من 80 إلى 280 دولاراً: لماذا يختلف سعر برميل النفط حول العالم؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تشهد أسواق النفط حالةً من التباين الواضح في مستويات الأسعار، في ظل التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالأزمة الإيرانية وتأثيرها المباشر على تدفقات الطاقة العالمية. ويظهر هذا التباين في إمكان شراء برميل النفط بأسعار مختلفة بشكل كبير بين منطقة وأخرى، بحيث تتفاوت التكلفة وفق عوامل تتعلق بالإمدادات الفعلية، وتكاليف الشحن، والتأمين، إضافة إلى اختلاف طبيعة السوق التي يتم التسعير فيها.

في خضم التصعيد الأخير في الخليج العربي، أصبح النفط عنصراً اقتصادياً مؤثراً وأداة مرتبطة بالصراع الجيوسياسي، خصوصاً مع القيود التي طاولت الشحنات عبر مضيق هرمز قبل إعادة فتحه موقتاً ثم اعادة إغلاقه. وقد انعكس ذلك على سلوك الأسواق، حيث تحركت الأسعار استجابةً للتطورات الميدانية والتوقعات المستقبلية في الوقت نفسه، ما أدى إلى ظهور تبايناتٍ ملحوظة بين مؤشرات التسعير المختلفة.

تتكون سوق النفط من مسارين رئيسيين: السوق المادية والسوق المالية. السوق المادية هي التي يتم فيها تداول النفط الفعلي الذي يصل إلى المصافي ويُستخدم في الإنتاج، وتعكس بصورة مباشرة توازن العرض والطلب في الوقت الراهن، كما تتأثر بعوامل لوجستية مثل توافر البراميل، وسهولة النقل، والتأمين، والمسافات الجغرافية. في المقابل، تمثل السوق المالية تداول العقود الآجلة والمشتقات النفطية، وهي سوق تعتمد على التوقعات المستقبلية ونقل المخاطر، بحيث يتم تسعير النفط وفق احتمالات العرض والطلب في الفترات القادمة، وليس وفق الإمدادات المتاحة فوراً.

في الظروف الاعتيادية، تكون الفجوة بين السوقين محدودة، وتتحرك أسعار المؤشرات المرجعية مثل برنت وغرب تكساس الوسيط ضمن نطاقٍ ضيق. إلا أن التوترات الحالية أدت إلى اتساع هذه الفجوة، إذ ارتفعت الأسعار في السوق المادية بشكل أكبر نتيجة سعي المصافي للحصول على كميات فورية، بينما بقيت السوق المالية تعكس توقعاتٍ بتحسن الإمدادات في المستقبل. كما ارتفعت العلاوات السعرية على البراميل الفعلية، بعدما كانت فروقها تقاس ببضعة سنتات، لتصل إلى عشرات الدولارات فوق الأسعار المرجعية.

إلى جانب ذلك، ساهمت تكاليف الشحن والتأمين في رفع السعر النهائي للنفط المادي. فقد ارتفعت تكاليف النقل من مستويات مخفوضة إلى ما يصل إلى عشرات الدولارات للبرميل، كما زادت أقساط التأمين نتيجة المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية. هذه التكاليف الإضافية لا تظهر في السوق المالية، لكنها تؤثر مباشرةً على السعر الذي تدفعه المصافي للحصول على النفط فعلياً.

 

قناة السويس (أ ف ب)

 

كما يلعب العامل الجغرافي دوراً أساسياً في تحديد الأسعار. فقد تأثرت الأسواق الواقعة شرق قناة السويس بصورة أكبر نتيجة قربها من مناطق التوتر، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن ونقص الإمدادات. في المقابل، بقيت أميركا الشمالية تتمتع بوفرةٍ نسبية في المعروض بفضل إنتاج النفط الصخري والرمال النفطية، إضافة إلى انخفاض تكاليف النقل عبر خطوط الأنابيب، وهو ما انعكس على انخفاض أسعار النفط المادي مقارنة بمناطق أخرى.

ومع ذلك، بدأت تداعيات الأزمة بالانتقال تدريجاً إلى مناطق أخرى، إذ توجه بعض المصافي الآسيوية إلى شراء النفط من حوض الأطلسي، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار هناك أيضاً. كما يتوقع أن يؤدي استمرار تحويل الشحنات نحو الولايات المتحدة إلى ارتفاع الأسعار في أميركا الشمالية تدريجاً، في حين قد تنخفض الضغوط في الأسواق الأخرى مع تحسن الوصول إلى الإمدادات.

تظهر هذه التطورات صعوبة تحديد سعرٍ واحد "حقيقي" للنفط، إذ يعتمد ذلك على طبيعة السوق والفترة الزمنية والموقع الجغرافي. فالسوق المادية تعكس الأسعار الحالية، بينما تقدم السوق المالية تصوراً للأسعار المستقبلية التي قد تمتد لسنوات. كما تلعب عوامل إضافية دوراً في تقييم السعر، مثل احتساب التضخم التاريخي عند مقارنة الأسعار الحالية بالقمم السابقة، إضافة إلى أهمية أسعار المنتجات المكررة التي يتحملها المستهلك النهائي، والتي قد ترتفع بوتيرةٍ أسرع من أسعار الخام.

 

الأسواق لم تستوعب حجم النقص الفعلي في الإمدادات النفطية ما يجعل الأسعار تتراوح بين 100 و 120 دولار للبرميل (أ ف ب)

 

في هذا السياق، تشير تقديرات حديثة إلى احتمال دخول أسعار النفط في موجة صعودٍ جديدة مع استمرار الاضطرابات الجيوسياسية. ويشير بعض التقديرات إلى أن الأسواق لم تستوعب بعد حجم النقص الفعلي في الإمدادات، والذي قد يصل إلى مئات ملايين البراميل، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى نطاق يراوح بين 100 و120 دولاراً للبرميل. كما تتأثر هذه التوقعات بمدة استمرار القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ قد تستغرق استعادة الثقة بالنقل البحري أشهراً عدة، بينما قد يحتاج بعض الحقول النفطية في المنطقة إلى مدة إضافية لاستعادة الإنتاج الكامل.

في المقابل، قد تساهم زيادة الإنتاج من بعض الدول المنتجة، واستخدام الطاقة الاحتياطية لدى الدول الرئيسية، في تقليص الفجوة بين العرض والطلب. وعلى المدى المتوسط، تشير التقديرات إلى إمكان استقرار الأسعار عند مستوياتٍ أعلى من مرحلة ما قبل الأزمة، مع توقع تشكل نطاقٍ توازنيّ جديد لسعر النفط خلال السنوات المقبلة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية