من المدرج إلى الشارع: كيف انتهت احتجاجات ضد قانون التعليم العالي بطرد 22 طالباً من جامعة ابن طفيل؟

عندما قررت جامعة ابن طفيل بالقنيطرة طرد 22 طالباً على خلفية مشاركتهم في احتجاجات رفضاً لقانون التعليم العالي الجديد، لم يتوقف الجدل عند حدود العقوبة التأديبية. فقد فتح القرار نقاشاً أوسع حول حدود الاحتجاج داخل الجامعة، وضمانات التأديب، وطبيعة الإصلاحات التي يقترحها القانون رقم 59.24، وما إذا كانت الأزمة تعكس خلافاً حول القانون أم خللاً أعمق في تدبير العلاقة بين الإدارة الجامعية والطلبة.

بدأت الأزمة مع احتجاجات طلابية استمرت أسابيع، رفعت في بدايتها مطالب مرتبطة بظروف الدراسة والخدمات الجامعية، قبل أن تتوسع لتشمل رفض القانون الجديد الذي يعتبره المحتجون مدخلاً لإعادة صياغة حكامة الجامعة ودور الدولة في تمويل التعليم العالي. وانتهت هذه الاحتجاجات باعتقالات ومحاكمات، ثم بقرارات تأديبية شملت 22 طالباً، وهو ما أثار ردود فعل قانونية وحقوقية ونقابية وسياسية متباينة.

وترى إدارة الجامعة، بحسب قراراتها التأديبية، أن العقوبات جاءت نتيجة أفعال نسبت إلى الطلبة خلال فترة الامتحانات، بينما يؤكد الطلبة ومحاموهم أن ما جرى كان استهدافاً لنشاطهم النقابي ورفضهم للقانون الجديد، ويقولون إن إجراءات التأديب لم تحترم الضمانات القانونية الكافية. وحتى تاريخ نشر هذا التحقيق، لم يتوصل موقع “لكم” برد من رئاسة الجامعة، رغم مراسلتها وانتظار جوابها لأكثر من ثلاثة أسابيع.

لا يقتصر هذا التحقيق على تتبع تفاصيل ما وقع داخل جامعة ابن طفيل، بل يحاول الإجابة عن أسئلة أوسع: كيف تطورت الأزمة من احتجاجات طلابية إلى قرارات طرد نهائية؟ وهل احترمت المسطرة التأديبية الضمانات القانونية؟ وما الذي يضيفه القانون 59.24 إلى منظومة التعليم العالي، ولماذا أثار كل هذا الجدل؟ وهل تشكل هذه القضية امتداداً لسوابق عرفتها الجامعات المغربية، أم أنها تعكس مرحلة جديدة في إدارة الخلاف داخل الجامعة؟

اعتماداً على وثائق رسمية، وشهادات عدد من الطلبة، وآراء قانونيين ونقابيين وحقوقيين، إضافة إلى قراءة في النصوص القانونية ذات الصلة، يحاول هذا التحقيق إعادة بناء مسار القضية، وعرض الوقائع كما ترويها مختلف الأطراف، مع وضعها في سياقها القانوني والتاريخي.

كيف بدأت الأزمة؟

لم تبدأ أزمة جامعة ابن طفيل بقرارات الطرد، بل سبقتها أشهر من التوتر بين إدارة الجامعة وطلبة انخرطوا في احتجاجات قالوا إنها انطلقت للدفاع عن مطالب مرتبطة بظروف الدراسة، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل الاعتراض على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

وبحسب رواية عدد من الطلبة الذين تحدثوا إلى موقع “لكم”، فإن الشرارة الأولى للحراك كانت مرتبطة بقضايا يعتبرونها ذات طابع اجتماعي وبيداغوجي، قبل أن يتحول النقاش تدريجياً إلى مضمون القانون الجديد الذي كانت الحكومة تستعد لتنزيله.

يقول مروان الأحمر، أحد الطلبة الذين شملهم قرار الطرد، إن الاحتجاجات بدأت بمطالب وصفها بـ”العادية” والمتعلقة بسير الموسم الجامعي، غير أن النقاش سرعان ما اتسع ليشمل القانون الجديد. ويضيف أن الطلبة كانوا يعتبرون أن المشروع أُعد دون إشراك فعلي للفاعلين داخل الجامعة، من أساتذة وموظفين وطلبة، وهو ما دفعهم إلى إدراج المطالبة بسحبه ضمن مطالبهم.

ويرى الأحمر أن بعض مقتضيات القانون قد تفتح المجال، مستقبلاً، لإعادة النظر في مجانية التعليم العالي من خلال توسيع أنظمة التكوين المؤدى عنها، كما ينتقد إحداث “مجلس الأمناء”، معتبراً أنه يمنح فاعلين من خارج الجامعة دوراً أكبر في توجيه المؤسسة، على حساب الهيئات الجامعية المنتخبة.

وتمثل هذه القراءة موقف الطلبة المحتجين، بينما تؤكد الحكومة أن القانون يهدف إلى تحديث حكامة الجامعات وتعزيز نجاعتها وتطوير البحث العلمي.

خلال الأسابيع اللاحقة، نظم الطلبة سلسلة من الوقفات داخل الحرم الجامعي وأمام رئاسة الجامعة، كما قدموا عريضة تتضمن مطالبهم، ونظموا أنشطة تواصلية للتعريف بأسباب احتجاجهم.

وبحسب إفادات الطلبة، عقدت رئاسة الجامعة اجتماعين مع ممثلين عن المحتجين، بحضور عمداء بعض الكليات، تناولت النقاشات خلالهما عدداً من الملفات المرتبطة بالخدمات الجامعية، من بينها الطاقة الاستيعابية للمطعم الجامعي، والإقامة الجامعية، ومشاريع توسيع البنيات الاجتماعية.

ويقول المحتجون إن تلك الاجتماعات انتهت إلى وعود بمعالجة بعض هذه الملفات، الأمر الذي دفعهم إلى تعليق الإضراب الذي كانوا يخوضونه. غير أنهم يؤكدون أن التواصل مع الإدارة توقف بعد ذلك، وأن تنفيذ الوعود المعلنة لم يتقدم بالشكل الذي كانوا ينتظرونه، وهو ما أعاد التوتر إلى الجامعة.

ويعتبر الطلبة أن نقطة التحول جاءت مع اقتراب فترة الامتحانات، عندما رفضت الإدارة الترخيص بندوة كان المحتجون يعتزمون تنظيمها بكلية العلوم لشرح موقفهم من الأزمة، بالتزامن مع إعلان موعد الامتحانات.

ويقول الأحمر إن عدداً من الطلبة كانوا يعتبرون أن بعض الوحدات الدراسية لم تستكمل بعد، وهو ما دفعهم إلى المطالبة بتأجيل الامتحانات، بينما مضت الإدارة في برمجتها وفق الجدول المعلن.

وفي الثامن عشر من يناير، دعا المحتجون إلى مقاطعة الامتحانات وارتداء شارات حمراء داخل الكليات باعتبارها شكلاً رمزياً للاحتجاج. وفي اليوم التالي، دخلت الأزمة مرحلة جديدة.

الامتحانات تحت التوتر

يصف الطلبة الذين تحدثوا إلى موقع “لكم” أجواء اليوم الأول من الامتحانات بأنها كانت مختلفة عن المعتاد. ويقولون إن محيط الجامعة عرف حضوراً أمنياً مكثفاً، بينما تحدث بعضهم عن وجود عناصر من الأمن بلباس مدني داخل الحرم الجامعي.

ويؤكد مروان الأحمر أن عدداً من الطلبة اعتبروا هذا الحضور الأمني مؤثراً في ظروف إجراء الامتحانات، وهو ما دفع كثيرين إلى الانضمام إلى المقاطعة.

ولا تتوفر رواية رسمية من إدارة الجامعة أو السلطات الأمنية بشأن طبيعة هذا الانتشار أو أسبابه، إذ لم يصدر أي توضيح رسمي في هذا الشأن حتى تاريخ إنجاز هذا التحقيق.

وبحسب إفادات الطلبة، خرج عدد منهم بعد انطلاق أول حصة امتحانية للتجمع داخل الساحة الجامعية، قبل أن تتطور الأحداث إلى تدخلات أمنية أسفرت، وفق روايتهم، عن توقيف عدد من الطلبة.

ويقول المحتجون إن عمليات التوقيف استمرت خلال الأيام اللاحقة، بالتزامن مع مواصلة مقاطعة الامتحانات، إلى أن أحيل عدد من الطلبة على النيابة العامة، فيما تقرر متابعة بعضهم في حالة اعتقال.

ويؤكد الطلبة أن هذه التطورات مثلت نقطة فاصلة في الأزمة، إذ انتقلت من خلاف حول تدبير الاحتجاجات داخل الجامعة إلى مسار قضائي وتأديبي انتهى لاحقاً بإصدار قرارات الطرد.

من الاحتجاج إلى قرارات الطرد

مع نهاية أسبوع الامتحانات، لم تتوقف الأزمة عند حدود الاحتجاجات أو المتابعات القضائية، بل انتقلت إلى داخل المؤسسة الجامعية نفسها، عبر فتح مساطر تأديبية انتهت بإصدار قرارات الطرد النهائي في حق 22 طالباً وطالبة من مختلف الكليات والأسلاك الجامعية.

وتُظهر الوثائق التي اطلع عليها موقع “لكم” أن الطلبة المعنيين استدعوا للمثول أمام المجلس التأديبي، قبل أن تصدر في حقهم عقوبات تراوحت بين الطرد النهائي والعقوبات التأديبية الأخرى، وفق ما ورد في قرارات الجامعة.

ويؤكد الطلبة المطرودون أنهم فوجئوا بطبيعة العقوبات، معتبرين أن الإدارة انتقلت مباشرة إلى أقصى عقوبة ينص عليها النظام التأديبي، دون المرور بالعقوبات الأخف أو مراعاة اختلاف الوقائع المنسوبة إلى كل طالب.

ويقول مروان الأحمر إن الطلبة كانوا يتوقعون فتح نقاش حول الأحداث التي رافقت الامتحانات، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام قرارات يعتبرونها “جاهزة سلفاً”. ويرى أن العقوبات لم تميز بين المشاركين في الاحتجاجات، رغم اختلاف الأدوار المنسوبة إليهم.

في المقابل، لم تصدر رئاسة جامعة ابن طفيل توضيحاً مفصلاً يشرح الأسس التي اعتمدها المجلس التأديبي في تقدير مسؤولية كل طالب، كما لم ترد على الأسئلة التي وجهها موقع “لكم” بشأن معايير إصدار العقوبات، رغم انتظار الرد لأكثر من ثلاثة أسابيع قبل نشر هذا التحقيق.

ويثير هذا الغياب للرواية الرسمية صعوبة في تقييم بعض الوقائع محل الخلاف، خصوصاً ما يتعلق بالأحداث التي شهدها الحرم الجامعي خلال فترة الامتحانات، وهي الوقائع التي تستند إليها القرارات التأديبية من جهة، ويطعن فيها الطلبة ومحاموهم من جهة أخرى.

هل احترمت المسطرة التأديبية الضمانات القانونية؟

أثار مسار التأديب بدوره نقاشاً قانونياً حول مدى احترام الإجراءات المنصوص عليها في التشريعات المنظمة للتعليم العالي، خاصة في ما يتعلق بحقوق الدفاع، وتعليل القرارات الإدارية، ومبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة.

ويرى المحامي رشيد آيت بلعربي، عضو هيئة القنيطرة، أن الجامعة لم تحترم عدداً من الضمانات التي يفترض أن ترافق إصدار عقوبات بهذه الخطورة.

ويقول إن قرارات الطرد أصبحت موضوع طعن أمام القضاء الإداري، استناداً إلى ما يعتبره أصحاب الطعن خروقات شكلية وموضوعية، من بينها، بحسب قوله، عدم تمكين الطلبة من ممارسة حقوق الدفاع بالشكل الكافي، وغياب وسائل إثبات فردية تثبت الأفعال المنسوبة إلى كل واحد منهم.

ويضيف أن التهم التي استندت إليها القرارات، ومنها عرقلة الامتحانات أو ممارسة العنف، تحتاج إلى إثبات مستقل بالنسبة إلى كل طالب، لأن العقوبات التأديبية، وفق المبادئ العامة للقانون الإداري، تقوم على المسؤولية الفردية لا الجماعية.

وفي المقابل، لا يمكن الجزم بصحة هذه الدفوع أو بسلامة الإجراءات إلا بعد صدور أحكام القضاء الإداري، الذي يبقى الجهة المختصة بالحسم في مدى قانونية القرارات المطعون فيها.

ويعيد هذا المعطى النقاش إلى سؤال جوهري: هل كانت الجامعة بصدد معالجة مخالفات فردية مرتبطة بسير الامتحانات، أم أن قرارات الطرد جاءت في سياق مواجهة احتجاجات جماعية؟ وهو سؤال لا يمكن الفصل فيه إلا بالاستناد إلى الوثائق الكاملة للمسطرة التأديبية والأحكام القضائية المرتقبة.

لماذا أثارت العقوبات كل هذا الجدل؟

لم يقتصر الاعتراض على الطلبة المعنيين، بل امتد إلى فاعلين قانونيين وحقوقيين ونقابيين وسياسيين، وإن اختلفت مبرراتهم. فالنقابة الوطنية للتعليم العالي رأت أن العقوبات جاءت في سياق التوتر الذي رافق تنزيل القانون رقم 59.24، وانتقدت اللجوء مباشرة إلى عقوبة الطرد النهائي، معتبرة أن مبدأ التدرج في العقوبات يقتضي النظر في بدائل أقل شدة إذا كانت الوقائع تسمح بذلك.

أما الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فقد اعتبرت في بياناتها أن القرارات تمثل، بحسب توصيفها، إجراءً تعسفياً يمس بحرية التعبير والعمل النقابي داخل الجامعة، ودعت إلى التراجع عنها وتمكين الطلبة من استكمال دراستهم.

وفي البرلمان، وجهت النائبة فاطمة التامني سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي، طالبت فيه بتوضيح الأسس القانونية التي بنيت عليها قرارات الطرد، والإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لضمان احترام الحق في التعليم وحقوق الطلبة أثناء ممارسة الاحتجاج السلمي.

ورغم اختلاف المرجعيات القانونية والسياسية لهذه المواقف، فإنها تتقاطع في نقطة واحدة، وهي المطالبة بتوضيح المسطرة التي قادت إلى إصدار العقوبات، ومدى انسجامها مع الضمانات القانونية التي تكفلها التشريعات الوطنية والمبادئ العامة للمحاكمة التأديبية العادلة.

هل تشكل القضية سابقة؟

لا تعد قرارات الطرد التأديبي في الجامعات المغربية ظاهرة جديدة، إذ عرف تاريخ التعليم العالي، منذ سبعينيات القرن الماضي، حالات متعددة ارتبطت بحركات احتجاجية طلابية أو بخلافات حول تدبير الشأن الجامعي. إلا أن السياقات التي صدرت فيها تلك القرارات، وطبيعة المخالفات المنسوبة إلى الطلبة، والضمانات التي رافقتها، اختلفت من مرحلة إلى أخرى.

وشكلت الجامعة المغربية، على امتداد العقود الماضية، أحد أبرز فضاءات النقاش السياسي والاجتماعي. فقد ارتبطت الحركة الطلابية، منذ تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بقضايا تتجاوز الشأن الجامعي، لتشمل ملفات سياسية واجتماعية أوسع، وهو ما جعل العلاقة بين الإدارات الجامعية والتنظيمات الطلابية تمر بفترات من التوتر، خصوصاً خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات.

وتشير الأدبيات المتخصصة في تاريخ الجامعة المغربية إلى أن الإجراءات التأديبية كانت تُستخدم في بعض المحطات لمواجهة احتجاجات أو اضطرابات داخل الحرم الجامعي، كما استُخدمت في محطات أخرى لمعالجة مخالفات تأديبية فردية لا علاقة لها بالنشاط النقابي أو السياسي. ويصعب، لذلك، التعامل مع جميع حالات الطرد باعتبارها تنتمي إلى السياق نفسه أو تستند إلى الأسباب ذاتها.

وخلال التسعينيات، تغيرت طبيعة المطالب الطلابية تدريجياً، إذ تزايد التركيز على ظروف الدراسة، والمنح الجامعية، والإقامة، وجودة التكوين، إلى جانب استمرار النقاش حول استقلالية الجامعة ودورها. ومع كل موجة إصلاح جديدة، كانت تظهر اعتراضات طلابية بدرجات متفاوتة، تعاملت معها الجامعات بوسائل مختلفة تراوحت بين الحوار، والإجراءات التأديبية، واللجوء إلى القضاء في بعض الحالات.

ولم تكن الإصلاحات التي عرفها قطاع التعليم العالي خلال العقدين الأخيرين استثناءً من هذا المسار. فقد أثارت مشاريع إعادة تنظيم الجامعة، وإصلاح الحكامة، وتمويل التعليم العالي، نقاشاً متكرراً بين السلطات العمومية ومكونات الجامعة، خاصة التنظيمات الطلابية وبعض الهيئات النقابية.

