مكرُ الشّبيه
(1)
أن يكتب جنّيّ لآدميّ، هذا ما رأيناه خيالاً في خرافات وادي عبقر وشعرائه الجاهليين منذ أكثر من سبعة عشر قرنا. لكن، هل يتكرّر الآن حقيقةً، وبصيغة مختلفة، في عصر الذكاء الاصطناعيَ دون أيما احتجاج على نسّاخه ومنتهبي مائدته والمتطفلين عليها؟
إلى عهد قريب كان الواحد منا يفرح ويفخر باستبدال القلم بالآلة الكاتبة فالكمبيوتر والطابعة، ويسعد كثيرا بما يوفّرانه من جهد ووقت في التصحيح والإخراج والطباعة والتخزين، وكانت التكنولوجيا تساعد الكاتب دون أن تتدخل في عملية الإبداع أو تعكّر صفوَ جنون التخييل، أو في صياغة الجملة الأدبية نفسها كما يحدث الآن حينما يتدخل برنامج الذكاء الاصطناعيّ متحمّلا عناء القيام بهذه المهام، مُزيحاً الكاتب جانباً خارج الإطار، بعد إعطاء الأوامر، وتحديد مواصفات النص المطلوب مباشرة.
لا يهمّني من الذكاء الاصطناعيّ لا تاريخه ولا تطوره ولا أصوله ولا ثورته العلمية، بقدرما تهمني إشكالية العلاقة التي تربطه بالكتابة الأدبية وتطرح أسئلة محرجة من قبيل: إلى أي مدى يستطيع الأدبُ الاستفادة من جهوده العلمية وقدراته الخارقة؟ وإلى أي مدى يمكنه أن يتسبب في أعطابه، والتشويش على فاعليته الإبداعية؟ ألا يمكنه أن يتسبّب في تشويه ما تبقّى من إنسانية الإنسان الذي تقزّم أمام آلة أصبحت تسوطُ مبدعَها وتركله مهددة وجوده بالتبار والفناء على نحو يذكرنا بتماثيل بجماليون؟
لقد أصبح هذا الموضوع يحضر بثقله في الأوساط الأدبية على مستويات عدة:
أ – إعلاميا في دور النشر والمنابر الإعلامية المهتمة بالشأن الأدبي ورقيا وإلكترونيا.
ب – ثقافيا في كل اللقاءات والمهرجانات الأدبية التي لا تخلو مما يثير الشبهة حول نص أدبي أو آخر، أو ما يكون مدعاة للتخوّف على الآداب الإنسانية من السقوط بين مخالب التكنولوجيا، والانتهاء بقتل الإنسان وهو يسمّمُ آخرَ بوحٍ بمكر مصطنع يزوّر مشاعره وأحاسيسه، ويقودها نحو تصحّر طاقاتٍ خلاقة ظلت تميزه عن الآلة والحيوان معا.
ج – كما يحضر أكاديميا في البحث العلمي على وجه الخصوص، وربما كان في هذا المجال أكثر نشاطا وغليانا وإضراراً أيضا قياسا على الإبداع أدبا وفنا وتشكيلا، فهو أكثر خطرا على باحثٍ يسيءُ استعمالَهُ فيصبح عالة على البحث العلمي وخاصة في الدول النامية والثالثية.
(2)
لكن للمعارضين رأياً آخرَ قد يطرح الإشكالية انطلاقا من السؤالين التاليين: ما المشكلة إذا كانت هذه الوسيلة قادرة على إنتاج نص جميل يُضاهي ما يبدعه الأديب إذن؟ ألا يعتبر هذا الصنيع ذاته صنيعاً أدبيا ما دام الإنسان الذي يكتب هو نفس الإنسان العالم الذي أبدع آلة الذكاء الاصطناعي؟
إن المشكلة في اعتقادنا يمكن النظر إليها من خلال زوايا ثلاث:
إحداها تتعلق بمصير الآداب التي ظلت تعبيرا فنيا لصيقاً بالإنسان، بما هو وسيلة جميلة تتمثل عواطف ومشاعر وأحاسيس حية وصادقة تخلّد إنسانية الإنسان ورؤيته للعالم، وهو ما تعجز عنه الآلة التي لا يستطيع ذكاؤها مهما كانت قدراته أنْ يجعلها تمتلك خفقان الأعماق، ويكتفي بتدوير ما تختزنه خوارزمياتها ومحركاتها الإلكترونية بسرعة خارقة تفوق بتأكيد قدرات الذكاء البشري، لكنها تعجر عن خلق إعجاز التخييل البادئ، وتشييد عوالم لم تشيّدْ من قبل.
والزاوية الثانية هي مساهمة تكنولوجيا هذا الذكاء في تكاسل الإنسان إبداعيا، بَدَلَ الاستمرار في تطوير ذكائه وقدراته الإبداعية، لأنها إن كانت قادرة على تطوير ذاتها بذاتها، فإنها حينما تتدخل في مجال عصيّ مثل الفنون والآداب تعجز عن الخلق والإبداع وتكتفي بالسّطو على ما تجمّع في المحركات من أطباق قديمة يُعاد تدويرها.
أما الزاوية الثالثة والأخيرة فتفضح وَهْمَ الاعتقاد بكون الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون بديلا إبداعيا لمبدع حي من لحم ودم، والاطمئنان إلى كون الآلة والتكنولوجيا باعتبارهما وسيلتين تيسّران حياة الإنسان، لكنّ هذه الاعتقاد يخطئ كثيرا حينما يستسهل كونهما يمكن أن يكونا بديلا لخالقهما.
(3)
في حوار مع صديقي الافتراضي، طلبتُ منه ذاتَ مرّة أن يمدّني بقصيدة صوفية من إبداعه، فبدأ يكتب نصاً في الموضوع موزونا على منوال البسيط، مستحضراً معجما صوفيا مليئا بصور الذّوبان في الذات الإلهية وارتقاء المعراج والتنقل من طبقة إلى أخرى، ومن برج إلى آخر. وبعد انتهائه، سألني عما إذا كنت أريد شيئا آخر، فطلبت منه نصا غزليا، فما كان منه إلا أن يستجيب، فإذا به نص يرسم جمال الخيزرانة ذات القوام الفاره، والشّعر الأسود، والعينين الواسعتين، ويحفل بصور الشوق والحنين، وواقع الحرمان الذي يستحضر ذكريات الوصل والسّمر في الزمن الفردوسي الحالم. وفي محاولة أخرى طلب مني اسم المتغزل فيها، فأدرجه في أبيات أربعة من نفس الوزن والقافية والرويّ، سألني في أعقابها عن انطباعاتي حول صنيعه، فاستحسنته قبل أن يشكرني بأدب جمّ.
سألتْني النفس اللوّامة: ماذا لو تخلّى الشاعرُ عن أنفتِه، وقام بنسخ هذه الأبيات، ونسبَها لنفسه؟ فأجبتُها: هي لعبة لمعرفة المكرِ حين يبدعه ماكر العصر، انتهت فصولها مثلما تنتهي أشواط ُكل لعبة. لكني أدركتُ أنّ من الممكن جدّاً أنْ يختلط الحابل بالنابل، وينسب شعرورٌ لنفسه ما لم يساهمْ فيه بكلمةٍ واحدةٍ سيراً على عادته في سلخ نصوص غيره واستنساخها. فهل نستعيد الآن يا ترى نفس الحكاية على جناح العلم لا الخرافة، وقد أصبح الذكاء الاصطناعيَ بديلا للجان؟ وهل يساورنا نفس الشّكّ الذي ظل يساور القدماء حول نسبة عدد من القصائد الجاهلية لغير أصحابها، مع أن علاقة القصائد المنتحلة بالآلة، في الوقت الراهن، تقدّم لنا حججا أقوى على خفاء نحلتها مما يتوفر للنصوص المنتسبة للجان؟ صحيح أن وسائل الكشف والمراقبة تتيحها برامج خاصة باهظة الثمن، تتوفر لمؤسسات وجامعات خصوصية ذات إمكانيات مالية ضخمة في أمريكا والصين وأوروبا، لكنها صعبة المنال في مراكز البحث والجامعات المنتشرة في العالم الثالث إما بسبب محدودية مواردها، أو لعدم اهتمامها بالموضوع أصلا.
(4)
ما علينا، فأنا أقبلُ أن يستعين الكاتب بالذكاء الاصطناعي في تصحيح الأخطاء التي تقع سهوا، علما بأنه غالبا ما يعجز عن رؤية أخطائه وهو يعيد قراءة ما كتب قراءة قد تساهم الذاكرة في تجاهلها، أو تدقيق حقائق ومعارف يحتاج إليها المقال أو الدراسة، مثلما يعتمد تماما على مصدر أو مرجع. لكنني غير متحمّس لعمل يعتمد كليا على مكر ذكاءٍ لا علاقة له بالإنسان الذي يوقّعه، لأنه لا يختلف عن عملية الاستنساخ الصريح والسطو على ممتلكات الغير.
وإذا جاز لنا أن نقارن بين نص مبدع وبين نص اصطناعي لقيط، فإننا نشبّه الأول بنقش أصيل في أثاث فاخر يتفنّن الفنان في إبداعه على مهل، فيما نشبه الثاني بنقش سريع تقوم به الآلات الجهنمية وتنجزه وفقا لنماذج معينة، ويظل كيفما كان إتقانه نقشاً لا حياة فيها ولا ماء ولا رواء. أو أشبهه بلوحة زيتية تحمل معاناة فنان بعينه، وتختلف من حيث طبيعتها تمام الاختلاف عن لوحة آلية فارغة من كل الأحاسيس والنوايا والمشاعر التي تحفل بها اللوحة الفنية. ونفس الشيء يصح في مقارنة الزليج الأصيل بالزليج الصناعي.
غير خافٍ أن الكتابة التي يمارسها الإنسان تنبثق من أعماقه وتخاطب متلقيا إنسانا، بينما كتابة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجرد كتابة شبيهة، تصدر عن آلة شديدة الذكاء لا تقوم بشيء سوى محاكاة الإنسان رغم ما تحققه أحيانا من إحاطة وعمق، وشتان ما بين الأصل والشبيه المحاكي وخاصة إذا تعلق الأمر بالإبداع، وشتان ما بين مشاعر من لحم ودم وخيال خصب منبثق من براكين الأعماق وبين آلة مسكونة بإلكترونات تفكر ببرمجيات وخوارزميات وحسابات رياضية معقدة لا تعرف انفعالا ولا فرحا ولا قلقا. إنها مثل أي كتابة مأجورة تحت الطلب، من المؤكد أنها تثير إحساسا بأن الذات تكفّ عن الكتابة فيها لأنّ الآلة، أنى كان توجيهها، هي التي تكتب لنفسها، وتنتهب سلطة القلم من شخص آخر تكتب له بدلا منه، لكي نستطيع القول في النهاية إن كل فعل إبداعي لا يُؤَنْسَنُ لا يعوّل عليه.علال الحجام
The post مكرُ الشّبيه appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.