مكافأة ترامب للشرع... شطب تصنيف سوريا مقابل "حزب الله"؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حملت لقاءات الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة تحولاً سياسياً لافتاً في العلاقة بين واشنطن ودمشق. فالحدث تجاوز إعلان المضي في شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ليكشف أيضاً عن انفتاح أميركي تحكمه شروط أمنية وإقليمية تتصل بإيران و"حزب الله" وأمن إسرائيل. وبينما بدأ الكونغرس مراجعة القرار، برزت تساؤلات بشأن طبيعة الالتزامات التي تنتظرها واشنطن من دمشق في المرحلة المقبلة.

 

أنقرة بوابة دمشق إلى الغرب

 

تجاوز اختيار أنقرة لاستضافة لقاءات الشرع وترامب كونه تفصيلاً بروتوكولياً، إذ إنه عكس موقع تركيا بوصفها الدولة صاحبة النفوذ الأوسع في سوريا الجديدة، والشريك الذي تحاول واشنطن من خلاله إدماج دمشق تدريجياً في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، مع إبقاء هذا الانفتاح ضمن ضوابط أميركية وإسرائيلية واضحة.

فالشرع لم يشارك في أعمال "الناتو"، وسوريا لم تتحول إلى شريك أطلسي، لكن حضوره إلى أنقرة أدخل دمشق إلى هامش البيئة الأمنية الغربية عبر البوابة التركية. ومن هذا الموقع، تسعى أنقرة إلى توظيف نفوذها داخل الحلف الأطلسي وفي معادلات الشرق الأوسط، فيما تنظر واشنطن إلى سوريا باعتبارها جزءاً من ترتيبات تتجاوز رفع العقوبات لتشمل ملفات إيران و"حزب الله" والحدود وأمن إسرائيل.

أما تل أبيب، فتريد سوريا بعيدة عن إيران و"حزب الله"، لكنها تتحفظ على صعود دولة سورية قوية ضمن مجال نفوذ تركي متقدم على حدودها.

 

شطب التصنيف وممر العبور الأميركي

 

تمثلت الخطوة الأبرز في إبلاغ ترامب الشرع قراره إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهذه ليست مجرد محطة ضمن مسار رفع العقوبات، بل انتقال سياسي وقانوني أوسع في موقع دمشق داخل المنظومة الأميركية. فرفع العقوبات يفتح نافذة اقتصادية، بينما ينعكس شطب التصنيف على المساعدات والتعاملات المالية وصادرات الدفاع والاستثمارات وإعادة دمج سوريا في قنوات التعامل الدولي.

غير أن القرار لا يصبح نافذاً بمجرد إعلان الرئيس الأميركي، إذ أخطر ترامب الكونغرس، لتبدأ مهلة مراجعة تمتد 45 يوماً. ومن هنا اكتسب لقاء الشرع مع وفد الكونغرس أهمية تفوق الجلسة العلنية القصيرة مع ترامب. فالرئيس الأميركي رسم الاتجاه السياسي، بينما يحمل الكونغرس صلاحية تثبيت هذا المسار أو فرض قيود عليه.

ووصف المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توم براك اللقاء بأنه "مفصلي رفيع المستوى"، وبداية "فصل جديد" في العلاقات الأميركية - السورية، مؤكداً وجود مصالح استراتيجية متقاربة ودور مركزي لسوريا في مستقبل الشرق الأوسط. وتعكس هذه اللغة توجهاً أميركياً يحظى بدعم يتجاوز الانقسام الحزبي، فيما ناقش أعضاء الكونغرس شروط هذا الانفتاح، وفي مقدمها مكافحة الإرهاب، والمقاتلون الأجانب، والعلاقة مع روسيا وإيران، وأمن إسرائيل، ولبنان.

 

قوات سورية عند الحدود مع لبنان. (أ ف ب)

 

"حزب الله" بين الغموض والتعهدات

 

كشف ملف لبنان و"حزب الله" جانباً مهماً من هذه المعادلة. ففي الجلسة العلنية، سُئل ترامب عما إذا كان لا يزال يريد من سوريا المساعدة في ملف الحزب، فأجاب بأن السوريين "يمكنهم المساعدة"، وأن الصورة ستتضح لاحقاً. وبدا هذا الموقف أقل حدة من تصريحاته السابقة التي تحدث فيها عن ترك سوريا "تتعامل" مع "حزب الله"، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام دور سوري محتمل.

غير أن التفصيل الأكثر أهمية جاء لاحقاً على متن الطائرة الرئاسية، عندما قال ترامب إن الشرع قدم له "التزامات" في هذا الملف، من دون الكشف عن مضمونها. وهنا انتقل الحديث من مجرد احتمال لمساعدة سورية إلى الإشارة إلى تفاهمات أو تعهدات غير معلنة، لتبدو الصورة أقرب إلى مكافأة أميركية معلنة في ملف التصنيف والعقوبات، في مقابل التزامات أمنية بقيت بعيدة من الأضواء في ملف لبناني شديد الحساسية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن دمشق تتجه إلى تدخل عسكري مباشر في لبنان، فمثل هذا السيناريو يحمل كلفة مرتفعة على سوريا ولبنان معاً، وقد يفتح الباب أمام توترات داخلية وإقليمية لا ترغب تركيا في دفع دمشق إليها. لكن تصريحات ترامب تعزز فرضية وجود دور سوري منسق، مع بقاء طبيعته وحدوده رهن التطورات المقبلة.

 

توازنات تركية وإسرائيلية

 

تتقاطع المصالح الأميركية والتركية والإسرائيلية عند الحد من النفوذ الإيراني، لكنها تختلف في حدود الدور السوري المطلوب. فواشنطن تريد توظيف دمشق للضغط على "حزب الله"، وقطع خطوط الإمداد والتهريب، وإضعاف المجال الإيراني.

أما إسرائيل، فتسعى إلى إبعاد إيران و"حزب الله" عن سوريا ولبنان، لكنها تتحفظ على تقوية سلطة سورية تحظى بحماية تركية. وفي المقابل، تريد أنقرة تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا، مع الحفاظ على توازنات المنطقة، لذلك ترفض أن تتحول دمشق إلى أداة في مواجهة داخل لبنان أو إلى ساحة احتكاك مباشر بين إسرائيل ومحور إيران.

وحضر البعد الإسرائيلي أيضاً في أكثر لحظات اللقاء حساسية، عندما تفاخر ترامب، إلى جانب الشرع، بأنه قدم لإسرائيل ما لم يقدمه أي رئيس أميركي آخر، مستحضراً القدس والجولان. وقد بدت هذه الرسالة أبعد من أسلوب ترامب المعتاد، إذ حملت تذكيراً واضحاً بأن الانفتاح الأميركي على دمشق يبقى محكوماً بالسقف الذي ترسمه المصالح الإسرائيلية.

عاد الشرع من أنقرة بمكسب سياسي كبير، لكنه عاد أيضاً باستحقاقات أكبر. فالولايات المتحدة فتحت باباً واسعاً أمام دمشق، مع احتفاظها، ومعها الكونغرس، بأدوات التحكم في مساره. وقدمت تركيا نفسها بوصفها بوابة سوريا إلى الغرب، مع حرصها على إبقاء سوريا ضمن دائرة نفوذها، فيما بقيت إسرائيل أحد محددات السياسة الأميركية تجاه دمشق.

وبين المكافأة المعلنة والالتزامات غير المعلنة، تتبلور وظيفة سوريا الجديدة ضمن ترتيب إقليمي يتجاوز القرار السوري.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية