الفعالة في إعادة السيطرة، إلى جانب تدريبات اليقظة (mindfulness)، مثل التنفس 4-7-8 الذي يهدئ الجهاز العصبي السمباثي”، لافتا في هذا السياق إلى أن “السلوكات المتهورة تتسبّب في حوالي 80% من الحوادث المرورية، فيما تقلّل برامج تدريب السائقين الحوادث بنسبة 30% عبر تعزيز الصبر والتركيز”.

وأكد الأخصائي النفسي الإكلينيكي، في تصريح لهسبريس، على أهمية “القياس السيكومتري في طب الشغل كأداة وقائية حاسمة”، مبرزا أن “هذا القياس، الذي يعتمد على اختبارات موحدة ذات صدق وثبات إحصائيين، يقيم القدرات العاطفية والمعرفية، مثل التحكم في الغضب واتخاذ القرار تحت الضغط، وفي فحوصات ما قبل التوظيف لسائقي المهن الخطرة يكشف عن ميول الاندفاع أو التوتر المزمن”.

وأفاد المتحدث ذاته بأن “أهمية القياس السيكومتري تكمن في تشخيص الاضطرابات النفسية مبكرًا، كـPTSD أو اضطرابات التكيف المهني، ليوجه تدخلات علاجية دقيقة، ويحمي العامل والمجتمع من مخاطر غير محسوبة”، مشددا على أنه “بفضل مقاييس مثل Risky Driving Behaviour Scale يصبح طب الشغل شريكًا في بناء ثقافة أمان مروري مستدامة”.

كبح الغضب

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “في خضم ما أصبح يُعرف بـ’حادث الزرواطة’ تتجلى أمامنا صورة مكثفة عن هشاشة الإنسان حين ينفلت زمام انفعاله في لحظة غضب عابرة، لكنها قد تخلّف آثارًا دائمة”، مضيفة أن “سرعة الانفعال تُعد من أخطر ما يمكن أن يواجهه الفرد في المواقف اليومية، خاصة في الفضاءات العامة كالطريق، إذ إن ثواني قليلة من الغضب قد تدفع الشخص إلى سلوكيات لم يكن ليتخيلها في وضع هادئ”.

وأشارت الفضل، في تصريح لهسبريس، إلى أن “القرار هنا لا يكون عقلانيًا، بل تحكمه شحنة انفعالية حادة تُعطل التفكير، وتُضيق زاوية الرؤية، فيتحول الآخر من مجرد طرف في موقف عابر إلى ‘خصم’ يجب الرد عليه، وهذه اللحظة تحديدًا هي ما يمكن تسميته ‘الاختطاف الانفعالي’، حيث يسيطر الانفعال على السلوك ويغيب التقدير للعواقب، لكن ما إن تهدأ العاصفة حتى يبدأ الندم في الظهور”.

وأكدت المتحدثة ذاتها أن “هذا الندم من نوع خاص، لأنه لا يتعلق فقط بالفعل، بل بالصورة التي يكتشفها الإنسان عن نفسه: ‘هل أنا قادر على هذا العنف؟’، وهذا النوع من الندم قد يكون قاسيًا، إذ يرافقه شعور بالذنب، والخجل، وأحيانًا الخوف من التبعات القانونية أو الاجتماعية؛ وفي بعض الحالات يتحول إلى عبء نفسي طويل الأمد، خاصة إذا ترتب على الفعل أذى للآخرين أو خسائر مادية أو معنوية”.

ومن هنا نبّهت الأخصائية نفسها إلى أهمية التحكم في النفس خلال المواقف الطارئة، مشيرة إلى أنه “ليس أمرًا فطريًا دائمًا، بل مهارة تُكتسب بالتدريب والوعي”، وزادت: “من بين أبرز التقنيات الفعالة ‘إيقاف رد الفعل اللحظي’ من خلال منح النفس بضع ثوانٍ قبل التصرف، لأن هذه الثواني كفيلة بإعادة تشغيل التفكير العقلاني، إضافة إلى تقنيات التنفس، لأن أخذ أنفاس عميقة وبطيئة يساعد على خفض حدة التوتر”.

وشددت الفضل على أهمية “إعادة التأطير الذهني”، موضحة أنه “بدل تفسير سلوك الآخر كاستفزاز شخصي يمكن اعتباره خطأً عابرًا أو نتيجة ضغط”، وموردة أن “الانسحاب الذكي والابتعاد عن الموقف يكون أحيانًا هو أقوى أشكال التحكم، وليس ضعفًا كما يُعتقد، إضافة إلى التدريب المسبق على إدارة الغضب، من خلال الوعي بالمحفزات الشخصية ووضع خطط بديلة للتعامل معها”، خاتمة توضيحها بالتأكيد على أن “الإنسان لا يُقاس فقط بردود فعله، بل بقدرته على كبحها، لأن النضج الحقيقي لا يظهر في غياب الغضب، بل في كيفية إدارته”.

The post من انفعال عابر إلى آثار دائمة .. دروس نفسية من واقعة "سائق القنيطرة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress