من الشاشة إلى غرفة الحرب: الجدل حول بيت هيغسيث

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حين طرح في أروقة الكونغرس مشروع يطالب بعزل بيت هيغسيث، لم يكن الخبر مفاجئاً بقدر ما كان تتويجاً لمسار لم يعرف الهدوء منذ بدايته. السؤال الذي قفز فوراً لم يكن: هل يُعزل؟ بل: لماذا ظلّ منذ تعيينه شخصية تستدعي الجدل كما تستدعي النار هواءها؟

 

من شاشة "فوكس نيوز" إلى ممرات البنتاغون، بدا الانتقال حادّاً، لكنّه لم يكن بلا جذور. فالرجل الذي عُرف بخطابه الإعلامي الحادّ، حمل أيضاً سيرة عسكرية، خدم خلالها في أفغانستان والعراق. لكن الجمع بين التجربتين —الإعلامية والميدانية— لم يُنتج بالضرورة توازناً، بل خلق، في نظر كثيرين، مزيجاً متوتراً بين صوت إيديولوجي وقرار سيادي.

نموذج أكثر أحادية

اعتبار الوزير أن "ثقافة التنوع والشمول المفرط تهدد الانضباط"، عبارة بدت للبعض دفاعاً عن المهنية، لكنها في نظر منتقديه إشارةً إلى رغبة في إعادة تشكيل الجيش وفق نموذج أكثر أحادية. هنا، لا يُحسم الجدل بعبارة، بل يتكثف: أين ينتهي الدفاع عن الانضباط، وأين تبدأ إعادة هندسة الهوية؟

 

ثم جاءت الأفعال لتُثقل الكلمات. إقالات واسعة طالت أكثر من اثني عشر جنرالاً وأدميرالاً، بعضها في توقيتات حسّاسة، فتحت باب التساؤل حول ما إذا كانت إعادة الهيكلة استجابة لضرورات ميدانية، أم محاولة لإعادة تشكيل هرم القيادة على مقاس رؤية بعينها. ومع تسريبات تتحدّث عن أجواء غير مألوفة داخل البنتاغون —منها إخضاع بعض الضباط لاختبارات كشف الكذب— ارتسمت صورة مؤسسة لا تعاني خلافاً طبيعياً، بل احتكاكاً داخلياً يقترب من حدود الفوضى إن صحت تلك الروايات.

حدود السرية

وفي مستوى آخر أكثر حساسية، برزت قضية استخدام تطبيق "سيغنال". لم تكن المشكلة في استخدام الوزير للتطبيق بحد ذاته، بل في دائرة من شملتهم مشاركة معلومات مرتبطة بضربات ضد الحوثيين: زوجته، وشقيقه، ومحاميه، إضافة إلى صحفي قيل إنه أُدرج عن طريق الخطأ. هنا، لا يُطرح السؤال بوصفه خطأ تقنياً، بل باعتباره اختباراً لحدود السريّة والانضباط في لحظة حرب. وحين تُضاف إلى ذلك حادثة "الضربة المزدوجة" على قارب ناجين في البحر الكاريبي يتحول الجدل من تفاصيل منفصلة إلى نمط يضغط على فكرة المسؤولية نفسها.

 

في هذا السياق، لا يبدو مشروع العزل حدثاً منفصلاً، بل امتداداً طبيعياً لتراكم هذه المؤشرات، والتي تمتد إلى موضوع آخر، لكنه غير مسبوق داخل المؤسسة الفيديرالية، طقوس وصلوات في البنتاغون يجري استقبالها منذ أيار/ مايو الماضي بشكل شهري وبطابع ديني محدّد، ما يُظهر الوزارة برداء مسيحيّ إنجيلي قومي دون أيّ طائفة مسيحية أخرى، أو حتى ديانة أخرى! وحتى في المستوى الشخصي، تُقرأ اختيارات مثل وشم "كافر" بالعربية على جسد الوزير ضمن سياق أوسع من الرموز لا كذوق فرديّ، بل كإشارة محتملة إلى مسافة ثقافية ونفسية مع بيئات يُفترض التعامل معها بحساسية استراتيجية.
في التاريخ الأميركي، لم يكن وزراء الدفاع بعيدين عن دائرة النقد. ومن بينهم دونالد رامسفيلد، الذي شغل المنصب خلال إدارة جورج بوش الابن، وارتبط اسمه بحربي العراق وأفغانستان، وبملفات شائكة مثل التعذيب في سجن أبو غريب. ومع ذلك، ورغم ثقل تلك الاتهامات، ظل الجدل حول رامسفيلد في جوهره خارجياً مرتبطاً بنتائج الحروب واستراتيجياتها أكثر منه صراعاً مفتوحاً مع الداخل الأميركي.

 

هنا تحديداً يبرز الفارق الذي يجعل حالة هيغسيث موضع نقاش أعمق. فالمسألة لم تعد تتعلّق بقرار خاطئ أو حتى بحرب مثيرة للجدل، بل بنمط مركب: توتر مع المؤسسة، احتكاك مع الكونغرس، إشارات رمزية مثقلة بالدلالة، وسلوكيات تطرح أسئلة حول حدود الفصل بين الخاص والعام؛ كأن الوزير لا يُحاكم على نتائج سياساته فحسب، بل على الطريقة التي يُعيد بها تعريف موقعه داخل شبكة السلطة.

 

وفي قلب هذا كلّه، يقف سؤال. ماذا يعني أن تبدو القوة الأميركية، بكل ثقلها، كأنها تُدار في ظلّ هذا القدر من التوتر الداخلي؟ وكيف تنعكس صورة وزير في مواجهة مع جيشه ومع الكونغرس على صورة الدولة التي يفترض أنه يجسّد صلابتها؟

 

قد تنتهي هذه اللحظة السياسية بخروج الرجل من البنتاغون، كما خرج غيره من قبل. لكن الأثر —وفق ما تقول التجارب— لا يغادر بسهولة، إذ تبقى الأسئلة معلّقة في فضاء النقاش الأميركي: أين تقف حدود القوة حين تتقاطع مع الإيديولوجيا؟ ومتى يتحوّل الحزم إلى إعادة تشكيل قسرية؟ ومتى يصبح الاختلاف داخل المؤسسة علامة حيوية… أو نذير اختلال؟

 

في تلك المنطقة الرمادية، حيث لا يكون الخطأ حدثاً منفرداً بل مساراً متراكباً، لا يُحاكم بيت هيغسيث فقط على ما فعل، بل على ما كشفه: عن حدود القوة… وحدود النظام… وحدود الإنسان حين يقترب أكثر مما ينبغي من حافة القرار.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية