من الجنوب إلى طهران: لبنان في زمن اللا حرب واللا اتفاق

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*حسن درغام

 

لم يعد السؤال في لبنان اليوم مرتبطاً فقط بوقف إطلاق النار في الجنوب، ولا بمصير المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، بل بشيء أعمق بكثير: كيف يمكن لجماعة دفعت أثماناً هائلة خلال العقود الماضية أن تعيد تعريف علاقتها بالدولة والحرب والهوية، في لحظة إقليمية ودولية تبدو فيها كل المشاريع الكبرى عالقة بين العجز عن الحسم والخوف من الانهيار؟

فالمشهد اللبناني لم يعد منفصلاً عن التحولات التي تمتد من الجنوب اللبناني إلى طهران، حيث يتداخل مأزق الهوية مع مأزق الدولة، وتتحول المنطقة كلها إلى مساحة مفتوحة على الحروب والقلق والتفاوض والاستنزاف.

فالتحولات التي أصابت البيئة الشيعية لا يمكن اختزالها فقط بالخسائر المادية أو البشرية، التي لم يشهد الجنوب اللبناني مثيل لها في تاريخه، بل تتعلق أيضاً باهتزاز صورة المشروع القادر على الردع والحماية وإعادة الإعمار. فالحرب الأخيرة أظهرت اختلالاً هائلاً في موازين القوى العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية، وفتحت داخل هذه البيئة نقاشاً صامتاً حول حدود القوة، وحدود القدرة على الاستمرار في تحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية والاجتماعية لحروب طويلة بلا أفق واضح.

هذا النقاش لا يعني بالضرورة انهيار الالتفاف الشعبي حول “المقاومة”، كما يراهن البعض، فالسلاح داخل جزء من البيئة الشيعية لم يعد مجرد أداة عسكرية، بل تحوّل عبر عقود من الحروب والخوف والحرمان إلى جزء من تعريف الجماعة لنفسها، حتى يكاد الانفصال عنه يبدو كفقدان جزء من الذات.

وربما لهذا بدت ملاحظة Baruch Spinoza شديدة القسوة والدقة في آن: فالخوف، في نظره، ليس مجرد شعور عابر، بل قوة قادرة على تشكيل السلوك الجماعي ودفع البشر إلى التمسك بما يعتقدون أنه يحمي وجودهم، حتى حين يتحول هذا التمسك نفسه إلى مصدر جديد للخوف. ومن هنا يصبح السلاح، أو التنظيم العقائدي، جزءاً من البنية النفسية للأمان الجماعي، لا مجرد أداة قابلة للتفاوض بسهولة.

وهذا ما يفسّر لماذا يبدو الانتقال من منطق “الحماية المسلحة” إلى منطق الدولة شديد التعقيد. فالتخلي عن السلاح، في الوعي العميق لبعض الجماعات، لا يُقرأ فقط كقرار سياسي أو أمني، بل كخسارة لوسيلة الدفاع عن الذات الجماعية، وربما كتهديد للهوية نفسها. فكما كتب Amine Maalouf يوماً، تتحول الهويات أحياناً إلى هويات قاتلة حين يشعر أصحابها أن وجودهم نفسه مهدد، لا مجرد مصالحهم السياسية.

وربما لهذا السبب تبدو تجربة إيرلندا الشمالية جديرة بالتأمل. فبعد عقود طويلة من العنف الطائفي، أدركت الأطراف المتصارعة تدريجياً أن أي جماعة لن تستطيع إلغاء الأخرى، وأن استمرار الحرب المفتوحة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والاستنزاف. ومن هنا جاء اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 بوصفه محاولة لنقل الصراع من السلاح إلى السياسة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة داخل دولة ومؤسسات قادرة على حماية الجميع.

وفي لبنان أيضاً، يبدو البلد اليوم أمام مفترق مشابه، وهو الواقع على خطوط الزلزال الإقليمي وتردداته، ولو بظروف مختلفة. فبينما تحاول الدولة اللبنانية، بدعم عربي ودولي، فتح مسارات تفاوض مباشرة لوقف المأساة المفتوحة في الجنوب وإعادة تثبيت الاستقرار، لا تزال “المقاومة” تنظر بريبة إلى أي مسار تفاوضي تعتبره تهديداً لدورها أو لسلاحها أو لمعادلة القوة التي بنتها طوال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات الأميركية الإيرانية الجارية شديدة الدلالة. فواشنطن التي أرادت فرض اتفاق جديد بالقوة، اكتشفت تدريجياً أن القوة وحدها لا تكفي لإنتاج استسلام كامل، فيما تدرك طهران أن قدرتها على التعطيل لا تعني قدرتها على الانتصار. لذلك دخل الطرفان عملياً في مرحلة رمادية مفتوحة، حيث تستمر الضغوط والعقوبات والرسائل العسكرية المتبادلة، من دون الذهاب إلى حرب شاملة أو إلى تسوية نهائية.

وقد لخصت مقالات عدة في الصحافة الأميركية هذا المأزق بوصفه حالة “جمود استراتيجي” يعيشها الجميع. فلا الولايات المتحدة قادرة على حسم المواجهة مع إيران من دون أثمان كارثية على الاقتصاد العالمي والطاقة والمنطقة، ولا إيران قادرة على فرض معادلة انتصار واضحة في ظل الاختلال الهائل في موازين القوى. وقد كتب Lavrence Norman اليوم في The Wall Street Journal:
“Iran and U.S. are locked in a stalemate that’s neither peace nor war”، في محاولة لتوصيف هذه المرحلة بوصفها حالة استنزاف متبادل، حيث “لا حرب ولا اتفاق”، ولا يملك فيها أي طرف القدرة على الحسم الكامل.

العالم نفسه يبدو اليوم عالقاً داخل ما سمّته “The Economist” بـ”قمة الشك المتبادل”. فالقوى الكبرى لم تعد تقود النظام الدولي بقدر ما تديره عبر الخوف المتبادل والعقوبات والاستنزاف ومنع الانهيار الكامل. من واشنطن وبكين إلى طهران وتل أبيب، لا أحد يملك مشروعاً قادراً على الحسم، ولا أحد مستعد للتراجع الكامل.

وربما هنا تكمن خطورة ما يعيشه لبنان اليوم. فالبلد الصغير والمنهك اقتصادياً واجتماعياً، يجد نفسه داخل نظام إقليمي ودولي مأزوم، فيما جنوبه يتعرض لتدمير واسع وعمليات تجريف وتفجير ممنهجة طالت عشرات القرى والبلدات الحدودية. وفي بعض المناطق، لم تعد المأساة فقط في انهيار البيوت، بل في ضياع ذاكرة الأمكنة نفسها. فبعض المنازل التاريخية التي أمضى أصحابها عقوداً في ترميمها وجمع تفاصيلها ومحتوياتها، انتهت خلال ثوانٍ تحت القصف والتفجير، وكأن جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للجنوب يُمحى تدريجياً من المكان. في ظل استمرار القلق من تحوّل “الخط الأصفر” إلى واقع دائم يبدد ذاكرة المكان ويصعّب إعادة الحياة الطبيعية حتى بعد أي انسحاب أو تسوية مستقبلية.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان ليس فقط الحرب، بل العجز عن إنتاج فكرة مشتركة للدولة. فكلما طال أمد الانقسامات حول معنى السلاح والهوية والعلاقة مع الخارج، ازداد خطر تحوّل الجماعات إلى جزر نفسية وسياسية منفصلة داخل كيان واحد.

لكن ما تكشفه الحرب الأخيرة أن جزءاً متزايداً من اللبنانيين، وبينهم قسم من البيئة الشيعية نفسها، بات يرى أن إنقاذ الجنوب والطائفة ولبنان ككل قد لا يمرّ هذه المرة عبر توسيع الحرب، بل عبر إعادة الاعتبار لفكرة الدولة القادرة والعادلة، الدولة التي لا يشعر مواطنوها أنهم مضطرون للبحث عن حمايتهم خارجها.

ربما لم تعد المأساة اللبنانية اليوم في تعدد الطوائف، بل في عجز اللبنانيين عن بناء دولة يشعر الجميع أنها أقوى من مخاوفهم. فكل جماعة تخشى أن يبتلعها الآخر، تبحث عن خلاصها داخل طائفتها أو سلاحها أو الخارج. لكن الأوطان لا تُبنى بالخوف المتبادل، بل بثقة بطيئة وشاقة في دولة واحدة تحمي الجميع بالتساوي.

وربما يكون هذا، بعد قرنٍ كامل على ولادة لبنان، أصعب امتحان يواجهه اللبنانيون…

 

*مهندس معماري وكاتب سياسي

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية