من المنشطات إلى طقوس الابتهاج.. سرحان يكشف خبايا "الدكتورة كرة القدم"
في “المدافع” و”الاحتفال” و”المنشّطات”، لا يكتفي الشاعر سعد سرحان بملاحقة تفاصيل المستطيل الأخضر، بل يعيد بناءها داخل لغة مشحونة بالرمز والسخرية والأسئلة العميقة.
هي مقالات متجاورة تكشف قدرة سرحان على استخراج المعنى من الهامش الرياضي؛ من صلابة المدافع، إلى طقوس الابتهاج، وصولًا إلى هشاشة الجسد أمام غواية التفوّق، ليمنح القارئ نصوصا تتجاوز الرياضة إلى الإنسان نفسه.
(المدافع)
مِن شُحِّ اللغة الموصوف أنّها لم تَنْفَحِ المدافعَ صيغةَ مبالغةٍ كما فعلت مع الهدّاف، فالمدافع مهما كان شديدًا لا تشتقُّ له منه، وإنّما تضفي عليه من خارجه، إذ تستعير له من صلب الأرض حديدًا وحجرًا، مُجَرِّدَةً إيّاه من الرحمة حينًا، فهو عندها الجزّار، ومن الأنفاس أحيانًا، فإذا هو الجدار وصخرة الدّفاع والسّد المنيع…
ولولا المدافعون عمومًا، والأشدّاء منهم على الخصوص، لَكان المهاجمون عمومًا، والهدّافون منهم على الخصوص قد طَغَوْا أيّما طغيان، ولكانت الدّستة وحدةً للأهداف، ولما كان هنالك من تعادل أبيض في غير المباريات التي لم تُلعب.
لا يعاني المدافعون فقط من حيف اللّغة، وإنّما أيضًا من جور المنظومة الكروية كلّها. فلأجل عيون اللعبة، إذ للعبة عيون يُقال لها الأهداف، يجري حماية المهاجمين الذين بهم تكتحل تلك العيون، فلا تشهر البطائق بالجملة إلّا في وجوه المدافعين، مع أنّ منهم الذي ما أتى ما أتى إلّا بعد أن رأى ما رأى من صمت الحَكَم على إذلاله من طرف هذا العفريت أو ذاك مِمَّن يستطيع أن يراوغ أيًّا كان قبل أن يرتدَّ إليه طرفه. صحيح أنّ العرق يُبذَل في سبيل القميص، لكن ماء الوجه ليس مِمّا يُهرَق في أيّ سبيل. لذلك على الفيفا أن تفكّر جدّيًّا في حماية المدافعين بإضافة بندٍ إلى قوانينها تحت عنوان: الحماية من الشّططْ درْءًا للغلطْ.
إنّ التوازن بين الهجوم والدفاع في كرة القدم، بما هي وجبةٌ شهية للعين، لَأشْبَه بالتوازن الحمضي القاعدي لوجبات الطعام، ذلك الذي يضمن للجسم كفاءة العمل، إذ إنّ تَحَمُّضَهُ، تحمُّض الجسم، يؤدّي إلى اختلالات بلا حصر وأضرار قد لا تُتَدارك. وهذا بالضبط ما يحدث مع تحمّض المباراة الذي أمسى تشخيصُه متاحًا للجميع، ولا يحتاج إلى قياس pH، فحيثما تفرَّج المرء لن يعدم من يُعلّق: هذه المباراة حامضة.
لإقرار هذا التوازن، أو للتشجيع عليه حتّى، على الفيفا أن تكون أكثر عدالة، فمثلما نحتت للهدّافين من بريقهم الأحذية الذهب، عليها أيضًا أن تنحت للمدافعين من صلابتهم الأحذية البلاتين، فمِن هؤلاء مَن يدرأ عن مرمى فريقه من الأهداف المحقّقة أكثر ممّا يسجّل الواحد من أولئك… وبهذا، وبهذا فقط، لا يتحقّق التوازن والعدالة فحسب، وإنّما تنتقل المباريات من تنافس أحذية إلى صراع نفائس.
غير بعيد عن الأحذية النفيسة، فمنذ سنة 1956، سنة تأسيس الكرة الذهبية، حتى الآن، لم يفز بها سوى ثلاثة مدافعين، بيكنباور، ماتياس سامر وكانافارو.
وعدد هؤلاء إلى عمر الجائزة هو أربعة في المئة، فبالله عليكم، هل هذه هي نسبة الدفاع في مجد كرة القدم؟ ثمّ، أليس مخجلًا للعبة، وبأثر رجعي، أن يذكر باريزي، مالديني، كومان، نيستا، غاتوزو، بويول، راموس، وباقي المتاريس المتحرّكة حفاةً من الأحذية النفيسة، عُراةً إلّا من البطائق الملوّنة؟
(الاحتفال)
يضخّ الهدفُ في جسدِ مُسجّلِه جرعةً سحريّة من الفرح تطفح منه على شكل احتفال تنتقل عدواه منه إلى زملائه وإلى الطاقم التقني للفريق، كما إلى جمهور المدرّجات والمقاهي والبيوت…
المقصود بالهدف هنا هو الهدف في كرة القدم، لا لفَرادته أو لشعبية اللّعبة الجارفة، بل لأنّ في غيرها ككرة السّلة مثلا، تنتهي المباريات بغلّة وفيرة جدًّا. ولا بدّ أنّ طعم الحبّة والحبّتين أحلى من طعم سلّة من الثمار.
انطلاق الأهازيج في المدرّجات ورفع شعارات الفريق وإطلاق الشّهُب واندلاع المشاعل الملوّنة ورقص اللّاعبين… إنّما هي حركاتٌ لشكل الاحتفال شكلًا تامًّا وسط سُكون المنافس.
باختلاف الجغرافيات والثقافات يختلف الاحتفال بالهدف والتعبير عن الفرح به. فلئن كان رفع الأكفّ إلى السماء ووضع الجباه على الأرض نوعًا من الامتنان لقوة خارجية، فإنّ الرّقص والقفز عاليًا والارتماء على العشب والقيام بحركات أكروباتية، لهي من مظاهر الإيمان المطلق بالجسد، الجسد الذي لا شريك له في التسجيل.
لا تخلو الاحتفالات بالأهداف من رسائل وإشارات، بعضُها في منتهى السّموّ كتلك التي تكون عبارة عن تضامن مع قضية عادلة، وبعضها في غاية الإسفاف كتلك التي نضرب عنها صفحًا فلا نضرب لها مثلًا. وبين هذه وتلك، ثمّة رسائل شخصية وأخرى طريفة، وإشارات للاستفزاز وأخرى للانتقامْ، وسوى ذلك ممّا يخطر للتفكير بالأقدامْ.
على أنّ أغرب الاحتفالات هي تلك التي تكون صامتة. فمنها ما يحزّ في النفس، إذ أيّ احتفال يليق بتسجيل هدف والفريق منهزمٌ بدستة. ومنها ما يرشح نبلًا، إذ لا يحتفل اللّاعب بالتسجيل على فريقه السابق. ومنها الفريد من نوعه، كأن يحجم اللّاعب عن الاحتفال احترامًا للحارس الذي سجّل عليه.
ولئن كان تاريخ كرة القدم قد شهد أهدافًا خالدة، فقد عرف أيضًا احتفالات أيقونيّة استحقّت التخليد. فمنها ما صار على أغلفة المجلات وفي صلب الإعلانات، كاحتفاليَتيْ ميسي ورونالدو. ومنها ما زيّن طابع بريد، كاحتفالية بيليه. ومنها ما صار بتمثال، كاحتفالية تيري هنري.
الاحتفال بالهدف من صميم اللّعبة، لذلك فهو أيضًا خاضع لصافرة الحكم، إذ له قوانين وضوابط وخطوط حمر. فالحركات العنصرية أو الجنسية، وإثارة النعرات، وتأجيج الكراهية، وسوى ذلك من الحطب الجَزْل، يُقابَل بعقوبات زجريّة من الجهات الوصيّة. وإنّها لحصافة منها، من هذه الجهات، أن منعت احتفالًا لطالما اعتبرتُه لطيفًا. وإذا عُرفَ السبب بطُلَ العجب، فاللّاعب إذ يضع الكرة تحت قميصه فور التسجيل، فتلك إشارة منه إلى أنّ قذيفته كانت قذفًا صريحًا في رحم الشّباك، نتج عنه حمل فوري، فهو بذلك الفحل والخصم أنثاه.
هذا غيض فقط من فيض الاحتفال. إذا اضفنا إليه الاحتفال في مستودع الملابس، واحتفالات الجماهير داخل الملعب وخارجه، وكذا الاحتفالات بالألقاب والكؤوس… سنجد أنفسنا أمام متن هائل ومتنوّع تحتاج دراستُه إلى أكثر من تخصّص، مثلما تحتاج إلى هِمّةٍ عالية، وهي ممّا لا يعدم الإنسانُ الاحتفالي.
(المنشّطات)
منذ فجر حياته اكتشف الإنسان عدم كفاية جسده للبقاء، فزئير الوحش على مشارفه وزمجرة الطبيعة من حوله كانا كفيلين بوضعه أمام مرآة نفسه، حيث تجلّى له وجهه وقد جمع ملامح الخوف إلى قسمات العجز. لذلك، طفق يسنّ السّلاح تلو السّلاح، ويبتدع الأداة تلو الأخرى، في سعي دؤوب منه لتعزيز الجسد بما يلزم لمواجهة ما يُفرَض عليه من تحدّيات.
ثمّ كانت الحاجة، لا بوصفها أمّ الاختراع فحسب، بل كثالثةِ الأثافي للموقد، بعد أن حرّر الإنسانُ النّارَ من قمقم الحجر مرّة وإلى الأبد، فأَلانَتْ له البأسَ الذي ردع بحَدِّه الفرائس وأرعد به الفرائص، وجعلت له منه منافع في شتّى مناحي الحياة، حتى بات في مأمن من كوابيسه الأولى.
وعلى الرّغم من عدم ثقة الإنسان بجسده، فقد اِتّخذه مرجعًا أساسًا لمعظم ما سنّ ووضعْ، وصقل وابتدعْ، وسكّ وصنعْ… فالهِراوةُ من ذراعه وقبضته، والملعقةُ من يده مقعّرةَ الكفّ، والشّوكة منها منقوصةَ الأصابع، والمنظارُ من عينيه، والمحرّكُ من قلبه، والحاسوبُ من دماغه، وغير هذه من سوى تلك، وكأنّه بذلك يتوسّع خارج حدوده البيولوجية. ولقد نجح في ذلك أيّما نجاح، حتّى إنّه يملك الآن الكثير من الأعضاء غير أعضائه، أعضاء يقال لها آلاتٍ، سلامتُه من سلامتها، وآفتُه منها دونها كلّ آفة….
ومع ظهور الإنسان الرياضي، ستتغيّر كلّيًّا النظرة إلى الجسد. فتسلُّقُ الأشجار غير القفز بالزّانة، والعَدْوُ خلف الطّرائد غير مطاردة الذهب الأولمبي، كما أنّ السّلف الغابر وسط الأدغال غير الخلف الظاهر على الشاشات. لذلك، تعمّق أكثر فأكثر الإحساسُ بالنقص، نقص الجسد، فاشتدّ السّعيُ إلى تدارُكِه بأساليب شتّى، من المُضمَر في البيوت كنمط العيش من أكلٍ ونومٍ وسواهما، حتّى المُعلَن في النّوادي ككمال الأجسام.
في عالم الرياضة، الجسد هو الرأسمال، وعلى صاحبه أن يجني من ورائه ما استطاع من أرباح في فترة ريعانه القصيرة. فتجده يُنمّيه بتقوية عضلاته وتحسين سرعته والدّفع بكفاءته إلى حدودها القصوى، إذ إنّ الجسد في الميدان يكون أعزل إلّا من نفسه، ومن نفسه أيضًا الشجاعة والعزم والفطنة والحدس والصّبر… لكن، كلّ هذا قد لا يكون كافيًا، فللجسد نفسٌ أمّارةٌ بالجشع.
مثلما قد تخطر للرأسمال أفكار شيطانية لتحقيق الرّبح السريع، بصرف النظر عن مدى مشروعيته، تخطر لبعض الرياضيين أفكار لا تقِلّ مكرًا لإدراك التألق في أسرع وقت. منها ما ترصده عيون الحكّام والكاميرات، فينالون جرّاء ذلك ما يستحقّون من جزاء، ومنها ما يستعصي على العين المجرّدة، فيحتاج إلى مختبرات التّحليل. ذلك أنّ الجسد الأعزل قد يكون مُدجّجًا بأسلحة في منتهى السرّية، أسلحة محظورة إن ضُبِطت فيه عوقب صاحبُه بالطرد لسنوات. وقطعًا، لن يعود بعدها إلى الميادين بنفس الهِمّة والنشاط، فأحرى أن يعود إلى المنشّطات.
The post من المنشطات إلى طقوس الابتهاج.. سرحان يكشف خبايا "الدكتورة كرة القدم" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.