من "الماريكان" إِلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجماعي

قبل أن يُدوّن المؤرخون تحوّلات المغرب المعاصر، كانت الأغنية قد فتحت دفاترها السرّية وسبقت الجميع إلى قَلب المشهد؛ مشت في الأزقة، وعبرت عتبات البيوت، واستخرجت من ارتجاف الأصْوات حقائقَ عجزت الوثائق عن اصْطيادها. من هنا نهضَ الحُسين السلاوي مثل عينٍ شعبية نافذة، تراقب الحداثة وهي تزحف بخفّةٍ ماكرة، وتكشف ما حملته من بريقٍ فاتِن وقلقٍ كامِن في آنٍ واحد. ثم جاء ناس الغيوان مثل رجفةٍ جماعية هزّت الوجدان المغربي، وانتزعت صوته من قبضة الصَّمت حين اشتدّ الخناق على الرّوح. وبين السلاوي، الذي تعقّب مجتمعًا يُبدّل ملامحه على عجَل، والغيوان، الذين نزلوا إلى الجُرح ذاته ونفخُوا في أعماقه جمرة السّؤال، انكشفت لحظة نادرة ارتفع فيها الفنّ فوق التَّرف، وتجاوز الزّينة، وتفوّق على الخطب في قول ما كان يحدث فعلًا.

حينَ غنَّى الحُسين السّلاوي الحَداثة

في زمنٍ كان الناسُ يحكون فيه الأغنية قبل أن يرفعها الصوت إلى مقام الغناء، شقّ الحسين السلاوي طريقه من شقوق ذاكرة الوطن، لا من أثير الإذاعة. لم تكن “الماريكان” أغنيةً عن بلدٍ بعيد، كانت مرآةً مائلةً أمام المغرب، فرآى فيها صورتَه وهو يواجه حداثةً لم يهضمها بعد، فابتسم لها ابتسامةً خفيفةً يتسلّل إليها الشكّ. “الماريكان” أغنية عن أميركا الجغرافيا، وعن أميركا الرّغبة: رغبة الخروج من العادة، من الفَقر، من التّكرار اليوميّ الذي يشبه نفسه كل صباح. لكنها في الوقت نفسه كانت سُخرية ناعمة، كأن السلاوي كان يقول:

كيف نركضُ نحو صورةٍ نجهلُ أهي مرآتنا أم قيْدُنا؟ في صوت السلاوي، لا نجد انبهارًا كاملًا ولا رفضًا قاطعًا؛ نسمع مسافةً ثالثة لا يجرؤ على ارتيادها إلا الفنّ: مسافةً تتيح الضحك من الحلم وهو يتكوّن. كان السلاوي يلتقط “الماريكان” بوصفها اختبارًا للوعي المغربي، وهو يتأرجح بين القفطان والبدلة، بين الزجل وإيقاع الجاز الذي لم يألفه بعد. الأغنية، في عمقها، سفر في تحوّل داخلي: حين يصبحُ الإنسان غريبًا في لُغته وهو ما يزال في مَكانه. وكأن السلاوي يلمّح إلى أن “الماريكان” ليست هناك، إنها تبدأ حين نبدأ في تقليد ما لا نفهمه بالكامل. ثم تأتي المفارقة التي تجعل العمل أقرب إلى حكمة شعبية متخفّية: كلّما بدَت “الماريكان” وعدًا بالخلاص، بدت أيضًا احتمالًا آخر للضَّياع. فهل الحداثة باب مفتوح أمْ مرآة مُضللة؟ السلاوي لا يجيب، يترك الأغنية تمشي وحدها في الشارع، تراقب الناس وهم يحلمون دون أن يلاحظوا أنهم أصبحوا جزءًا من الحُلم نفسه. هكذا، تتحوّلُ “الماريكان” إلى سؤالٍ وجودي: هل نحن من ذهب إلى “هناك” في الخيال، أم أن “هناك” هو الذي جاء إلينا في هيئة أغنية؟

بهذا المعنى، تتحوّل “الماريكان” إلى فتنةٍ بصرية: كلّ شيء فيها يسبق إيقاع العين، يلمع أكثر مما تألفه الحواس، ويبتعد عن مخيالٍ خرج من أزقّة المدينة العتيقة بما يكفي ليُحدث في الوعي ارتجافةً خفيفة. أمّا السّلاوي، فلا يرفضُ هذه الصورة ولا يرفعها إلى مقام القداسة، ذلك أنه يعلّقها بين الأخلاق والفكر، كأنّه ينظر إلى تجربةٍ لم تنضج حكمتُها بعد.

تلتقط الأغنية لحظةً نادرةً في التاريخ الثقافي المغربي؛ لحظةً صاغ فيها الراديو صورةَ العالم، ورسمت الحكايةُ ملامحَه قبل أن تفعل الصورة ذلك. لذلك لا تظهر “الماريكان” عند السلاوي بوصفها جغرافيا سياسية فحسب، لعلها تقترب من أسطورةٍ حديثة، تتشكّل في الخيال الشعبي قبل أن تستقرّ في الخرائط. لقد وعدت بحياةٍ أخرى ممكنة، لكنها أخفت كلفتها الحقيقية، ولم تمنح السامع سوى بريقها الأول. ثم تفتح “الماريكان” طبقةً أشدّ خفاءً، فتضع الهوية نفسها على المحك؛ لذلك لا يكون السؤال: هل نرحل إليها؟ وإنما ماذا يحدث لنا إنْ وصلناها؟ هل يبقى الإنسان هوَ هُوَ حين يغيّر أدواته، وسرعته، وملابسه، وحتى طريقته في الصمت؟ أم أنّ كلّ تغييرٍ يمسُّ المظهر يحرّك في الداخل شيئًا أعمق، ويعيد تشكيل الروح من حيث لا نشعر؟

لا يقدّم الحسين السلاوي في هذه الأغنية كلمات عابرة عن زمن تبدّل، ذلك أنه يفتح أمامنا مشهدًا اجتماعيًا ينبضُ بالحركة والدّهشة والاخْتلال. منذ الصيحة الأولى في النص، نشعر بأن العالم الذي ألفه الناس بدأ يتفكّك أمام أعينهم، وأن إيقاعًا جديدًا تسلّل إلى الأزقّة والبيوت والأسواق من غير استئذان. يلتقط السلاوي التغيير في لحظة تشكّله، ومن هذا الارتباك تحديدًا تصنع الأغنية توتّرها العميق؛ فهي تُصغي إلى ما ينكسر في الداخل كلّما ظنّ الناس أنّهم يقتربون من صورةٍ أبهى لحياتهم.

يختارُ السلاوي في ” الماريكان ” أصغر التّفاصيل ليكشف بها أكبر التّحولات. فهو لا يتحدث بلغة مجردة، يزرع أمامنا أشياء ملموسة: الشوينگوم، السيگار، الروم، الدولار، وعبارات مثل “أوكي” و”باي باي”. بهذه اللمسات الدقيقة، تتحول الأغنية إلى لوحة حيّة تسمع فيها الأصوات، وترى فيها الأزياء، وتلمح فيها تبدّل الأذواق والكلام والتّصرفات. يعرف السلاوي أن الزمن يتغير حين تتبدل نبرة الصوت، وحين تلمع الأشياء الجديدة في العيون، وحين يبدأ الناس في تقليد ما كان بالأمس غريبًا عنهم. لا يخطبُ ولا يعلّق من بُرج عالٍ، يراقب المجتمع من داخله، ويلتقط مفارقاته بنبرة مرحة تخفي وراءها قلقًا حقيقيًا. لذلك تأتي الإشارة إلى اللباس والزينة واللغة والعلاقات بوصفها علامات سريعة على اضطراب أعمق. كل شيء في الأغنية يوحي بأن الناس بدّلوا نظرتهم إلى الجمال، وإلى الوجاهة، وإلى ما يستحقّ الإعجاب. لهذا تبدو هذه الأغنية أكبر من أغنية، وأوسع من تعليق ساخر على مرحلة عابرة. أمسك الحسين السلاوي بلحظةٍ اجتماعيةٍ في ذروة حركتها، وصاغها نصًّا نابضًا بالصورة والإيقاع والذكاء، ثم وهبها عمرًا فنيًّا طويلًا لا تنطفئ جذوتُه.

أليْس سِرُّ هذه الأُغنية أنها تجعلنا نرى المجتمع وهو يتبدّل أمامنا لحظة بلحظة؟ أليس مدهشًا أن يلتقط الحسين السلاوي من كلمات قليلة، ومن أشياء بسيطة صورة زمن يفقد توازنه القديم ويجري وراء إيقاع جديد؟ ثم أليست قوة ” الماريكان” كامنة في أنه نصّ يكشف ارتباك الناس وانبهارهم وقلقهم في آن واحد؟ وإذا كانت الأغنية قد وُلدت من لحظة تاريخية محددة، فكيف استطاعت أن تبقى حيّة إلى اليوم، إن لم تكن قد أمسكت بشيء أعمق من الحدث نفسه: ذلك الاضطراب الإنساني الذي يظهر كلما دخل الجديدُ بقوة، وكلما وجد المجتمع نفسه ممزقًا بين ما كان يعرفه وما صار ينجذب إليه؟

