من الانقسام إلى التّماسك: الحوار كمدخل لإعادة بناء لبنان
د. لانا موسى
التّعدد الثّقافي والدّيني في لبنان سمة أساسية في بنيته الاجتماعية، لكنه يشكّل في الوقت نفسه تحدياً أمام الاستقرار والتّماسك الاجتماعي. ومن هنا يبرز الحوار كآلية أساسية لإدارة هذا التّعدد وتحويله من مصدر انقسام إلى عنصر استقرار.
فالحوار لا يُختزل بمجرد تواصل بين الأطراف، بل هو ممارسة اجتماعية تقوم على الاعتراف بالآخر وبناء الثقة وتنظيم الاختلاف داخل المجتمع. ومن هذا المنظور، فإن أزمة المجتمعات المتعدّدة لا تكمن في وجود التّنوع بحدّ ذاته، بل في ضعف الأطر والمؤسسات القادرة على تنظيمه بشكل عادل.
يشهد لبنان اليوم أزمات حادّة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل توترات سياسية وأمنية مستمرة وتداعيات إقليمية تزيد من حالة عدم الاستقرار. وقد انعكس ذلك سلباً على مستوى الثّقة بين المواطنين والمؤسسات، وأضعف التّماسك الاجتماعي، ما يجعل الحاجة إلى الحوار أكثر إلحاحاً، ليس كخطاب نظري، بل كضرورة لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة.
كما يتميّز المجتمع اللبناني بامتلاكه طاقات بشرية مبدعة وقدرة عالية على التكيّف والنّجاح في مختلف المجالات، إلّا أنّ جزءاً كبيراً من هذه الكفاءات يهاجر إلى الخارج ضمن ما يعرف سوسيولوجياً بهجرة الأدمغة، حيث يحقق العديد منهم إبداعاتٍ ونجاحات لافتة في بيئات أكثر استقراراً. ويعكس ذلك تأثير الظروف الداخلية على استثمار هذه الطّاقات، ويؤكد أهمية توفير بيئة مستقرّة قادرة على احتضانها وتوظيفها في خدمة التّنمية.
ويشكّل التّعليم أحد الرّكائز الأساسية في بناء رأس المال البشري، وتعزيز التّماسك الاجتماعي، إذ يُساهم في ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، وتنمية قيم المواطنة والعيش المشترك، ما يجعل المدرسة فضاءً مبكراً لإنتاج التّنمية الاجتماعية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، يمكن الاستفادة من تجربتي سويسرا وكندا كنموذجين ناجحين في إدارة التّنوع، إذ تعتمد سويسرا النّظام الفيدرالي والدّيموقراطية التّوافقية، فيما ترتكز كندا على التّعدّدية الثّقافية ضمن إطار المواطنة الجامعة، وقد ساهم ذلك في إدارة الاختلاف وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وفي المقابل، يبقى التّحدي في لبنان مرتبطاً بضعف الثّقة بين المكوّنات وغياب آليات فعّالة لإدارة التّنوع، وليس بوجود التّنوع نفسه.
يبقى أن خلاص لبنان رهن إرادة أبنائه في جعل الحوار خياراً وطنياً جامعاً يُعيد بناء الثّقة والتّماسك، ويُساهم في بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة وأملاً...