مغدوشة بين "الإشكال الفردي" وفائض القوة: عندما يصبح السلاح بديلاً عن الدولة
لم يكن الإشكال الذي شهدته بلدة مغدوشة مساء أمس مجرّد حادث أمني عابر يمكن اختصاره بعنوان "تضارب بين شبان"، بل بدا أشبه بصورة مكثفة عن واقع تعيشه قرى وبلدات عدة في جنوب لبنان، حيث بات فائض القوة المدعوم بالسلاح غير الشرعي يفرض معادلاته على الأرض، متقدّماً أحياناً على الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية.
فما بدأ، بحسب رواية بلدية مغدوشة، كتحرّك من شرطة البلدية للتحقق من دراجة نارية مشبوهة في منطقة "روس الحدادين"، تحوّل خلال دقائق إلى مواجهة عنيفة استخدمت فيها العصي والسكاكين والقنابل وإطلاق النار، وصولاً إلى الاعتداء حتى على ضابط في الجيش اللبناني أثناء محاولته احتواء الوضع.
ورغم عودة الهدوء بعد تدخل الجيش اللبناني ومخابراته، فإن ما جرى ترك خلفه أسئلة أعمق من مجرد إشكال أمني: كيف يمكن لمجموعة من الشبان أن تتجرأ على مهاجمة عناصر شرطة بلدية وتحطيم آليات رسمية والاشتباك مع الجيش، من دون شعور بالخوف من المحاسبة؟ وما الذي يجعل هذا النوع من الحوادث يتكرر في مناطق محددة دون غيرها؟
أبعد من حادث فردي
وصف النائب ميشال موسى في حديث لـ"النهار" ما جرى بأنه "حادث فردي مؤسف"، إلا أن كثيرين في المنطقة لا ينظرون إليه بهذه البساطة، خصوصاً أن التوتر بين بعض القرى المجاورة لمغدوشة ليس جديداً، وأن البلدة شهدت خلال السنوات الماضية محطات متعددة من الاحتكاكات والضغوط والتهديدات غير المباشرة.
وتتحدث أوساط محلية عن شعور متزايد لدى قسم من أبناء البلدة بأن هناك من يحاول فرض وقائع معينة بقوة الأمر الواقع، مستفيداً من الغطاء السياسي والأمني الذي توفره قوى الأمر الواقع في الجنوب، وفي مقدمها "حزب الله".
وتضيف هذه الأوساط أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بإشكالات شبابية أو فردية، بل بمناخ عام يشعر فيه البعض بأن السلاح يحمي المرتكبين، ويمنحهم قدرة على تجاوز القانون والاعتداء على الآخرين من دون خشية حقيقية من العقاب.
احتجاجات أُلغيت تحت عنوان التهدئة
وفي موازاة الغضب الشعبي الذي ساد البلدة عقب الإشكال، كانت الدعوات قد وُجّهت لتنظيم وقفة احتجاجية عند السادسة من مساء الاثنين، رفضاً لما وصفه أبناء البلدة بـ"التصرفات المليشياوية" والتعديات المتكررة على الأهالي وعناصر البلدية.
إلا أن الوقفة أُلغيت في الساعات الأخيرة بعد سلسلة اتصالات وجولة تهدئة قادها النائب ميشال موسى مع مختلف الجهات المعنية، ما دفع البلدية إلى التراجع عن التحرك استجابةً لوعود بمعالجة الوضع أمنياً.
وبحسب معلومات متداولة في البلدة، فإن من بين الإجراءات المطروحة إقامة حاجز عسكري ثابت بين مغدوشة وعنقون، في خطوة يعتبرها الأهالي بمثابة "راحة جزئية" تخفف من الاحتكاكات اليومية والهواجس الأمنية، ولو أنها لا تعالج أصل المشكلة المرتبطة بانتشار السلاح وفائض النفوذ خارج إطار الدولة.
ويكتسب ما جرى حساسية إضافية نظراً إلى خصوصية مغدوشة الدينية والرمزية، فهي واحدة من أبرز البلدات المسيحية في قضاء صيدا، وتضم معالم دينية بارزة أبرزها مزار سيدة المنطرة، ما يجعل أي توتر فيها يتجاوز البعد الأمني نحو أبعاد اجتماعية وطائفية أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، تتكرر في البلدة، وفق أبناء منها، شكاوى مرتبطة بمحاولات التضييق غير المباشر، ما يخلق شعوراً متنامياً لدى قسم من الأهالي بأنهم يعيشون تحت ضغط دائم..
الدولة أمام اختبار جديد
الأخطر في حادثة الأمس لم يكن فقط استخدام السلاح أو الاعتداء على عناصر البلدية، بل الصورة التي ظهرت فيها الدولة مرة جديدة وكأنها تصل دائماً بعد انفجار الوضع، لا قبله.
فالجنوب اللبناني لا يزال يعيش منذ سنوات ضمن توازن هش بين سلطة الدولة وسلطة القوى المسلحة، فيما يبقى المواطن العادي الحلقة الأضعف وسط هذا الاشتباك المفتوح بين منطق المؤسسات ومنطق النفوذ.
ومع أن الجيش اللبناني نجح في تطويق الإشكال سريعاً وتوقيف عدد من المتورطين، إلا أن الأنظار تتجه اليوم إلى ما إذا كانت التحقيقات ستصل فعلاً إلى محاسبة جدية لكل من شارك واعتدى وأطلق النار، أم أن القضية ستُطوى كغيرها تحت عنوان"معالجة الإشكال" واحتواء التداعيات السياسية.