معركة الهُوية التي فرضت نفسها علينا

هناك معركة مصيرية تفرض نفسها علينا، ونحن إمّا أن نكون أحقّ بها وأهلها ونخوضها، فنفوز بعزّ الدّنيا وفلاح الآخرة، وإمّا أن نتركها وننكص عنها، فنبوء بخزي الدّنيا وعذاب الآخرة، ويوكّل الله بها قوما غيرنا ليسوا مثلنا: قال تعالى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم))… إنّها معركة الهوية؛ معركة الدّفاع عن الدّين وقضاياه، وعن الأمّة ومقدّساتها… وخوضها فرض محتّم على كلّ مسلم، كلّ بحسب موقعه وإمكاناته.
في هذه المعركة، لا يسع أيّ مسلم أن يكون بين صفوف المتفرّجين. كيف وهو يرى المغرضين في هذا العالم يمكرون ليُشكّكوا المسلمين في دينهم ويردّوهم عنه، ويرى الحاقدين وهم يشحذون ألسنتهم وأقلامهم بسبّ الخالق –جلّ وعلا- والاستهزاء بالقرآن والطّعن في النبيّ العدنان وقذف زوجاته الطّاهرات وانتقاص أصحابه أولي المكرمات! في مثل هذا الوقت، يُمتحن كلّ مسلم في إسلامه وإيمانه، ويكون معنيا بالمعركة، ومطالبا بأن يقول كلمته دفاعا عن دينه وعن كتاب ربّه، وغيرة لقدوته وشفيعه المصطفى –صلّى الله عليه وسلّم-.
نحن نشهد في الأعوام الأخيرة، وخاصّة في هذه الأيام، حملة عالمية تستهدف الإسلام، بعد أن أدركت دوائر المكر بأنّ وقت عودته قد اقترب وحان. حملة مركّزة تعتمد الجرأة والاستفزاز لنشر الشّبهات وتشكيك المسلمين في مسلّمات دينهم؛ جَنّدت في كلّ بلد مسلم لفيفا من التاركين لدينهم اللاهثين خلف الأموال والشهرة، من علمانيين وشيوعيين وحتى ملاحدة يستخْفون بإلحادهم وكفرهم. أعطي لهم الضّوء الأخضر ليُخرجوا أضغانهم وينفثوا سمومهم ويتحدّثوا بكلّ جرأة وسوء عن الإسلام والمسلمين… والمصيبة أنّهم وجدوا ضالّتهم في جهالات بعض المتديّنين الذين فهموا التديّن على غير حقيقته وخاضوا معارك هامشية من دون علم ولا حكمة.
ونحن إذا نظرنا إلى جلّ البلدان العربية والإسلاميّة، فإنّنا نرى كيف أنّ النّظام العالميّ استطاع أن يقسّم المسلمين في كلّ بلد إلى أقسام ثلاثة: أغلبية تعيش لدنياها ولا تهتمّ بقضايا الدّين والأمّة إلا قليلا، همّها الأوّل هو أن تعيش دنياها وتجمع أكبر قدر ممكن من حظوظها، وإن اهتمّت بقضايا دينها فإنّها تهتمّ بها لبعض الوقت ثمّ سرعان ما تفتر وتنسى وتعود لتخوض معركتها الأهمّ، معركة الرّواتب والأسعار والخصومات المتكاثرة حول الأراضي والأموال والممتلكات…
في مقابل هذه الأكثرية، هناك أقليتان إحداهما أكبر من الأخرى: الأقلية الأولى هي الأقلية المتديّنة، بينها علماء ودعاة ومصلحون وأهل علم وحكمة، يخوضون معركة الأمّة ومعركة الوعي، ولكنّهم مع كلّ أسف أقلية بين الأقلية المتديّنة، وقلّة وسط متديّنين أكثرهم يفتقدون إلى الحكمة والنّظام والوعي، يسهل استدراجهم واستنفارهم وجرّهم إلى المعارك الهامشية التي تلهي عن المعارك الحقيقية.
والأقلية الثانية هي الأقلية العلمانية التي تعرف أهدافها جيّدا، وتعمل بالتناغم مع عمل النّظام العالميّ لفرض أجنداته واختياراته؛ فهي تدعو إلى عزل الدّين عن السياسة والحياة العامّة والحجر عليه بين جدران البيوت وأسوار المساجد، وتنادي بإلغاء فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، بل تُلحّ على تجريمها ومنعها… أقلية صوتها مسموع في الداخل والخارج، ما أن تقول كلمة حتّى تتبنّاها وسائل الإعلام والمواقع العالمية! أقلية تدعو إلى حرية ازدراء الدّين وحرية تركه، وتطالب بحرية العري والزّنا وحتى حرية الشذوذ… تحترم كلّ الأديان التي على وجه الأرض بما فيها عبادة البقر، لكن عندما يتعلّق الأمر بالإسلام فهي ترى اعتناقه والدّفاع عنه تخلفا ورجعية… تدافع عن المرأة حينما تكون شابّة، لكنّها تنساها حينما تكون أرملة أو مطلّقة أو عجوزا… تنادي بحرية المرأة في أن تتعرّى وتبيع جسدها ولو كانت صغيرة دون سنّ البلوغ، لكنْ إذا اختارت المرأة مثلا أن تلبس الحجاب وهي صغيرة، أو اختارت أن تتزوّج دون 18 سنة، فالعلمانيون يتّهمونها بالتخلّف والرّجعية ويهاجمونها… علمانيون لا يتذكّرون بطون الجائعين والفقراء حينما تنفق الأموال في بناء الملاعب والمسارح وفي أجور المدرّبين واللاعبين ومستحقات المغنين والفنانين، لكنّهم فجأة يتذكّرون بطون الجائعين حينما يتعلّق الأمر ببناء المساجد وشراء الأضاحي!
في بلادنا المسلمة الجزائر، ربّما لحظ الجميع في الآونة والأيام الأخيرة، كيف كشّرت الأقلية العلمانية عن أنيابها، وأخرجت ضغائنها؛ فصرنا نسمع ونقرأ على مواقع التواصل من كلمات العلمانيين ما يُدمي القلوب… في بلد مسلم سالت عليه دماء الفاتحين، من أخيار هذه الأمّة من صغار الصحابة وكبار التابعين، يُسمع من يطعن في الفاتحين ويصفهم بالمجرمين المحتلّين، ويُسمع من ينفخ في الفتنة بين العرب والأمازيغ، ويُسمع من يسبّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- ويطعن في زوجاته وأصحابه، ويُسمع من يستهزئ بشعائر الدين وشرائعه!
هؤلاء العلمانيون يريدون أن يحكّموا فرنسا في رقابنا ويريدون أن يفرضوا علينا لغتها وثقافتها! إنّهم يبغونها عوجا، ويريدون للجزائريين أن ينشغلوا بدنياهم ويتركوا دينهم نهبا يطعن فيه الطّاعنون، ويتركوا قدواتهم يلعنها اللاعنون! يريدون لنسائنا أن يعشن بالدنيا ولأجل الدّنيا ومظاهرها ويكنّ في الأسواق والمقاهي والملاهي، ويريدون لبناتنا أن يخرجن كاسيات عاريات، ولأبنائنا أن يتعاطوا الخمور والمخدّرات ويتخنّثوا ويتأنّثوا ويتغنّجوا… تماما كما قال الله: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)).
في الأيام الماضية، ما أن أعلنت وزارة التربية عن تحجيم دور اللغة الفرنسية لحساب اللغة الإنجليزية، وعن دعم مادّة التربية الإسلاميّة، حتّى انطلق العلمانيون يصيحون في كلّ فجّ، ويدعون بالويل والثّبور، ويعلنون الحرب على وزير التربية! لأنّ أمّهم فرنسا قد غضبت، فهم يجب أن يغضبوا لغضبها!
إنّنا في أيام نمتحن فيها بديننا وقضايا أمّتنا، ويجب علينا أن نُقدّم الدّليل بأنّ ديننا وهويتنا هي أغلى ما نملك في هذه الحياة… أبناء فرنسا يريدون استفزازنا، ونحن يجب أن نتحلّى بالحكمة حتّى نحافظ على بلدنا المسلم، وفي الوقت نفسه يجب علينا أن نُفهم الأقلية العلمانية المفرنسة أنّنا لن نسكت عمّن يزدري ديننا ويسبّ نبيّنا ويطعن في أعراض زوجات قدوتنا ويسبّ أصحابه… ينبغي أن نُفهم العلمانيين أنّ هذه خطوط حمراء لا نسمح بتجاوزها، وأنّ أخطاء بعض المتديّنين لا يجب أن تكون ذريعة للطّعن في الدّين ومحاربة الهوية.
العلمانيون أبناء فرنسا وفراخ النّظام العالميّ، يجب أن يفهموا جيّدا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من أعظم واجبات ديننا، لن نتخلّى عنه ما حيينا؛ سنظلّ نأمر بالمعروف بعلم وحكمة، وننهى عن المنكر بعلم وحكمة، من دون أن نحتاج إلى السّباب أو التّشهير أو التّعيير… نأمر بالحجاب والسّتر والحياء، وننصح بتربية بناتنا على اللباس الساتر منذ نعومة أظفارهنّ، ونأمر أبناءنا بالصلاة وهم أبناء سبع ونضربهم عليها وهم أبناء عشر، وسنظلّ ننكر التبرّج والتعرّي في الشّوارع والمؤسّسات والمدارس، وننكر ترويج المخدّرات وبيع الخمور والإشهار للرّبا، وننكر هجر المساجد وهجر القرآن، وننكر الانغماس في تفاهات مواقع التواصل… وسنظلّ ندافع عن ديننا ونبيّنا وهويتنا وأخلاقنا، ورؤوسُنا شامخة مرفوعة، لأنّنا نعيش في بلد دينه الإسلام… وسنظلّ نقولها بملء أفواهنا أنّ ديننا مكانه في كلّ مكان، في البيوت والشّوارع والمؤسّسات والإدارات، يتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة، ويحكم الحياة كلّها بكلّ تفاصيلها… ديننا لا يقصر دوره على تعليم الصّلاة وحساب الزّكاة وتشييع الجنائز ورصد الأهلّة… ديننا جاء ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان والقوانين والأعراف إلى عدل شريعة الإسلام، ومن ضيق الدّنيا إلى سعة الدّنيا والآخرة… ولأجل كلّ هذا تبغض فرنسا وأتباعها ووكلاؤها ديننا… فرنسا لا تبغض ديننا لأنّه يفرض الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ، ولكنّها تبغضه وتحاربه لأنّه يقدّم نظاما كاملا للحياة… يقول أحد الدّعاة: “لو علم كفار قريش أن محمدا –صلّى الله عليه وسلّم- يدعو إلى الوضوء والصلاة وحفظ القرآن والمكث في المسجد وإعفاء اللحية وتقصير الثوب؛ لما حاربوه وعذبوا أصحابه وحاولوا قتله، بل ربما ساعدوه في بناء المساجد وطبعوا المصاحف على نفقتهم! ولكنهم حاربوه لأنهم رأوا أن الإسلام يقرر ما يعارض مصالحهم الدنيوية؛ فهو يدعو إلى العدل والمساواة والشورى والتراحم والتآلف والتكافل، وهي مبادئ تهدد رئاستهم وتقوض سلطانهم” ا.هـ.
العلمانيون أبناء فرنسا يفرحون عندما يروننا نلهث خلف دنيانا ونجري خلف لقمة العيش وننسى ديننا وقضايا أمّتنا… لذلك يجب علينا أن نري العلمانيين ومن خلفهم فرنسا الصليبية الحاقدة من أنفسنا وأحوالنا وبيوتنا ما يغيظها ويحزنها…
الخلاصة: نحن نعيش في هذه الآونة امتحانا حاسما يجب أن نلتفت إليه ونهتمّ به، فإمّا أن نثبت أنّنا مسلمون حقا نعيش بالإسلام وللإسلام، أو نسقط بعده من عين الله سقوطا ربّما لا نقوم بعده، ويستبدل الله بنا قوما آخرين يحبّهم ويحبّونه… عشنا سنوات وعقودا لا نحمل هما آخر غير همّ “الخبزة”، وهذه الحياة التي كنّا نعيشها أفرحت العلمانيين وجعلتهم يطمعون في أن يبسطوا أيديهم وأغْرتهم بأنّه لن يقف في وجههم أحد إن هم أساؤوا إلى الدّين وسبّوا النبيّ وطعنوا في المقدّسات، فالنّاس كلّهم إلا قليلا منشغلون بدنياهم! وقد آن الأوان لأن نعيد حساباتنا ونرتّب أولوياتنا ونجعل ديننا على هاماتنا وعلى رأس همومنا وأولوياتنا… من كان يظنّ أنّ معركتنا مع فرنسا قد انتهت فهو مخطئ، المعركة مع فرنسا مستمرّة، وهي الآن قد احتدمت أكثر، وليس يجوز لأحد أن يقعد ويتخلّف عن خوضها… كلمات الإمام محمّد البشير الإبراهيميّ –رحمه الله- التي قالها غداة الاستقلال ينبغي أن تظلّ ترنّ في آذاننا، فهي لا تزال صالحة إلى يومنا هذا، قال: “يا معشر الجزائريين: إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا –صلـى الله عليه وسلم- «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ”، فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه، وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها”.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post معركة الهُوية التي فرضت نفسها علينا appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk