ممر سوالكي... اختبار روسي جديد لتماسك الناتو
يُخيّم شبح "الاختبار الحاسم" على أجواء قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المرتقبة في أنقرة، فيما تتجه الأنظار إلى الجبهة الشرقية لأوروبا، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل "ممر سوالكي"، الرابط بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي المحصّن، إلى بؤرة قد تختبر تماسك الناتو ومدى استعداده لتفعيل "المادة الخامسة" الخاصة بالدفاع المشترك.
وتشير التقديرات الاستخباراتية الأخيرة إلى أن الاستراتيجية الروسية تركز على اختبار تماسك "الناتو" عبر استفزازات مدروسة تبقى دون عتبة الحرب الشاملة. وتشمل هذه السيناريوات هجمات سيبرانية، وتشويشاً على أنظمة الملاحة، أو افتعال أزمة عبور نحو كالينينغراد، بما يضع الحلف أمام خيارات شديدة الحساسية.
وتتزامن هذه السيناريوات مع تحركات روسية مكثفة على الأرض، تشمل مواصلة حرب الاستنزاف وقضم الأراضي في أوكرانيا، ورفع الجاهزية العسكرية في كالينينغراد رداً على مناورات الناتو الدفاعية الأخيرة.
حدود المادة الخامسة والردع النووي
في تحليله للمادة الخامسة من ميثاق "الناتو"، يقول مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات في موسكو آصف ملحم، لـ"النهار"، إن هذه المادة لا تعني بالضرورة الانخراط العسكري المباشر، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستسعى جاهدة إلى تجنب مواجهة مباشرة مع موسكو، تفادياً لسيناريو "الدمار الشامل المتبادل".
ويشير إلى أن المعركة الحالية تُدار عبر استفزازات متبادلة وحروب نفسية، إذ يدعم الغرب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية لتقليص إيراداتها، فيما توظف روسيا أدواتها لتنبيه الشارع الأوروبي وتعميق الانقسامات الداخلية، مستغلة غياب الإجماع الأوروبي حول خيارات التسليح أو خوض مواجهة مباشرة.
وفي هذا السياق، يضع ملحم بولندا ودول البلطيق في مقدمة الدول المرشحة لتمثيل خطوط الدفاع الغربية ضمن استراتيجية "الدفاع المتدرج" الهادفة إلى استنزاف روسيا.
ورغم التجييش الإعلامي، يوضح ملحم أن موسكو "لن تنجر إلى حرب استنزاف برية تقليدية تتفوق فيها الكثافة البشرية للناتو"، ويرى أن ردها "سيكون فورياً وعنيفاً باستخدام السلاح النووي، باعتباره الرادع الذي يمنع بولندا والدول الغربية من تجاوز الخطوط الحمراء أو الانخراط في مواجهة مباشرة".
سوالكي... العقدة الجغرافية للحلف
ينتقل ملحم إلى الجانب الجغرافي العسكري، مسلطاً الضوء على المساعي الغربية لعسكرة بحر البلطيق وقطع الإمدادات عن كالينينغراد، ما يمنح ممر سوالكي أهمية متزايدة بالنسبة إلى موسكو. ويرى أن "أي مواجهة ستدفع روسيا إلى قطع الممر بالكامل وعزل دول البلطيق، التي تفتقر إلى القوة العسكرية الذاتية الكافية".
وعلى الجبهة الميدانية، يؤكد ملحم أن روسيا "تجيد استغلال عامل الوقت وتحقيق الخروقات العسكرية بالتزامن مع الأحداث السياسية الكبرى داخل دول الناتو". كما أن سقوط مدينة كونستانتينوفكا أخيراً "شكّل ضربة قاسية للرهانات الأوكرانية والأوروبية"، كونها تمثل الحصن الأبرز في ما تبقى من "حلقة الدونباس".

الحرب الهجينة وفرص فرض أمر واقع
من جانبه، يوضح مدير مركز "فيجن" للدراسات الاستراتيجية سعيد سلّام، لـ"النهار"، أن "ممر سوالكي لا يمثل مجرد شريان لوجستي، وإنما نقطة ارتكاز جيوسياسية حاسمة لمظلة الردع الأطلسية".
وتتحسب واشنطنوكييف لسيناريو "الاختراقات الرمادية" الروسية، القائم على تنفيذ عمليات خاطفة مدعومة بمنظومات دفاعية وهجومية في إقليم كالينينغراد. ويهدف هذا السيناريو إلى عزل دول البلطيق جغرافياً وتحويلها إلى رهائن للضغط التفاوضي، بما يدفع الملف الأوكراني إلى مرتبة متأخرة على جدول الأولويات الغربية.
وينتقل سلّام إلى التحذير مما وصفه بـ"فخ المادة الخامسة"، إذ تعتمد موسكو على الغموض الاستراتيجي عبر أدوات هجينة تشمل الهجمات السيبرانية، وتخريب كابلات الطاقة البحرية، وتوظيف سلاح الهجرة. ويهدف هذا الأسلوب إلى حرمان "الناتو" من مبرر واضح لرد عسكري تقليدي، بما يثير نقاشات قانونية وخلافات سياسية داخل الحلف، ويؤدي إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار المشترك.
وفي سياق متصل بآليات الردع، يشير سلّام إلى أن أوكرانيا تنظر إلى الطفرة العسكرية البولندية، وتخصيص وارسو 4% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، بوصفها "صمام أمان إقليمياً يرفع كلفة أي مغامرة روسية". وفي المقابل، تبدي كييف قلقاً من "نافذة خطر موقتة"، إذ قد تدفع هذه القوة المتنامية روسيا إلى تنفيذ تحرك هجيني استباقي.
ويرى أن "توقيت قمة الناتو يمثل فرصة مناسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستغلال التباينات الأوروبية"، مع توقعات بسعي موسكو إلى فرض أمر واقع ميداني جديد عبر قضم أراضٍ أوكرانية إضافية أو تكثيف الضربات الصاروخية على أهداف حيوية، بما يضع قادة الحلف أمام خيارات صعبة تراوح بين الضغط على كييف لتقديم تنازلات سيادية أو الانخراط في تصعيد عسكري مرتفع الكلفة.
ويخلص سلّام إلى أن هذا التكتيك الروسي يستهدف "زعزعة الثقة في مصداقية الردع الجماعي للحلف، وتعزيز موقع موسكو التفاوضي استعداداً لأي تسوية مستقبلية".