من "الزنجي" إلى "قلب الحوت"

بعد هذا العمر، كان خوفي من أن تأخذني المنية قبل أن ترى الروايةُ النورَ أحدَ الدوافع الذاتية التي حملتني على التعجيل بنشر جزئها الأول. فقد كنتُ أشعر أن هذا العمل، الذي اشتغلتُ عليه منذ سنة 2019، وكان من المنتظر أن يصدر باللغة الإنجليزية بالشراكة مع الصديقة الأسترالية Clare Rolfe، ليس مجرد رواية، بل هو خلاصةُ حياةٍ وتجربةٍ وذاكرةٍ تختزن شيئًا من «بَالْعَرَبِي» الإنسان، الذي سُمِّي تيمّنًا بجدِّ أبيه. لذلك لم أشأ لهذا العمل أن يظلَّ رهينَ الانتظار أو أسيرَ الأدراج.

لقد رغبتُ في أن أترك شيئًا من « بَالْعَرَبِي»، وصوته وأثره، قبل أن تحلَّ لحظةُ النهاية؛ لأن الرواية، بالنسبة إليّ، ليست مجرد كتابة، بل هي محاولةٌ لمقاومة الغياب، وإبقاءُ شيءٍ مني حيًّا في ذاكرة الأبناء والأحفاد، وربما أيضًا في ذاكرة بعض القرّاء.

– من «الزنجي» إلى «قلب الحوت»: سردية الجرح والمصالحة

إن اختيار عنوان «الزنجي» للجزء الأول، بدل «قلب الحوت» الذي اختارته الروائية الأسترالية كلير رولف، لم يكن اختيارًا اعتباطيًا، ولا قائمًا على الرغبة في الإثارة أو استثمار الصدمة، بل جاء كاختيارًا دلاليًا عميقًا يرتبط بالبنية النفسية والإنسانية للرواية، وبطبيعة التجربة التي تسعى إلى تشريح الألم من “التنمر” والكشف عن طبقاته الخفية.

فكلمة «الزنجي»، بما تحمله من حمولة قدحية وتاريخ طويل من العنف الرمزي، لا تحضر هنا باعتبارها توصيفًا عرقيًا فحسب، بل باعتبارها جرحًا لغويًا ونفسيًا. إنها الكلمة التي تُلقى على الطفل المختلف فتزرع في داخله شعورًا مبكرًا بالعزلة والنبذ والاختلاف القاسي عن “الجماعة”.

إن الرواية هنا لا يحتفي عنوانها بالإهانة، بل يفضحها؛ ولا يكرّس العنصرية، بل يعري آلياتها النفسية والاجتماعية. إنه استدعاء لذاكرة الألم “من التنمر الذي كان مقبولا بل قاعدة في مجتمع الماضي”، ولتلك اللحظات التي تتحول فيها اللغة من وسيلة للتواصل إلى أداة قمع تترك ندوبها العميقة في الروح.

لقد كان الطفل، في ستينيات القرن الماضي، ضحية نظرة الآخر، لا بسبب خطأ اقترفه، بل لأنه بدا مختلفًا. وهكذا تتحول لفظة «الزنجي» من مجرد دلالة لونية إلى رمز إنساني شامل لكل أشكال الإقصاء والتهميش: إقصاء اللون، والمرض “النفسي “والفقر، والهامش الاجتماعي، والانتماء، وحتى الاختلاف النفسي والروحي. فالرواية، بهذا المعنى، لا تتحدث عن فرد بعينه، بل عن كل إنسان حمل يومًا وصمة فرضها عليه القدر أو المجتمع.

أما عنوان «قلب الحوت»، لقد أُجّل إلى الجزأين الثاني والثالث، لانه يحمل دلالة مغايرة تمامًا. فإذا كان «الزنجي» يمثل مرحلة الجرح والانكسار والصدام مع المجتمع، فإن «قلب الحوت» يمثل مرحلة الاتساع الداخلي والمصالحة مع الذات وفهم الحياة من منظور أكثر رحابة ورحمة. فالحوت، في المخيال الرمزي، ليس مجرد كائن بحري ضخم، بل فضاء للاحتواء والعزلة والتأمل وإعادة الميلاد. إن الدخول إلى قلب الحوت يشبه الدخول إلى أعماق الذات، حيث يتحول الألم إلى معرفة، والنبذ إلى حكمة، والانكسار إلى قوة روحية. (يونس والحوت) هو الرمز في الرواية.

وهكذا يبدو العنوانان وكأنهما يشكلان معًا مسارًا إنسانيًا متكاملًا: من جرح الهوية إلى اتساع الروح، ومن قسوة العالم إلى التصالح مع الذات، ومن الصراخ الخارجي إلى الإصغاء الداخلي.

إن رواية «الزنجي الذي هو العنوان الرئيس للرواية» في مجملها ليست كتابة قائمة على الإثارة أو توظيف الصدمة من أجل لفت الانتباه، بل هي كتابة تأملية تسعى إلى دفع القارئ نحو التفكير في معاناة الآخر، وفهم الإنسان حين يُحاصر بالصور النمطية والأحكام الجاهزة، وحين يتحول اختلافه إلى ذريعة للعزل أو السخرية أو الإلغاء. ولذلك تضع الرواية القارئ أمام سؤال أخلاقي وإنساني عميق: كيف ننظر إلى من يختلف عنا؟ وكيف يمكن للكلمات أن تبني الإنسان أو تهدمه؟

كما أن الرواية لا تقدم الألم بوصفه شكوى، بل باعتباره تجربة إنسانية مشتركة. فكل مجتمع يصنع «زنجيَّه» الخاص؛ أي ذلك الفرد الذي يلقى به إلى الهامش لأنه لا يشبه الآخرين تمامًا. وهنا تكمن قوة العنوان، إذ يتحول من كلمة جارحة إلى مرآة اجتماعية تكشف هشاشة الوعي الجمعي وعنفه.

ومن الناحية الفنية، يخلق هذا العنوان منذ البداية حالة من التوتر التأويلي؛ فالقارئ يصطدم بالكلمة أولًا، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى إعادة التفكير في معناها ودلالاتها، وفي علاقته الشخصية باللغة والأحكام المسبقة. ومن هنا يكتسب النص بعده (الجمالي والفلسفي)، لأنه لا يقدم المعنى جاهزًا، بل يدفع المتلقي إلى المشاركة في بنائه واكتشافه.

إن «الزنجي» هو، إذن، عنوان الجرح الأول والهوية المطاردة، بينما «قلب الحوت» هو عنوان النضج الروحي والعودة إلى الذات بعد رحلة طويلة من المعاناة والتأمل. وبين العنوانين تمتد رواية كاملة عن الإنسان: عن هشاشته وقوته، عن سقوطه ومحاولته الدائمة للنهوض، وعن حاجته العميقة إلى أن يُرى بوصفه كائنًا إنسانيًا لا مجرد صورة أو لون أو اختلاف.

– لماذا اختيار السرد بتقنية الاسترجاع الزمني؟

أما اختيار السرد بتقنية «الفلاش باك»، أو ما يُعرف في النقد السردي بالاسترجاع الزمني، فلم يكن بدوره اختيارًا شكليًا أو مجرد حيلة فنية لإثارة القارئ، بل جاء نتيجة وعي بطبيعة التجربة المعاشة ذاتها. فالإنسان لا يعيش الزمن في خط مستقيم، بل يعيش حاضره محمولًا على ذاكرة مثقلة بالندوب والصور والانكسارات والأحلام. ولذلك يعجز السرد الخطي التقليدي أحيانًا عن التعبير الحقيقي عن تعقيد الذات، بينما يتيح الفلاش باك إعادة بناء التجربة كما تُعاش نفسيًا ووجدانيًا.

لقد كان هذا الشكل السردي ضروريًا لأن “الذاكرة” في النص ليست عنصرًا ثانويًا، بل هي البطل الخفي الذي يتحكم في مصير الشخصيات وفي رؤيتها للعالم. فكل إنسان يحمل داخله طفولته وجراحه ومخاوفه القديمة، حتى وإن بدا في الحاضر متماسكًا أو صامتًا. ومن هنا تصبح العودة إلى الماضي ضرورة فنية ومعرفية لفهم الحاضر، لا مجرد توقف عابر في مسار الحكاية.

إن تقنية الفلاش باك (كما اعتقد) تمنح النص بعدًا نفسيًا عميقًا، لأنها تكشف الطبقات الخفية للشخصية. فالشخصية لا تُعرَّف بما تفعله الآن فحسب، وإنما أيضًا بما عانته في السابق. والحاضر، في كثير من الأحيان، ليس سوى نتيجة مباشرة لماضٍ قد يكون احيانا لم يلتئم بعد. لذلك فإن العودة إلى الطفولة، أو إلى لحظة الإهانة الأولى، أو إلى الفقد والحب القديم، ليست رجوعًا إلى الوراء بقدر ما هي كشف لجذور المعاناة الإنسانية.

وفي رواية «الزنجي»، يتحول الفلاش باك إلى أداة لكشف القسوة الرمزية التي تعرض لها الطفل منذ بدايات وعيه. فالكلمة الجارحة، أو النظرة العنصرية، أو الشعور بالاختلاف، لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تتحول إلى ندبة داخلية تستمر في تشكيل الذات عبر الزمن. ومن هنا فإن استحضار تلك اللحظات لا يهدف إلى البكاء على الماضي، بل إلى فهم الكيفية التي تتحول بها اللغة أحيانًا إلى أداة عنف نفسي واجتماعي.

ومن الناحية الجمالية، يمنح الفلاش باك النص كثافة شعورية ويكسر الرتابة الزمنية، لأن الحياة ليست جدولًا كرونولوجيًا صارمًا، بل هي تدفق متشابك من الذكريات والانفعالات. ولذلك فإن التنقل بين الأزمنة يخلق إيقاعًا أكثر حيوية، ويمنح القارئ فرصة لاكتشاف الشخصية تدريجيًا بدل تقديمها بصورة مباشرة ونهائية. فالقارئ هنا لا يتلقى الحكاية فحسب، بل يشارك في إعادة تركيبها وفهم خيوطها النفسية.

كما تسمح هذه التقنية بإنتاج توتر درامي عميق؛ فعندما يعرف القارئ أثر الجرح قبل أن يعرف سببه، يصبح أكثر انخراطًا في البحث عن أصل المأساة. وهكذا يتحول السرد إلى عملية كشف وتأويل، لا إلى مجرد نقل للأحداث. وهذا ما يمنح الرواية عمقها وتأثيرها (كما اعتقد)، لأن المعنى لا يُقدَّم دفعة واحدة، بل يتشكل عبر التدرج والانكشاف.

ومن زاوية فلسفية، يعكس الفلاش باك هشاشة الزمن الإنساني ذاته. فالماضي لا يموت فعلًا، بل يظل حيًا داخل الوعي. الإنسان يحمل أمسه أينما ذهب، وقد يهرب من الأماكن، لكنه لا يستطيع الهروب من ذاكرته. لذلك فإن العودة إلى الوراء داخل النص ليست مجرد حركة زمنية، بل هي أيضًا عودة إلى الذات ومحاولة لفهم الهوية والوجود والمعنى.

حاولت في هذه الرواية ان لا تكون مجرد حكاية أحداث، بل الحفر في طبقات الإنسان الداخلية. ولهذا كان الفلاش باك ضرورة فنية لا يمكن الاستغناء عنها، لأنه يتيح للنص أن يتجاوز السطح الخارجي للأحداث نحو العمق النفسي والأنثروبولوجي للشخصيات.

إن اختيار الفلاش باك هو، في جوهره، اختيار للصدق الإنساني؛ لأن الإنسان الحقيقي لا يتكلم من الحاضر وحده، بل من مجموع الأزمنة التي سكنت روحه. ولذلك كان هذا الشكل السردي الأقرب إلى التعبير عن التجربة وعن الشخصيات التي تبحث عن ذاتها وسط ركام الذاكرة، وتحاول أن تحول الألم إلى معنى، والمعاناة إلى كتابة.

هل هذه الكتابة كانت موفقة ولو نسبيا؟

اترك الإجابة الى النقاد والقراء.

The post من "الزنجي" إلى "قلب الحوت" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress