من الغلاء إلى الضغط الشعبي .. حملة مقاطعة تستهدف سوق اللحوم
أطلقت مجموعة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مبادرة “حملة المقاطعة الاستهلاكية للحوم”، داعية كافة أطياف المغاربة إلى “الانخراط الواعي والمسؤول في حملة مدنية سلمية تستهدف مقاطعة اللحوم بمختلف أنواعها كإجراء عقابي لن يتوقف إلا بخفض الأسعار”.
وتداولت صفحات مغربية أن هذه الخطوة تأتي في ظل الارتفاع “غير المبرر” لأسعار اللحوم، ولا سيما لحوم الأبقار التي أصبح ثمنها يناهز 150 درهما للكيلوغرام الواحد، وما يواكبه من اختلالات في سلاسل التوريد، وشبهات الاحتكار والمضاربة، بما يضر القدرة الشرائية للمواطنين، مسجلة “محدودية فعالية آليات المراقبة، وغياب أثر ملموس لتدخلات الجهات المعنية؛ وعلى رأسها مجلس المنافسة”.
وأكدت الدعوات أن هذه المقاطعة ليست غاية في حد ذاتها؛ بل أداة ضغط مدنية تروم إعادة التوازن إلى الأسواق، وضمان أسعار عادلة، داعية إلى الالتزام الجماعي بالامتناع عن اقتناء اللحوم بكافة أنواعها طيلة مدة الحملة، وتوحيد السلوك الاستهلاكي كرسالة ضاغطة وواضحة إلى الفاعلين في السوق، وتضامن كافة الطبقات التي تعاني تراجع القدرة الشرائية.
وقالت مصادر مهنية تواصلت معها هسبريس إن الأثمنة غير مرجحة للانخفاض في الأيام المقبلة؛ بل من الممكن أن يستمر الارتفاع في ظل النقص في لحوم الأبقار وانعدام الاكتفاء الذاتي والاضطرار إلى الاستيراد من البرازيل التي ارتفعت تكاليف الاستيراد والشحن منها بشكل كبير في سياق غلق أبواب السوق الأوروبية.
وأكدت المصادر المهنية أن المغرب ليس الوحيد الذي يضطر إلى اللجوء إلى الأسواق البرازيلية فقط وإنما كأغلب دول المنطقة، لا سيما تركيا ومصر والعراق والأردن ودول الخليج.
وأفادت المصادر ذاتها بأن الأسعار الحالية لا يُرتقب أن تعرف انخفاضا خلال الأيام المقبلة؛ بل يرجح أن تواصل منحاها التصاعدي، في ظل الخصاص المسجل في لحوم الأبقار وتراجع الاكتفاء الذاتي؛ ما يفرض اللجوء إلى الاستيراد، خاصة من البرازيل، حيث شهدت تكاليف الشحن والتوريد ارتفاعا ملحوظا، في سياق إغلاق السوق الأوروبية.
وأوضحت أن المغرب لا يُعدّ استثناء في هذا التوجه، إذ تلجأ دول عديدة إلى الأسواق البرازيلية لتأمين حاجياتها؛ من بينها تركيا ومصر والعراق والأردن، إلى جانب عدد من دول الخليج.
مقاطعة غير مرجحة للنجاح
وفي تعليقه على الموضوع، رجّح هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء- سطات، أن حملة المقاطعة الاستهلاكية للحوم لن تُحقق الهدف المرجو منها في خفض الأسعار.
وأبرز الجوابري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الوضع الحالي يرتبط أساسا بإغلاق السوق الأوروبية منذ نحو ثمانية أشهر بسبب تفشي أمراض وبائية في القطيع الأوروبي؛ وهو ما دفع المغرب إلى تعليق الاستيراد من هذه الدول.
وأوضح الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء- سطات أن هذا العامل يظل خارج نطاق تحكم التجار، الذين لا يزالون يترقبون قرار إعادة فتح باب الاستيراد من أوروبا، مشيرا إلى أن هذا القرار يبقى بيد وزارة الفلاحة أو المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، باعتبارهما الجهتين المخول لهما اتخاذ مثل هذه الإجراءات.
كما أكد الفاعل المهني أن السوق المغربية تعيش على وقع أزمة حقيقية تتجلى في خصاص حاد في لحوم الأبقار، نتيجة تداعيات الجفاف وآثار جائحة كورونا، مقابل ارتفاع ملحوظ في الطلب؛ وهو ما يفسر استمرار منحى الأسعار التصاعدي.
ودعا الجوابري، في ختام تصريحه، الوزارة الوصية على قطاع الفلاحة إلى اعتماد برنامج استعجالي يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، للحد من هذا الخصاص الكبير الذي ينعكس سلبا على كل من المستهلكين والمهنيين على حد سواء.
مبادرة يمكن أن تضغط بشكل كبير
وفيما يتعلق بالدعوات إلى مقاطعة اللحوم كرد فعل على الارتفاع الكبير في الأسعار قال حسن آيت علي، رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، إن هذا الأسلوب يُعد شكلا مشروعا من أشكال التعبير المدني والاقتصادي للمستهلك. وقد أثبت، في تجارب سابقة عديدة داخل المغرب وخارجه، أنه يمكن أن يُحدث أثرا حقيقيا متى توفرت له شروط النجاح.
وأكد آيت علي، في تصريح لهسبريس، أن الأمر يتطلب التعامل معه بالواقعية والمسؤولية المطلوبة، مبرزا أن نجاعة المقاطعة ليست مضمونة؛ بل ترتبط أساسا بمدى انخراط المستهلكين بشكل واسع ومنظم.
ولفت رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك إلى أنه إذا كانت المقاطعة جزئية أو ظرفية، من الطبيعي أن لا يكون لها تأثير قوي على الأسعار.
وفي هذ الصدد، أبرز الفاعل المدني عينه أن هذه الخطوة إذا ما تحولت إلى سلوك جماعي واعٍ ومستمر، ستضغط بشكل مباشر على توازن العرض والطلب وتجبر الفاعلين في السوق على مراجعة الأسعار.
وأكد المصرح ذاته أن ما يطرحه بعض المهنيين بخصوص أسباب الغلاء له جزء من الصحة، خاصة ما يتعلق بارتفاع كلفة الاستيراد ومحدودية مصادر التوريد والطلب المرتفع.
وشدد آيت علي أن الأمر لا يُبرر بشكل مطلق مستويات الأسعار الحالية، خصوصا إذا كانت هناك شبهات مضاربة أو هوامش ربح مبالغ فيها أو اختلالات في سلاسل التوزيع.
واعتبر رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك أن مسألة الاعتماد على استيراد الأبقار من مصدر محدود تطرح إشكالا حقيقيا يرتبط بالأمن الغذائي وتنويع الشركاء التجاريين، مؤكدا على ضرورة التدخل الفوري للدولة عبر تنويع مصادر الاستيراد ودعم الإنتاج الوطني ومراقبة مسالك التوزيع وتشديد الرقابة على الأسعار ومحاربة المضاربة.
واعتبر حسن آيت علي أن المقاطعة كفعل مدني، وسيلة سلمية ومشروعة للتأثير في السوق؛ لكنها ليست بديلا عن السياسات العمومية، بل يجب أن تُواكب بوعي استهلاكي مسؤول وشفافية في المعطيات المرتبطة بالأسعار والتكلفة وتدخل مؤسساتي لضبط السوق.
The post من الغلاء إلى الضغط الشعبي .. حملة مقاطعة تستهدف سوق اللحوم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.