الغيوان: سُؤال فلسفيّ بصوتٍ شعبيّ

في زوايا المدينة التي لم تتعلّم بعدُ فنّ الأقنعة، خرجت ناس الغيوان من العتمة كأنّ سؤالًا قديمًا استعاد صوتَه. لم يكونوا مجرّد فرقةٍ غنائية، كانت اعترافًا جماعيًا بأنّ الروح الشعبية لا تقلّ شأنًا عن الفلسفة، بل لعلّها تصوغ فلسفةً أخرى: أصدق نبرةً، وأقلّ ادّعاءً. كانوا يغنّون كأنّهم ينتزعون الكلمات من قاعٍ بعيد، من ذاكرة الطين والخبز. وحين كان العربي يفتح فمه، لم يكن يمنح الناس صوتًا فقط، بل كان يحرّر وجعًا ظلّ حبيسًا في الصدور. يا لذلك الزمن، حين لم تكن الأغنية تُقاس بزخرفها، وإنما بصدقها؛ بقدرتها على أن تهزّ القلب، وأن تترك فيه أثرًا لا يزول. في السبعينيات، لم تكن الخشبة تملك كثيرًا من الزينة، لكنّها كانت تحمل معنى كثيفًا، غنيًّا، يكاد يبلغ حافة الخطر. لمْ تكن هناك أضواء مبهرة، فقط وجوه تلمع بالعرق والقلق والأسئلة.

وكانت الكلمات تمشي بين الناس مثل رسائل سرية:” من سمعها فهم، ومن فهم تغيّر”. كم كان جميلاً ذلك الزمن… لأنه لم يكن يخجل من نَقْصه. اليوم، قد نملك كل شيء: الصوت النقي، الصورة العالية، المنصات اللامتناهية… لكننا نفتقد شيئًا واحدًا كان يملكه أولئك البسطاء: القدرة على أن يغنّوا وكأن العالم يتوقف ليستَمع… لم تكمن دهشة ناس الغيوان في أنّهم غنّوا للناس، وإنما في أنّهم أعادوا تعريف الناس أنفسهم. فجأةً، لم يعد “الناس” مجرّد جمعٍ بشريٍّ يتكدّس في الأسواق والحافلات؛ صاروا كيانًا له ذاكرة، وجرح، ولغةٌ خفيّة لا تستقرّ في الدفاتر بقدر ما تنحفر في الحناجر. في ذلك الزمن، كانت الأغنية لحْنًا، وكانت أيضا مِطرقة، تعكس الواقع وتضربه ليكشف ما فيه من شُقوق. كأن الغيوان فهموا مبكرًا أن الحقيقة لا تظهر حين نَصِفُها، وإنما حين نُخلخلُها. كانوا يشتغلون على ما هو أخطر من الفنّ: على الوعي؛ وعي الإنسان الذي لم يقرأ كتابًا، لكنه يُدرك، بحدسٍ لا يضلّ طريقه، أنّ العالم ليس على ما يرام. أي سرّ هذا؟ كيف استطاع صوتٌ بسيطٌ، مصحوبٌ بإيقاع تقليدي، أن يهزم صَمتًا اجتماعيًا كثيفًا؟ كان الناسُ يعرفون، دون أن يُعلنوا ذلك، أنَّ الإنسانَ يحتاجُ دائمًا إلى من يُشاركُه حَيْرتَه بصِدْق.

لم تكُن السّبعينيات، في جوهرها، زمنًا موسيقيًا، كانت تجربة وجودية. ولذلك، كانت كلمات النّاس تُقيم داخلَ المُسْتمع، كأنّها تسكنه بدَل أن يملكها. اليوم، تغيَّر كلُّ شيء… صار الإنسان يسمع كثيرًا، لكنه نادرًا ما يُصغي. أصبحَ الفنّ يُنتَج بسرعة، لكنه أخذ يفقد بطأه الضروري كي يتحوّل إلى معنى. أمّا الغيوان، فقد كانوا بطيئين بما يكفي ليبلغوا العمق، وبسطاء بما يكفي ليقتربوا من الخلود. ما كان يومًا صوتًا عابرًا في زمنٍ مضطرب، تحوّل إلى هيئةٍ من هيئات الحقيقة التي لا تموت؛ لأنّه حفر نفسه في أضعف مواضع الإنسان وأصدقها، هناك حيث تفقد السلطة سطوتها، ويقف الزمن عاجزًا عن المحو.

شكرًا للناس… لأنهم فهموا، دون تنظير، أن الكلمة حين تخرج من الحلق لا تبحث عن تصفيق، بقدر ما تهفو إلى قلبٍ يُشْبهها. شكرًا للناس لأنهم لم يتركوا الأغنية وحيدة في العَراء، سكنُوها… صاروا صداها وامتدادها، حتى لم يعد ممكنًا التمييز بين من يغنّي ومن يُنصت. شكرًا لهم لأنهم آمنوا أن الفن ليس ترفًا، بقدر ما هو طريقة أخرى للبقاء. وأن الصوت، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يكون وطنًا صغيرًا نلوذ به حين يضيقُ العَالم.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post من "الماريكان" إِلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجماعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress