من الظلم الإيهام بالخلافة
من البديهي لدى العقلاء أن نبارك كل موقف إيجابي بأي نسبة كان؛ باعتبار التعاون داخل بلدنا فيما يتعلق بالمشترك الوطني بغض النظر عن المعتقد والمذهب واللون السياسي، تفعيلا للاختلاف التنوعي التكاملي، ومعلوم لدينا جميعا أنه حتى من يُخطِئ أو يَخطَأ في حق وطنه ليخدم أجندة خارجية، فالوطن يمهله باعتباره غفورا رحيما، انطلاقا من قوله تعالى: (وإذا ما غَضِبوا هُم يَغفِرون).
أقول هذا ونحن واعون تمام الوعي أن فئة لا يستهان بها ممن لا يعير لمصلحة الوطن إلا مصلحة جيبه واستثماراته ولَيّ نصوص القوانين للاستئثار بتسمين رأسماله الفاحش؛ حتى صرنا نسمع ونقرأ عن الفساد المغربي المحمي بالقانون، المهدّد في عمقه لاستقرار البلد ووحدته طال الزمن أم قصُر مع الأسف.
كنت كتبت مقالا إلكترونيا في جريدة الغد المشرق الفيسبوكية نشر في ماي 2025 بعنوان “التطرف في فهم تازة قبل غزة” يُهمُّني هنا التذكير بما كتبته فيه مما يلي:
” أقول للسيد بنكيران: الأصل في أهلية من يقود حكومة ما أن يكون لديه تمام الاطلاع على السوق وحيل أهله وتجاره ومستثمريه وعميق فهم ما يروج بمجتمعنا والعالَم، فهل في قانوننا المغربي مثلا بند يعاقب على الحيل في أرباح المستثمرين الخواص؟
هل كنت ترأس الحكومة وأنت مستفيد من ليبرالية المغرب السياسية حيث التعددية الحزبية وضمان الحريات العامة والفردية، وأنت في الآن نفسه لا تدري توجّه مغربنا الاقتصادي الليبرالي المنبني على تنمية وتطوير الاقتصاد وكذا الاستثمارات الخاصة؟
لذا فكل ما حصل من حيل المستثمرين تضييقا على قدرات المغاربة المعيشية تتحمله وحدك وأنت تقود حكومتنا المغربية، إذ المستثمرون استغلوا ثغرة جهل الحكومة ورئيسها بلعبهم التجارية فمارسوا “حقهم” القانوني الميداني.
ثم متى كان تكتل التجار لصالح ربحهم الفاحش أمرا طارئا مستحدثا لم يمارسه أول مرة إلا المستثمرون في المحروقات حتى يفاجئك وأنت رئيس للحكومة؟ فهذا ابتلاء ابتلي به الشعب المغربي منذ فتح عينيه على الحياة في شتى مجالات بيعهم وشرائهم غشا واحتكارا وغيرهما، ويعرفه الجاهل والمتعلم على السواء.
فلو أنت غيور على جيوب المواطنين لكنت تصرفت في صلب كينونة النظام الاقتصادي لتسد فيه ثغرات الحيل المؤدية للثراء الفاحش الناجي من المتابعة القانونية.
بل الأدهى من هذا: هو أنك لا تكتب لنا لا كتابا ولا مقالا تبين لنا فيه تتبّعك لتطورات الوضع السياسي والاقتصادي الوطني والدولي حتى ينجلي للمصوتين أهلية من يقود رئاسة حكومتنا المغربية؟
متى يبقى السياسي مقتنصا لفرص ومناسبات المناورة بالعبارات والألفاظ للاستقطاب فقط بعيدا عن اقتحام عقبة الفعل الحضاري والاقتراح التنموي دراسة وتحليلا ونقاشا؟”.
ذكّرت بكلامي هذا في غمرة التهييئات لاستحقاقات شتنبر 2026 الانتخابية، وأنا أصادف إلكترونيا ما يتفضل به السيد عبد الإله بنكيران في جولاته عبر ربوع مملكتنا المغربية، صادعا بإنجازاته الإيجابية، فعلى الأقل من الناحية المنصفة الموضوعية لا أسمع منه ذكرا للهفوات والأخطاء، مغلفا خطاباته بغلاف نصوص دينية، مع العلم أن غالبية النصوص ظنية الدلالة مرتع مختلف التأويلات، أنتقي بعضا مما سمعته منه -مصادفة لا تنقيبا- محاولا المناقشة الهادئة الموضوعية، ولم أتتبع جميع تصريحاته إلا ما صادفته حالة ولوجي للنت، ومما أثارني أكثر خطاب المظلومية المعتمد لدى السيد بنكيران من جهة أن قلبه يرق لحال الشعب المغربي الذي يطاله الظلم من باقي الأحزاب والحكومات إلا حزبه هو وحكومته هو؛ ولهذا السبب عنونت مقالي هذا بعنوان “من الظلم الإيهام بالخلافة الإسلامية”، فبدءا بالعمل السري الانقلابي المكفّر للحكم بالمغرب، إلى الاعتراف بهذا الحكم بل الانخراط حزبيا وبرلمانيا ليتقزم الوعد/الإيهام بالخلافة الإسلامية إلى أن دولة الإسلام قائمة في حكمنا المغربي والعدالة والتنمية تمارس نقدا جزئيا فقط من داخل دولة الإسلام هذه.
ففي قضية تقاعده بالسبعة ملايين يقول: “… والسي عبد الرحمن اليوسفي كان كا ياخذ سبعة دالمليون فالشهر، ومراتو باقية كتاخودها لدابا، ولكن الناس مقابلين عبد الإله بنكيران.. ولكن إيلا بغيتيوني نعطيكم الحساب ديال ديك السبعة دالمليون رانا نعطيها ليكم، راه ما عندي مانع: لكسكسو نهار الجمعة، السردين والعدس نهار الثلاث، لا دبا قلبناها لنهار لاربعا…”:
أولا: لا مجال للمقارنة من حيث إن مرتكز السيد بنكيران الدين الإسلامي، والمبتدئ في الدين يعرف جيدا كِبَر المقت عند الله أن يقول المسلم ما لا يفعل، وجميعنا لا ولن ينسى خطاب العدالة التنمية برئاسة السيد بنكيران في أوائل مشاركته البرلمانية المستندة إلى مقولة الفاروق عمر بن الخطاب الشهيرة: “غرغري أو لا تغرغري؛ لن تذوقي سمنا ولا زيتا حتى يشبع فقراء/ذراري المسلمين” وفي هذا تنبيه على ما ينبغي أن يتحلى به القائد القدوة من صفات وأخلاق تؤهله لكسب ثقة الجماهير؛ وبصريح عبارة بنكيران في برلمان تسعينات القرن الماضي ممهّدا لمقولة عمر بكلامه التالي: “حنا دولة إسلامية؛ والمبادئ دالإسلام كتبني على أن الدولة كتهتم أول ما كتهتم بالضعفاء والفقراء والمحتاجين”؛ هنا يستغرب المتلقي المغربي ما تسطره العدالة والتنمية من مبادئها الدينية الأخلاقية في مشاركتها السياسية!؛ فهل في قبولك السبعة دالمليون اهتممت أول ما اهتممت بالضعفاء والفقراء والمحتاجين؟.
أضيف إلى هذا ما كنتُ ناقشتُه سابقا مع بعض المنتمين للتوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية من مؤطرين وغيرهم، سألتهم هل يطلب منكم مسؤولوكم كل سنة اقتراح عدد معين من مناضلي/ات الجماعة/الحزب ليرسلوهم للحج؟ فأجابوني بالسلب؛ وعليه فهل برلمانيو ووزراء العدالة والتنمية يتنازلون لمناضليهم عن تذاكر الحج المجانية خصوصا الضعفاء والفقراء والمحتاجين؟ مع العلم أن هذا ليس من الضروريات المفروضات؛ إذ الحج واجب على من استطاع إليه سبيلا، وهدفي هنا هو وضع الأصبع على مناقضة الحزب لما يدعيه من مبادئ إسلامية.
وبالنسبة للسبعة ملايين كنت قرأت بالبند الأحمر العريض على بعض صفحات التواصل الإلكتروني عبارة: “لي كيشد 7 مليون مستور؛ ولي كيتخلص 2000 درهم: أشمن تصنيف تقدر تصنفو فالحياة؟”.
ثانيا: حساب السبعة ملايين في “لكسكسو نهار الجمعة، السردين والعدس نهار الثلاث” واضح فيه التهكم والسخرية والضحك على الأذقان و”الطنز العكري” كما يقال، ولئن بَلَغَت السذاجة والغفلة لهذا الحدّ فلا يعلن السيد بنكيران هذا أمام الملإ ليؤكد نفور الناس من خطابه ومستوى تحليله.
ولنقتنع جدلا بما سرده بنكيران على العالمين من مصارف السبعة دالمليون لنسأله: هل اهتممت أول ما اهتممت بـ”الضعفاء والمحتاجين والفقراء” كما نبّهتَنا عليه بالبرلمان في تسعينيات القرن الماضي؟ خصوصا وكلنا يعاني من الارتفاع الصاروخي لأثمان سبع خضاري ديال كسكسو، ومغربنا شاطئيّ حدوده الشمالية والغربية يعاني من غلاء أسماكه أيضا ! ما إنجازاتك بهذا الصدد؟
ومما قاله السيد بنكيران:
“إيلا صوّتّي على عبد الإله بنكيران أوْ لّا على العدالة والتنمية، إن شاء الله الرحمن الرحيم ربي غا ينزّل الرحمة ديالو إن شاء الله، ولكن ما تنواعدك بتّا شي حاجة؛ يمكن هاد الأثمنة تكون، يمكن أقل منها يمكن يكون أكثر منها، ولكن ملي غاتعرفني بلّي أنا ما مدّيتش يدّيَ للمال لّي ماشي من حقّي، وبلّي أنا بحالي بحالك، ولّا بزوجنا كنعانيو، وملّي كنشرح لك السبب داك الشي واقع نتا غادي تقبل؛ المغاربة مستعدّين يعيشو بالخبز وأتاي إلا شافو العدل … المغاربة لا يشتكون من الفقر، المغاربة مستعدّين يعيشو بالخبز وأتاي، المغاربة يشتكون من الظلم”:
أسأل سي بنكيران انطلاقا من ثقته ويقينه في أن الله جل في علاه “غا ينزّل الرحمة ديالو” حالة تصويتنا عليه: هل استنادك إلى دغدغة عاطفة المغاربة بالحمولة الدينية وَرَدَ فيه آية أم حديث؟
وقد ذكّرني صنيع من يربط نيته أو أفعاله بقطعيّ العقيدة والقرآن ما أثاره علماؤنا مثل الشاطبي في موافقاته من أن هناك من خالف التوسط والاعتدال من غير بيّنة في فهم القرآن فتنطّع وغالى مدّعيا “أنه مُسَمّى في القرآن كَبَيان بن سمعان، حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: (هذا بَيانٌ للِنّاس)…، ومِثله في الفُحش من تَسَمّى بالكِسْف ثم زعم أنه المراد بقوله تعالى: (وإنْ يَرَوْا كِسْفاً من السّماء ساقطا)”. هذا مع العلم أني لا أغالي لأجعل السيد بنكيران في نفس مستوى المتلاعبين بالقرآن؛ فكلنا يعلم أنه يمكن لقائد ما أن يتسبّب في غلو أتباعه نظرا لجهلهم بدقائق الدين والعقيدة، حيث تتناسل الخرافات والشعودات، وتولد الأحكام المتطرفة، فكم من طوامّ كبرى تسبب فيها الفهم الخاطئ والعصبية الفئوية عبر التاريخ وإلى اليوم.
وفي السياق نفسه قرأت كذلك بالبند الأحمر العريض على بعض صفحات التواصل الإلكتروني المعاصرة عبارة: “عندما يصبح القرآن ديكورا انتخابيا، والأغاني لحن الوصول إلى الكراسي” تعليقا على فديو الصفحة المركب من مقطعين: مقطع حضور بنكيران لقراءة بعض المغاربة لسورة يوسف، ومقطع آخر لحضوره لأداء أغنية المرحومة أم كلثوم “القلب يعشق كل جميل”.
إن عبارة السيد بنكيران “ولكن ما تنواعدك بتّا شي حاجة” تفضح ركوبه الخطاب الديني؛ فالسياسي المتمكن هو من يستقطب الناس مقنعا مخاطَبيه بمعطيات واقعية وحسابات تقريبية يعِدُهم بها لتخفيف ما يستطيعه من عناء الغلاء وتوفير العيش الكريم بحسب المتاح طبعا، لكن لا متاح للسيد بنكران؛ كلام وكفى، وما يُهِمّه هو ضمان الرجوع للحكومة فقط مع الأسف.
وإن منهج تغليب العاطفة على الواقع وضعف التمكن المعرفي من واقعنا الوطني والعالمي هو ما جعل خطاب حركاتنا الإسلامية أجوف لا امتداد له اللهم الموعظة لترقيق القلوب بعيدا عن الخوض الميداني الحضاري.
إن إيهام السيد بنكيران بأن له منجزات غير مسبوقة؛ فالحقيقة الواقعية هي أن منجزات أي حكومة لا تولد من حُرّ فكرها؛ فلو كانت الحكومات صادقة في وصف أعمالها لدلّتنا على ما سبقها من مقترحات سابقة قامت هي فقط بتكملة إنجازها وتنزيلها؛ فطبيعة الحياة والكون والبيئة هكذا، حتى عمل الأنبياء والمرسلين يكمّل منهم اللاحق عمل السابق.
ثم هل “المغاربة مستعدّين يعيشو بالخبز وأتاي، المغاربة يشتكون من الظلم” والسيد بنكيران يعيش على الأقل بسبعة ملايين؟؟؟ سياق لسان حال بنكيران هنا أو ضح من الوضوح إذ يقول: أيها المغاربة قنعو بالخبز وأتاي وصوتوا عليا نضيف ملايين على لي عندي.
وإذا قال بنكيران “ما مدّيتش يدّيَ للمال لّي ماشي من حقّي” فأنت تأخذه بمختلف التلاوين والطرق المؤدّية إلى أنه يعليك في برجك العاجي تطل منه على الأتباع ليصوتوا عليك.
وفيما يتعلق بحيلة صرف انتباه المغاربة عن انتقاد بنكيران يقول: “… معاش استثنائي قرار ديال جلالة الملك هو لي دارو والله يجازيه بخير والله يخلف عليه، … تبغيو تعرفو الحقيقة: والله تا باقي تانسالكوم الفلوس، زعما داكشي لي درت غاتخلصوه ليا بسبعة ديال الملايين؛ والله ما كافي… دبا أش بغيتيو؟ ما توقروش تا سيدنا وقّرو غي سيدنا، … السيارة … عاطيهالي سيدنا نمشي بها فين ما بغيت، وهي ماشي ديال الدولة، ديالو شخصية… الطوموبيلا الوحيدة لي كاديرونجيكوم هي لي كيتسارا فيها عبد الإله بنكيران؟”:
المغاربة واعون تمام الوعي باحترام ملكهم إذ يَصدُر حفظه الله من قدوته الأخلاقية، فأقل ما نستحضره في هذا السياق مقطع من حديث النبي الكريم: “مَن صنع إليكم معروفا فكافئوه”، لكن مركز ثقل النقد موجّه لرد فعل السيد بنكيران الذي يقود تحركا/حزبا إسلاميا ينبغي أن يكون قدوة فيه لا يترك تفسيرا لأحد يقتنع من خلاله أنه وعدهم بالخلافة الإسلامية ليتراجع لمجرد النقد فالدولة الإسلامية قائمة بأمير المؤمنين، ليخلص إلى تقاعد مريح جدا وآلاف الأتباع يتفرجون بمعاناتهم اليومية؛ فالمؤاخذة متجهة لقائد حزب لم يسخر عطاء الملك للفقراء والضعفاء والمحتاجين.
هذا ومربط فرس مناورة بنكيران في إيهامه بقوله: “تبغيو تعرفو الحقيقة: والله تا باقي تانسالكوم الفلوس، زعما داكشي لي درت غاتخلصوه ليا بسبعة ديال الملايين؛ والله ما كافي”:
وهنا احتمالان: احتمال أن بنكيران يخاطب الناس ليكملوا له الملايين [ربما الملايير] على ما أنجزه، ولا يتحقق هذا إلا من المال العام، وهذا مستبعَد؛ لأنه تحدث عن السيارة التي “هي ماشي ديال الدولة”، فيبقى الاحتمال الصواب هو أنه يخاطب ملك البلاد عبر الناس من حوله، ليقول له: راه السبعة ملاين مقابل ما أنجزته أنا ما كافينيش، خصك تزيدني.
وفي شأن إيران يقول: “قال لك إيران كتدرب البوليساريو؛ طبعا إيران إلا دربات البوليساريو حنا ضد إيران، ويلا عاونات البوليساريو حنا ضد إيران، وإذا اقتضى الأمر أن نحاربها على هذا سنحاربها…”:
سبحان الله؛ لما يتحدث بنكيران عن مظلومية إيران وحماس وما إلى هذا يستعمل عبارات القطع والجزم واليقين، وفي تدخل إيران في شؤوننا المغربية يستعمل أدوات الاحتمال وصيغ التقليل والتمريض: “قال لك…، إلا دربات… ويلا عاونات…”؛ غريب أن نستنتج أن بنكيران يضبط ضبطا محكما حركات ووضعيات إيران وحماس، ولا يضبط تدخل الأجنبي في مملكتنا المغربية.
وفي شأن تبعية المغرب لغيره يقول: “والمغاربة ديالنا ما تبعوش للخلافة الراشدة ملي كانت عندها السلطة؛ عساك يتبعو اليوم للإخوان المسلمين”:
في هذا الكلام لخبطة واضحة؛ إذ من معانيه أن المغرب لم يتبع “الخلافة الراشدة” بتعبير بنكيران الواضح؛ فهل المغرب غير راشد؟ ثم قياسه حركة الإخوان المسلمين على الخلافة الراشدة أوضح من الوضوح في إيهام التنقيص من اختيار المغرب لمساره الديني بعيدا عن مسار الإخوان المسلمين؛ فهل في هذا بروز لمعتقد مسكوت عنه متجلٍّ في الإخلاص المطلق للإخوان المسلمين الراعية للحركات الإسلامية الانقلابية ومنها حركة الشبيبة الإسلامية السابقة التي تراجع عنها بنكيران ظاهريا ربما؟
وأتساءل هل بنكيران القائل ذات مرة: “هاداك الحفل ديال الولاء خصو يتراجع”؛ هل تراجع فعلاً وكليةً عن جميع أفكاره الثورية؟ أم أن منهج الإصلاح المستقى من المنهج اليساري بهدف تأسيس الأحزاب وولوج البرلمان، شتت من جهة المنهج الثوري الانقلابي، وخطط من جهة أخرى لقلب النظام من الداخل، أدى بكثير منهم لأن يحقق مصالح فقط، ثم يستدل لأتباعه على صنيعه/تراجعاته من منظومته الفكرية والعقدية متأولا؟
أقول هذا؛ نظرا لاختيار بنكيران عبارات موهمة، وطبيعة غنى لغتنا ودارجتنا فيها من العبارات الواضحة السليمة التي يفيد أسلوبها معنى قطعيا واحدا لا يحتمل غيره، والمُغرضُ يتعمد التحدث بكلام حمّال أوجه موهم فضفاض.
كنت نظمتُ قصيدة أوائل 2024 بعنوان: بغزةَ موعدٌ، هي ضمن ديواني الشعري الأخير “سينٌ وراءُ” المنشور من طرف كلية آداب ظهر المهراز فاس، بعدما اطلعتُ على أن مَلِكَنا أدخل المعونات على رغم الحصار المطبق من طرف دول الطوق/الجوار التي يجب عليها شرعا وبالأولوية نصرة فلسطين، فلِمَ لا نرى تركيز بنكيران على حصار/خناق دول الطوق.
“السياسة مزيانة السياسة ضرورية”:
صدقتَ في قولك هذا؛ لأقول وبكل صدق: إنه لمّا يجد أغلب الموظفين في شتى القطاعات والتخصصات أنهم يكملون الشهر بشق الأنفس، خصوصا في ظل التزامهم بالتكفل بمختلف أسرهم المعوزين، يعضّون الأنامل من غفلة صدق وطنيتهم لمّا لم يذهبوا لدكاكين السياسة يدغدغون العواطف وتديّن المغاربة بمراوغات كلامية وتأويلات موهمة للأغلبية ممن لا عمق ديني ولا سياسي لهم، فيرتقون الدرجات ويعتلون المكانات التي تُدِرّ عليهم من فائض الأموال والإتاوات؛ فعلا السياسة مزيانة وضرورية للاتجار السريع المربح.
وأخيرا وليس آخرا إن ما يراد تسويقه من أن ما أصابنا من تردي اجتماعي معيشي هو من صنع الحكومة الأخيرة فقط، إنما هو تضليل واضح: مَن مهّد ومكّن لها؟ أليست الحكومات التي قبلها؟ والآن وبصريح عبارة بنكيران: “ولكن ما تنواعدك بتّا شي حاجة”: هل ننتظر إجهازه على ما تبقى من دعم لفقراء البلد وضعفائه ومحتاجيه؛ خصوصا وأن تعليل بنكيران في هذا هو تقوية الدولة؛ أليس الشعب هو المكوّن العريض للدولة؟ أم هي حيلة دفينة لتأليب الشعب على الدولة؟ أي منطق هذا بالله عليكم…
-جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس
The post من الظلم الإيهام بالخلافة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.