معرض لديالا خضري في بيروت: خارج الشبكة والبحث عن اللوحة الناجية
تنطلق السردية التشكيلية للفنانة اللبنانية ديالا خضري من إطار مفاهيمي يقرأ مشهداً اجتماعياً مرتبطاً بأزمة الكهرباء في لبنان، وتحديداً ظاهرة اشتراكات المولدات الخاصة وما أنتجته من شبكة كهربائية كثيفة أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد البصري للمدينة. فالأسلاك المكشوفة، والتوصيلات العشوائية، تحولت إلى مكوّن بصري اندمج مع نسيج العمارة وأعاد تشكيل صورة بيروت في وعينا اليومي.
في معرضها في "غاليري آرت أون 56"، تنطلق ديالا خضري من واقع حاضر، من مشهد موجود مسبقاً لا يحتاج إلى إعادة إنتاجه بقدر ما يحتاج إلى تفكيكه وإعادة النظر إليه. لذلك لا تتمثل أهمية تجربتها في نقل الواقع أو توثيقه، بل في محاولة تحويله إلى مادة بصرية تكشف طبقاته وتمنحه قراءة جديدة.

على مستوى التنفيذ، يتراجع البعد المفاهيمي تدريجياً أمام ممارسة تشكيلية تعتمد على الرسم باستخدام القماش والورق والأكريليك. فالفكرة هنا تشكل نقطة انطلاق للعمل، لكنها لا تحدد مساره النهائي. إذ تتحول التجربة إلى بحث يقوم على العلاقة بين المادة واللون والإيقاع، مبتعدة عن الصيغة المباشرة للفن المفاهيمي. لذلك لا يظهر الجانب المفاهيمي بوضوح إلا في عمل واحد، بينما تتنقل بقية الأعمال على مساحات بين التجريد والتشخيص ثم التركيب مما يساهم في التشتت.

غير أن بعض الأعمال تبقى أسيرة المقاربة التوثيقية، حيث تطغى التفاصيل المباشرة على المعالجة التشكيلية، ويتراجع البعد التأويلي لمصلحة تسجيل بصري قريب من وصف الواقع. ففي لوحتي "With a View" و""Bifocal، على سبيل المثل، يهيمن حضور التفاصيل والعناصر المعمارية المتكررة، بحيث تصبح البنية الهندسية للمشهد أقوى من الفعل التشكيلي نفسه، فتقترب اللوحتان من تصور معماري أو دراسة بصرية أكثر من كونهما إعادة بناء فنية للواقع.

لوحة "Mornings" تبدو من الأعمال القليلة التي تنجو في تجاوز هذا الإطار. فهي تتخلى عن فائض التفاصيل وعن ازدحام العناصر، لتصل إلى تكوين أكثر اختزالاً يعتمد على درجات الرمادي وألوان الأرض. تكمن قوة هذا العمل في ابتعاده عن محاولة شرح الواقع أو تمثيله، وتحوله إلى مساحة مفتوحة على الغموض. هنا لا تعود اللوحة مجرد صورة لشيء نعرفه، بل تصبح تجربة بصرية تجعل علاقتنا بها غير مستقرة؛ فنحن لا نقرأها الا لنعيد اكتشافها في كل مواجهة معها. وفي هذه المسافة بين ما نعرفه وما لا نستطيع تحديده، تبدأ اللوحة في بناء حضورها الحقيقي.