وفي هذا السياق، يرى باحثون في شؤون التعليم العالي أن قضية جامعة ابن طفيل تكتسب أهميتها ليس فقط بسبب عدد الطلبة الذين شملتهم العقوبات، وإنما لأنها تأتي بالتزامن مع تنزيل قانون جديد يعيد تنظيم منظومة التعليم العالي، وهو ما يجعل من الصعب فصل الجانب التأديبي عن السياق الإصلاحي الذي جاءت فيه الأحداث.

ومع ذلك، يبقى تقييم مدى قانونية القرارات المتخذة في هذه القضية مسألة تختلف عن تقييم السياسات العمومية أو الخيارات التشريعية. فحتى لو كان القانون محل خلاف سياسي أو أكاديمي، فإن مشروعية العقوبات التأديبية تظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بمدى احترام الإدارة للمسطرة القانونية، وبالأدلة التي استندت إليها في تحميل المسؤولية لكل طالب على حدة، وهي مسائل لا يحسمها إلا القضاء.

قراءة قانونية: أين يبدأ الخلاف؟

لا يقتصر الجدل حول هذه القضية على الوقائع التي شهدها الحرم الجامعي، بل يمتد إلى الطريقة التي أُديرت بها المسطرة التأديبية، وإلى الحدود الفاصلة بين سلطة الإدارة في الحفاظ على السير العادي للمؤسسة، وحقوق الطلبة في التعبير والاحتجاج.

ويجمع مختصون في القانون الإداري على أن العقوبات التأديبية، أياً كانت طبيعتها، ينبغي أن تستند إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها احترام حقوق الدفاع، وتعليل القرار الإداري، والتناسب بين المخالفة والعقوبة، وإثبات المسؤولية الفردية.

وفي هذا الإطار، يرى المحامي رشيد آيت بلعربي أن بعض هذه الضمانات لم تُحترم في حالة الطلبة المطرودين، وهو ما دفعهم إلى الطعن في القرارات أمام القضاء الإداري.

في المقابل، لا تتوفر إلى حدود إنجاز هذا التحقيق معطيات رسمية توضح الكيفية التي قيّم بها المجلس التأديبي الوقائع المنسوبة إلى كل طالب، أو المعايير التي اعتمدها في تقدير العقوبات.

ويجعل هذا الغياب من الصعب إصدار حكم نهائي بشأن سلامة الإجراءات، خصوصاً وأن الملف أصبح معروضاً على القضاء، الذي يملك وحده صلاحية البت في مدى مشروعية القرارات الإدارية المطعون فيها.

تداعيات محتملة على الجامعة المغربية

تثير المقتضيات الواردة في مشروع قانون 59.24 نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الجامعية حول مستقبل الجامعة المغربية، ليس فقط من زاوية التنظيم الإداري، بل أيضاً من زاوية الدور الاجتماعي والمعرفي للمؤسسة الجامعية.

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون إصلاح التعليم العالي مدخلاً لتعزيز استقلالية الجامعة ورفع جودة البحث العلمي، يرى منتقدون أن المسار المقترح قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الجامعة وفق منطق تدبيري أقرب إلى المقاولة، حيث تصبح الفعالية المالية والقدرة على تعبئة التمويل معياراً أساسياً للتقييم، إلى جانب الجودة الأكاديمية.

هذا التحول، إذا ما تمّ تكريسه بشكل غير متوازن، قد يضعف الوظيفة التقليدية للجامعة باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة النقدية، وليس فقط لتكوين الكفاءات لسوق الشغل.

الجامعة والعدالة الاجتماعية: سؤال الفجوة

من بين أكثر النقاط إثارة للجدل في النقاش العمومي، التخوف من تعميق الفوارق الاجتماعية داخل المنظومة الجامعية.

فالتوجه نحو تنويع مصادر التمويل وتوسيع دور القطاع الخاص، رغم ما قد يوفره من إمكانيات مادية إضافية، يطرح سؤالاً محورياً حول ضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة.

ويحذر باحثون من أن أي انتقال غير مضبوط نحو نموذج “التمويل المشترك” قد يؤدي عملياً إلى نشوء مسارين متوازيين:

• مسار جامعي عمومي يعاني من ضغط الاكتظاظ ونقص الموارد
• ومسار جامعي خاص أو شراكاتي يوفر تجهيزات أفضل لكنه يظل مرتبطاً بالقدرة المالية للأسر

وهو ما قد يُنتج تفاوتاً بنيوياً في فرص الاندماج المهني والاجتماعي لاحقاً.

الحكامة الجامعية: بين الإصلاح وإعادة التمركز

رغم أن القانون يقدّم نفسه كخطوة نحو تحديث الحكامة، إلا أن طريقة توزيع الصلاحيات تظل محل تساؤل.

فإحداث هياكل جديدة على مستوى التسيير لا يعني بالضرورة تقليص تدخل السلطة المركزية، خصوصاً إذا بقيت القرارات الاستراتيجية الكبرى مرتبطة بمساطر مركزية أو وصاية وزارية مباشرة أو غير مباشرة.

ويذهب بعض المتابعين إلى اعتبار أن الإصلاح لا يعيد توزيع السلطة داخل الجامعة بقدر ما يعيد ترتيبها، من خلال خلق مستويات إضافية من القرار دون ضمان واضح لتوسيع الديمقراطية الداخلية داخل المؤسسات الجامعية.

البحث العلمي: بين الطموح والإكراهات

يُعدّ إدراج باب خاص بالبحث العلمي ضمن مشروع القانون خطوة يُنظر إليها إيجابياً من حيث المبدأ، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى توفير شروط التنفيذ.

فغياب تمويل مستقر وطويل الأمد، وضعف الربط بين الجامعة والقطاعات الإنتاجية، وهجرة الكفاءات البحثية نحو الخارج، كلها عوامل تجعل من أي إطار قانوني، مهما كان متقدماً، غير كافٍ لوحده لإحداث تحول نوعي في منظومة البحث العلمي.

وبالتالي، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بالنص القانوني، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى سياسات عمومية قابلة للتطبيق والاستمرارية.

لغات التدريس والهوية الأكاديمية

يبقى ملف لغات التدريس أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش حول إصلاح التعليم العالي.

فبين من يدفع نحو تعزيز الانفتاح على اللغات الأجنبية باعتبارها شرطاً للاندماج في الاقتصاد المعرفي العالمي، ومن يتمسك بمرجعية لغوية وطنية باعتبارها ركيزة للسيادة الثقافية والمعرفية، يجد مشروع القانون نفسه في قلب توازن دقيق وصعب.

غير أن الإشكال، كما يراه بعض المحللين، لا يكمن فقط في اختيار اللغة، بل في غياب تصور بيداغوجي متكامل يربط بين اللغة، وجودة التعلم، وقدرة الطالب على الاستيعاب والإنتاج العلمي.

إصلاح مفتوح على أكثر من سيناريو

في المحصلة، يقدم قانون 59.24 نفسه كمحاولة لإعادة هيكلة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب وفق متطلبات جديدة، لكنه في الآن نفسه يفتح الباب أمام أسئلة معقدة حول طبيعة الجامعة التي يراد بناؤها: هل هي جامعة عمومية ذات وظيفة اجتماعية واضحة؟ أم جامعة هجينة تتقاطع فيها منطق الخدمة العمومية مع منطق السوق؟

الجواب، وفق عدد من القراءات، لن يتحدد فقط في نص القانون، بل في طريقة تنزيله، وفي ميزان القوى داخل الحقل الجامعي، وفي قدرة الفاعلين (أساتذة، طلبة، إدارات، ووزارة) على إعادة التفاوض حول معنى الجامعة نفسها.

وبين طموح التحديث ومخاطر التفكيك غير المتوازن، يظل مشروع قانون 59.24 مفتوحاً على أكثر من مسار، وأكثر من قراءة، وأكثر من مستقبل ممكن.

حتى الآن، ما زال القضاء الإداري ينظر في الطعون المقدمة ضد قرارات الطرد، فيما لم تصدر رئاسة جامعة ابن طفيل روايتها رغم مرور أسابيع على طلب التعليق. وبين رواية الإدارة الغائبة ورواية الطلبة الحاضرة، يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية إدارة الخلافات داخل الجامعة، وحدود التوازن بين الحفاظ على السير العادي للمؤسسات وضمان الحق في الاحتجاج والتعبير.

 

 

اقرأ المقال كاملاً على لكم