من الإهانة إلى الجريمة .. كيف تتحول خلافات مدرسية إلى "مأساة قاتلة"؟
في أعقاب الجريمة التي راح ضحيتها تلميذ بإعدادية عبد المالك السعدي بمديرية الجديدة، قبل أيام على يد زميل له باستعمال سلاح أبيض، عاد النقاش ليتجدد داخل الأوساط التربوية والنفسية والاجتماعية حول تنامي ظاهرة العنف المدرسي، التي لم تعد تقتصر في بعض الحالات على الاعتداءات اللفظية أو المشادات الجسدية، بل باتت تتخذ أشكالًا أكثر خطورة تصل إلى حد القتل باستخدام أدوات حادة، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول التحولات التي يعرفها سلوك بعض التلاميذ داخل الفضاء المدرسي.
في هذا السياق يتداول مختصون تربويون واجتماعيون ونفسيون مجموعة من الفرضيات المرتبطة بالعوامل التي قد تدفع تلميذًا إلى فقدان السيطرة على انفعالاته والإقدام على التعنيف، بل وحتى إزهاق روح زميله لأسباب قد تبدو بسيطة، الأمر الذي يستدعي تناول الظاهرة من زاوية نفسية إكلينيكية ترصد الاختلالات الفردية، ومن منظور النوروتربية الذي يفسر تفاعل الدماغ مع المحيط، إلى جانب التفكير في بلورة مقترحات وقائية للحد من تفشي العنف المدرسي بين التلاميذ.
عوامل متعددة
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “الحادثة المؤلمة المتمثلة في جريمة قتل داخل محيط مدرسي تدفعنا إلى قراءة الظاهرة بعيدًا عن الاختزال الذي يربطها فقط بالسلوك العدواني، والنظر إليها كنتاج تفاعل عوامل نفسية وتربوية واجتماعية متعددة”.
وأشارت الفضل، في تصريح لهسبريس، إلى أن “العنف الذي قد يصل بين التلاميذ إلى مستوى القتل لا يولد فجأة، بل غالبًا ما يسبقه تراكم من التوترات والانفعالات غير المضبوطة، وصعوبات في إدارة الغضب، وهشاشة في بناء الهوية النفسية لدى بعض المراهقين، حيث قد يتحول خلاف بسيط أو إحساس بالإهانة أو استفزاز لحظي إلى رد فعل اندفاعي خطير، خاصة في غياب النضج الانفعالي والقدرة على احتواء الإحباط”.
وأضافت المتحدثة أن “العنف لدى المراهق يصبح، في بعض الحالات، وسيلة دفاع نفسي لإثبات القوة أو حماية صورة الذات أمام جماعة الأقران، خصوصًا حين ترتبط الرجولة في بعض التمثلات بالهيمنة والرد العنيف”، وزادت: “كما قد تغذي تجارب سابقة من العنف الأسري، أو التنمر، أو الإهمال العاطفي، قابلية بعض التلاميذ لتبني السلوك العدواني كوسيلة للتفريغ أو المواجهة”، لافتة إلى أنه “لا يمكن إغفال أثر التطبيع المجتمعي مع العنف، سواء من خلال بعض النماذج المحيطة أو المضامين الرقمية، ما قد يضعف الحس بخطورة الفعل العدواني ويجعل اللجوء إلى السلاح أو الاعتداء خيارًا متاحًا في لحظة انفعال”.
اضطرابات نفسية
أكدت الأخصائية ذاتها أن “بعض الاضطرابات النفسية أو الاضطرابات السلوكية قد تشكل في بعض الحالات عامل خطر إضافيًا، خاصة عندما تكون غير مشخصة أو غير مرافقة علاجيًا، مثل اضطراب السلوك، واضطرابات التحكم في الاندفاع، وبعض الاضطرابات المرتبطة بصعوبات تنظيم الانفعال”.
وأردفت الفضل في السياق ذاته بأن “بعض الحالات قد تظهر لديها سمات شخصية مرضية أو بدايات تنظيمات شخصية مضطربة قد ترتبط بصعوبات في التعاطف، أو اندفاعية مرتفعة، أو حساسية مفرطة للإهانة، أو نزعات عدوانية، كما قد تُلاحظ بعض السمات الحدّية أو المعادية للمجتمع أو البارانوية في بعض الحالات، مع التحفظ العلمي الضروري لأن الحديث في سن المراهقة يتعلق غالبًا بسمات أو مؤشرات أولية أكثر من تشخيصات شخصية ثابتة”.
وفي حالات نادرة، تقول المعالجة النفسية الإكلينيكية، “قد تسهم اضطرابات ذهانية أو أفكار اضطهادية أو تعاطي مواد في رفع خطورة السلوك العدواني، مع التأكيد أن وجود اضطراب نفسي أو سمات شخصية مضطربة لا يعني بالضرورة الميل إلى العنف، وأن ربط المرض النفسي بالعنف بشكل مباشر تبسيط غير علمي، بل الحديث هنا عن عوامل خطر محتملة ضمن شبكة معقدة من الأسباب”.
وشددت الأخصائية النفسية نفسها على أن “معالجة العنف المدرسي لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الزجرية، بل تستدعي مقاربة وقائية شاملة، تبدأ من تعزيز التربية الانفعالية داخل المدرسة، وتعليم التلاميذ مهارات إدارة الغضب وحل النزاعات، مرورًا بإحداث فضاءات للإنصات والمواكبة النفسية، وتفعيل الوساطة المدرسية، ورصد مؤشرات الخطر والتدخل المبكر مع الحالات الهشة، وصولًا إلى إشراك الأسرة كشريك أساسي في الوقاية”.
وختمت ندى الفضل توضيحاتها بالإشارة إلى أن “المدرسة ليست فقط فضاءً للتعلم، بل أيضًا فضاء لحماية الصحة النفسية وبناء العلاقات الآمنة”، مشددة على أن “الحد من العنف المدرسي يمر عبر فهم جذوره النفسية والاجتماعية، ورصد الهشاشات والاضطرابات المحتملة، والعمل على الوقاية قبل أن يتحول خلاف عابر إلى مأساة”.
دماغ المراهق
من جانبه قال سامي دقاقي، أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الدار البيضاء: “علينا أولاً أن نعرف أمرًا مهمًا في واقعة القتل بعد شجار بين تلميذين بالجديدة، علما أن هناك وقائع كثيرة حدثت وستحدث ببلادنا كما هو الشأن في كل بلدان العالم. يتعلق الأمر بكون الضحية والجاني مراهقين، والمراهقة ليست مرحلة عادية من النضج والنمو البيولوجي والسيكو-اجتماعي، بل هي مرحلة من التمرد والجموح والعواصف الانفعالية التي ينبغي التعامل معها بأناة، وبقدر كبير من التفهم والحكمة، والمعرفة العلمية بالأساس”.
وأضاف دقاقي، بصفته باحثًا في علم النفس والنورتربية، أنه من الضرورة فهم كيف يشتغل دماغ المراهق في هذه الفترة وماذا يحدث فيه، موضحًا أن “القشرة الجبهية عمومًا Lobe Frontal، والقشرة الجبهية الحجاجية تحديدًا Cortex Orbitofrontal بوصفها مركزًا للتحكم التثبيطي في الاندفاعات، وأيضًا التخطيط للعواقب والحس الأخلاقي، غير ناضجة تمامًا لدى المراهق، ولا تصير كذلك إلا في حدود سن 25”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “ما يحرك المراهق في الفترة بين 11 سنة حتى 18 سنة هو النظام اللمبي، واللوزة الدماغية Amygdale تحديدًا، التي تكون في أوج نشاطها من حيث معالجة الانفعالات الجامعة من قبيل الغضب والخوف والقلق والتوتر، حتى إنه يصبح (كما نقول في العلوم العصبية) مختطفًا من قبل هذه اللوزة Détournement Amygdalien التي تقطع أي اتصال للدماغ بمنطقة الفص الجبهي الأمامي المسؤول عن التفكير العقلاني وكبح الاندفاعات وغيرها”.
وواصل المختص ذاته: “إننا هنا أمام خلل دماغي وظيفي مؤقت في دماغ المراهق كما توضح ذلك اليوم علوم الأعصاب الوجدانية الاجتماعية، الأمر الذي تنتج عنه سلوكات وردود فعل لحظية اندفاعية غير متناسبة عقلانيًا مع الموقف، بمعنى أن مجرد احتكاك أثناء صعود الأدراج قد تنجم عنه جريمة قتل مثلاً، ولا سيما إذا ترافق ذلك مع شعور بالإهانة التي لا يتقبلها مراهق هو في طور تأكيد مفهوم الذات والاعتداد بها، وعدم تسامحه مع أي جرح أو تهديد لأناه Ego Menacé”.
ونبّه الباحث في علم النفس والنورتربية، في تصريح لهسبريس، إلى أن “دماغ المراهق غير الناضج هنا لا يستطيع بناء أي منطق أخلاقي أو موقف تجنّبي هروبي، بل العكس ما يحدث تمامًا، إذ إن سلوك اللوزة يدفع للقتال وليس الهروب، وهذا ما وقع بالفعل في جريمة الجديدة”.
حلول مقترحة
أكد سامي دقاقي أن “ثمة تفسيرا سيكولوجيا آخر لاختيار السلوك العنفي من قبل المراهق، يجد تبريره في التربية العدائية التي يخضع لها الأطفال في صغرهم، والمتسمة بالإساءة والإذلال والحرمان العاطفي، بل وحتى العنف الأسري المتفاقم”، مردفا: “هذه التربية تؤثر على نمو أدمغتهم (خصوصًا منطقة القشرة الجبهية الحجاجية) وتفقدهم الحس الأخلاقي والتعاطف والشعور الاجتماعي المشترك، وهي كوابح أساسية لأي سلوك اندفاعي متهور، ومضاد اجتماعيًا”، وموردًا أن “المراهق المتمدرس قد ينفجر في أقرب فضاء ينتمي إليه (المؤسسة التعليمية)، مفعّلاً رواسبه اللاواعية التي نحتت مساراتها العصبية في دماغه، ويتحول من ضحية للأسرة والمجتمع إلى جانٍ قاتل أو مخرّب أو غير ذلك”.
وشدد المتحدث على أن “هذه السلوكات في مجملها تؤثر على المناخ والبيئة التربويين اللذين بدل أن يكونا آمنين وداعمين يصبحان مهددين ومخيفين، ومنتجين للمشاعر السلبية، علاوة على غياب أطر وبرامج التربية الوجدانية والتدخل المتخصص (الإنصات والوساطة النفسيان)، بما يمكن من القراءة المبكرة للإشارات التحذيرية اللفظية وغير اللفظية المحيلة على السلوك العنفي، مقابل التركيز على ثقافة النتائج والضبط المؤسسي، وقمع أي محاولة للحوار والتعبير عن المشاعر من قبل المتعلمين المراهقين”.
ومن أجل تدخل فعّال للحد من الظواهر العنيفة داخل المؤسسات التعليمية أكد أستاذ علم النفس على ضرورة “الانطلاق من ثلاث مقاربات تكاملية: أولها مقاربة تشاركية تدمج الأسر في برامج الوقاية من نواتج العنف، وتعرف بفواعله ومسبباته عبر جلسات توعية وتثقيف علمي مبسط بمراحل نمو الدماغ، وإمداد هذه الأسر بإستراتيجيات وتقنيات التدخل والحوار والإنصات لأبنائهم”.
أما المقاربة الثانية، حسب سامي دقاقي، فهي “مقاربة منهاجية تروم إرساء برامج وروزنامات زمنية أسبوعية لما أسميها ‘التربية الوجدانية’ و’التربية الحافزية’، وذلك منذ مرحلة التعليم الابتدائي، يتعلم فيها التلاميذ التعرف على مشاعرهم وانفعالاتهم، وما يرافقها من استجابات فيزيولوجية وسلوكية ومعرفية”.
وختم دقاقي توضيحاته بالإشارة إلى “المقاربة التدخلية عبر تفعيل حقيقي لأدوار خلايا الإنصات داخل المؤسسات التعليمية، وأيضًا توفير الموارد البشرية من الأطر التربوية المختصة، وتمكينهم من ظروف وشروط الاشتغال الصحي في أفق تحقيق نتائج إيجابية وفعالة في هذا الاتجاه؛ ولم لا تكوين فرق مختصة متنقلة للتدخل الفوري في حالة المشاكل والأزمات المستعصية داخل المؤسسات التعليمية، أسوة بما يحدث في العديد من دول العالم”.
The post من الإهانة إلى الجريمة .. كيف تتحول خلافات مدرسية إلى "مأساة قاتلة"؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.