ملامح الشعر الصيني الجديد... حضور ثري وتفاعل مع الذائقة العربية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تتجلى ملامح الشعر الصيني المعاصر عبر مختارات لقرابة خمسين شاعرة وشاعراً من جمهورية الصين الشعبية من أجيال متعاقبة، تضمّنتها أنثولوجيا خاصة ضخمة صدرت حديثاً باللغتين الصينية والعربية.

يشكّل الإصدار التوثيقي المهم (422 صفحة من القطع الكبير) محطة لافتة في التعرف على تفاصيل الشعر الصيني الآني في أحدث تمظهراته الحداثية تحت مظلة فتح قنوات التواصل بين الحضارات والثقافات عبر الأدب. وقد أنجزت ترجمة نصوصه الصينية إلى العربية الباحثة والمترجمة المصرية يارا المصري، وتولى تحريره ونشره اتحاد الكتّاب الصينيين.

جاء صدور الأنثولوجيا الثرية، في حلة فاخرة، تزامناً مع انعقاد المهرجان الدولي للشعر (أيار /مايو 2026) في دورته المخصصة للصين والدول العربية. وينطوي الإصدار على نصوص الشعراء العرب الذين شاركوا في الحدث، إلى جانب الشعراء الصينيين.

تقارب إبداعي ومعرفي
ينخرط الشعر الصيني الراهن، وفق نماذجه المنتقاة في الأنثولوجيا الشعرية، في سياق حركة الشعر العالمي بكل ما فيها من تجديد وابتكار وتجريب، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بخصوصية متجذرة في البيئة المحلية، بكل ما تحويه من تفاصيل، وما تعنيه من حضارة راسخة، وموروث ماضوي، وسلوك إنساني، وطبيعة محيطة مختلفة، إضافة إلى عراقة اللغة وثرائها وشحناتها التعبيرية والجمالية وانفتاحها الدائم على التأمل والحكمة والفلسفة والتخييل والحركة.

يتماس الشعر الصيني في المختارات الجديدة مع الذائقة العربية، المجبولة على وجدانيات متأججة، وخلفيات معرفية وإنسانية ولغوية وترميزية وطقسية، ليست بعيدة الصلة عن مسارات الشعر الصيني وأجوائه ومنابعه الصافية.

وتجب الإشارة هنا إلى خبرة المترجمة يارا المصري وتجاربها المتراكمة في التعاطي مع الإبداع الصيني، بما ينعكس بوضوح على نضج ترجمة الأنثولوجيا. وقد تخرجت يارا في قسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس في القاهرة، وأنجزت من قبل ترجمات مهمة لأعمال بارزة من الأدب الصيني، منها "مربّي البط" للكاتب مو يان الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 2012، و"أحتضن نمراً أبيض وأعبر المحيط"؛ مختارات للشاعر خاي زي، و"مصباح وحيد في الهاوية"؛ مختارات للشاعر بي داو، وغيرها.

شهرزاد... والدفء الذهبي
في قصيدتها "شهرزاد"، تتقاطع الشاعرة الصينية جينغ تساو بخيوطها الحريرية مع النسيج الأسطوري الحكائي العربي، مستلقية على غيمة تحت أشعة الشمس، حيث ينطلق الدفء الذهبي ليغمر البشر في كل مكان، ويجذب الوهج قلب الإنسان إلى أخيه الإنسان بخفة وبهجة وتسامح "بدأتُ أتحوّل/ لم أعد أزنُ ذرة/ أصبحتُ أخفّ من الرياح، بين الغيوم/ أرقص رقصة قديمة، وجميلة".

 

غلاف أنثولوجيا الشعر الصيني الجديد.

 

وتتبارى نماذج شعرية متنوعة في صياغة انسيابية البياض وتجسيد معنى التحليق بجناحين فوق سور الصين العظيم، كحالة خاصة لا تخلو من حميمية وبطولة وإحساس بالذات وبالمشاركة مع الآخرين في الوقت نفسه، فمَنْ لم يرتقِ سور الصين العظيم ليس بطلاً، وفقاً للزعيم الصيني ماو تسي تونغ.

ومن جانبه، يجد الشاعر وانغ جيانغ بينغ ذاته وجهاً لكل وجوه الآدميين حول العالم، فاتحاً حواسّه ومسامّه في قصيدته "صوت المطر في إفريقيا" على العرب والأفاقة "أعيش في محافظة بمنطقة جبلية شرق الصين، لكنني أسمع صوت المطر في إفريقيا، هل تصدّقني".

شذرات ولقطات
تحفل النصوص الصينية في الأنثولوجيا الشعرية بشذرات مكثفة، توجز في مشاهدها حركة الحياة اليومية وتفاصيلها الاعتيادية في التربة الصينية، من زوايا التقاط مبهرة، مع إضفاء حمولات تصويرية وتخييلية وتأملية وذهنية تخرج بالمواقف من نمطيتها، وتكسر أفق التوقع إيذاناً بتفجير الدهشة.

من ذلك، على سبيل المثال، ما تنقله كاميرا الشاعرة دو لولو في قصيدتها "الغروب" عن حرارة العيش فوق الأرض الحقيقية قياساً ببرودة الخرائط الأطلسية المتكلسة "تعالَ إلى خيمتي، يا عاشق الأرض/ توقّفْ عن البحث في الخريطة/ الكلبُ الميّتُ لن يعود إلى الحياة/ سأعلّمكَ كيف تعيش".

وفي قصيدته "عملية خلع الأسنان"، يحوّل الشاعر هوا تيان الألم البدني الفردي إلى رؤية عميقة لأوصاب العالم وأعطابه وانهياراته التي لا تنتهي "كل يوم، تنهض في البعيد أنقاض جديدة، وأحياناً تنهض في الجسد/ دائماً الموضع الأشدّ صلابة، يصيبه العطب أوّلاً/ ينكمش بسرعة بعد اصطدامات لا تُحصى".

أما الشاعرة شي تشيان، فإنها تتلصص في قصيدتها "ما لا يُرى" على الحياة الخفية والسرية للبشر وللكائنات معاً، واهبة روحها وجوهر وجودها لأشياء لا تُرى. وتطمح في نصّها الشفيف إلى النجاة من قسوة الدخان والرماد والمنحدرات الخطرة، كما لو أنها تحتمي بالقصيدة من وعثاء الطريق، وخراب العالم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية