معرض "تحفة النظار" يستعيد ذاكرة الرحالة ابن بطوطة في الدار البيضاء
يحتفي معرض جديد بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء بمرور سبعة قرون منذ تدوين رحلة ابن مدينة طنجة، الرحالة ابن بطوطة، صاحب “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، التي دوّنها ابن جزي في البلاط المريني بفاس، وكان له أثره في صياغتها.
معرض مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالبيضاء يهتم بـ”رحلة ابن بطوطة”، بوصفها أحد أهم نصوص أدب الرحلات في العالم، ويخصها بمعرض في مقره يقدم الطبعات العالمية للرحلة، وترجماتها، وما كتب عنها في مختلف لغات البحث الأساسية.
يذكر أن المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط قد أعلن في دورته 31 المرتقب تنظيمها متم شهر أبريل الجاري “الاحتفاء بشخصية ابن بطوطة”، الرحالة المغربي الذي “آمن من خلال رحلته الخالدة والعجيبة بأن علاقة الإنسان بالإنسان يجب أن تكون علاقة تعارف وتفاهم وسلام، مهما تباعدت الجغرافيات واختلفت الثقافات وتباينت اللغات”.
يقول المعرض الجديد إن ابن بطوطة قد انطلق في رحلته سنة 1325 “تحركه أشواق الحج إلى البيت العتيق، لم يكن يحمل مشروعا استكشافيا محددا منذ بداية الرحلة، بيد أنه أثناء السفر تنامت في وعيه مقاصد أخرى حفزته للشروع في تجواله الكبير الذي استغرق ثلاثين سنة”، و”كان مدفوعا بشغف ذاتي عميق لاكتشاف مجاهل الأرض، استجابة لعاطفة لا تقاوم ورغبة جارفة للتعرف على أمم وشعوب مختلفة”.
ويواصل المعرض: “قطع ابن بطوطة في رحلاته مائة وعشرين ألف كيلومتر تقريبا، شملت مساحة ما يزيد عن أربعين دولة بحسب الحدود الحالية للدول، تنتشر في نطاقات جغرافية قصية ضمن حدود دار الإسلام، التي لم يسع الرحالة إلى تجاوزها إلا في حالات محدودة: من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا والصين مرورا بجزيرة العرب، وبلاد الشام والعراق وفارس وشرق أفريقيا وآسيا الصغرى ووسط آسيا والهند وسيلان ومالابار وجزر المالديف، ثم الرجوع إلى المغرب، ومنه إلى الأندلس ثم إلى غرب أفريقيا”.
وفي البلاط المريني، بعد عودة ابن بطوطة إلى فاس مجددا سنة 1354، “اختاره السلطان أبو عنان المريني لحضور مجالسه التي كان يحضرها أعيان الوزراء والعلماء. فطفق ابن بطوطة يروي حكاياته في المجالس التي يدعى إليها، سواء في البلاط المريني أو في دور الأعيان مثلما جرى في غرناطة”، وهكذا سمع “أهل النظر والأمر” الصيغة الأولى من الحكايات، فـ”كلف أبو عنان كاتبه الأديب الغرناطي ابن جزي بتدوينها”، وهو ما استمر سنتين.
و”لقد كان لأبي عنان الفضل الأكبر في نقل الحكايات الشفهية لابن بطوطة من ذاكرة الراوي الشخصية، وحيز المستمعين من “نظار الوقت”، إلى نص مكتوب اخترق آفاق العالمية الواسعة، بعد أن أتمَّ ابن جزي في فبراير من عام 1356 عملية الكتابة والتدوين، “التي أدخلت نص الرحلة في دينامية ثقافية عالمية، شملت عدة عمليات، منها اكتشاف مخطوطات الرحلة ونشرها، اختصاراتها القديمة والمعاصرة، ترجماتها إلى لغات العالم ودراستها بمناهج متنوعة، فضلا عن تجارب معاصرة لمحاكاة الرحالة وتتبع مساراته، ثم انتهاء بترميز ابن بطوطة في بناءات رمزية متنوعة”.
ويوضح المعرض أن ابن بطوطة، الذي اشتغل بالقضاء في محطة من رحلته، “كان يدون تقاييد أثناء تنقلاته، ضاع أكثرها في نوائب السفر”، و”تحتفظ له مكتبة الأزهر الشريف بمخطوطة نسخها بخطه عام 1327م بدمشق، من كتاب ‘المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم’ لأحمد بن عمر الأنصاري القرطبي دفين الإسكندرية (ت. 1358م)، بقي منه مجلدان، وفُقد الثالث”.
ويكشف المعرض لعموم متابعيه أن “رحلة ابن بطوطة قد أهملت وغابت عن مدونة النصوص المتداولة في الثقافة العربية، وإن كانت قد نسخت منها عدة نسخ، أحصى منها عبد الهادي التازي نحوا من ثلاثين مخطوطة”، ثم يتابع أن التازي محقق الرحلة في أجزاء عن أكاديمية المملكة المغربية قد رجح كون المشرق العربي قد عرفها “خلال القرن السادس عشر، إلى أن قام بتلخيصها الأديب الحلبي محمد بن فتح الله البيلوني الذي عاش في القرن السابع عشر، وسمى عمله ‘المنتقى من رحلة ابن بطوطة’، ومن خلاله تعرف الرحالة الأوروبيون عن الرحالة المغربي، أمثال زيتسن وبوركهارت اللذين يرجع إليهما الفضل في نقل منتقى البيلوني إلى أوروبا، فصار ابن بطوطة اسما متداولا في أوساط الاستعراب الأوروبي. ولم يُعثر على أصل الرحلة إلا في القرن التاسع عشر، حين اكتشف المستشرقان الفرنسيان دفريمري وسانغنتي المخطوطة الكاملة بمدينة قسنطينة، وقاما بطباعتها سنة 1853م، ولا تزال هذه الطبعة الفرنسية تمثل الأساس النصي الذي قامت عليه فيما بعد جميع الأبحاث عن رحلة ابن بطوطة، كما ذكر العلامة الروسي كراتشوفسكي”.
وتبقى “رحلة ابن بطوطة” “شهادة ذاتية حية عن المدى الواسع الذي بلغته جغرافيا دار الإسلام وترابط أقاليمها عبر شبكات كثيفة من العلماء والمتصوفة والتجار، ترتبط فيما بينها بأنماط متنوعة من روابط التواصل والتبادل والرحلات والعلاقات الثقافية والروحية، وتَنْشط هذه الشبكات في فضاءات المدن والحواضر التي شكلت آنذاك نظاما عالميا مفتوحا”، ورغم أن ابن بطوطة “اعتنى بوصف أنماط مختلفة من الظواهر الاجتماعية والممارسات الثقافية (…) إلا أن أهم ما تكشفه الرحلة، حسب المؤرخ الأمريكي روس إ. دان، هو قدرة الإسلام الهائلة على التكيف مع ثقافات إنسانية متعددة ومتنوعة، ضمن أقاليم العالم الإسلامي المترابط خلال القرن 14 الميلادي، أي ضمن عولمة مبكرة عمادها عالم الإسلام الممتد من ساحل المحيط الأطلنتي لإفريقيا الغربية إلى الجنوب الشرقي لآسيا، ولم يكن ابن بطوطة إلا مواطنا كونيا، ضمن هذا العالم الفسيح”، وفق دليل المعرض الجديد بالدار البيضاء.
The post معرض "تحفة النظار" يستعيد ذاكرة الرحالة ابن بطوطة في الدار البيضاء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.