معراج الحلاج

يجب على المريد أن لا يتكلم إلا بعد الالتزام، والتسليم غير المشروط، بما جاء في دستور شيخه، الشامل لتعاليمه وإرشاداته، إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا لزم عليه أن يستأذنه بالقلب، حتى لا يخرج عن تعاليمه، الكاشفة لطبيعة العلاقة به؛ فإن التزم بذلك، فقد استجاب طوعا لما هو مطلوب منه، وحينذاك يكون ثوابه وحصاده رضا شيخه. وفي حالة إذا خرج عن ذلك، وأعلن تمرده وسخطه؛ فلا صلة له بتعاليم التصوف، ولا يمكن أن ينال الرضا المنشود، والمحقق للنفحات الصوفية المبتغاة، حسب ما هو سائد لدى شيوخ التصوف. ولست أظنني بحاجة إلى التوكيد بأن شرط التأدب بشيخ من الواجبات على المريد، حسب رسالة القشيري، فإن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبدا، وفي هذا المنوال، يستحيل إخضاع تحركات الحلاج ” أبو المغيث الحسين بن منصور بن محمي.. البيضاوي” ( 244ه- 309ه ) لما تمت الإشارة إليه، بحجة إصراره على الخروج عن دائرة نهج شيوخه الذين أخذ عنهم منطلقات التصوف؛ ولم يتردد في رمي الخرقتين، خرقة لعمرو المكي، والأخرى للجنيد(255ه) الذي ألبسه بيده خرقة التصوف، ورغم كل ذلك لم يتخذ توجهاته بعد ذلك سبيلا.

***

لا يقر الحلاج أصلا بالولاية، أي القرب من الله – وهي كالنبوة تأتي من الله بالاجتباء أو التفضل – بل يصر على الاستخفاف بها والانصراف عن ألقابها، بحكم أن المشيخة والولاية لا تعني له شيئا، رغم أن الطريق الصوفي طريق وعر شائك، والحاصل أنه استقل بنفسه، وأخذ يسلك الطريق وحده، ويجاهد نفسه ثم يدربها، بشكل يثير الذهول. وقدغدت الولاية صفة قدحية، بنظر الحلاج، وهذا ما يمكن التوصل إليه من خلال قوله ” إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون علي بالكفر أحب إلي وإلى الله من الذين يقرون لي بالولاية”. وأكثر شيوخ التصوف آنذاك نفى أن يكون الحلاج منهم وأبى أن يعده فيهم و “رده أكثر المشايخ، ونفوه وأبوا أن يكون له قدم في التصوف”، واتهموه بالسحر، ولم يجد حرجا في الرد عليهم بأنه تعلم السحر ليدعو الخلق إلى الله به، سيما في هذه الفترة التي انتقل فيها التصوف من مرحلة التجارب الفردية المتفرقة إلى مرحلة بناء حلقات جماعية، شكلت بالأساس في بغداد تحديدا ظاهرة عامة تهتم بأمور الدين والسياسة.

ذلك أن المتصوفة في هذه الفترة بالذات، ابتعدوا عن محيط المؤسسة الدينية الرسمية، بسبب تصوراتهم تجاه الحق والعدالة والإنسان. وقد كثر أتباع الحلاج لأنه يحْظَى بالقَبول، وكان يصحبه المؤمنون بنهجه، ويكاتبونه من شتى بقاع الأرض، فمن الهند يكاتبونه ب”المغيث”، ومن بلاد تركستان ب”المقيت”، ومن خراسان ب”المميز”، ومن فارس ب”أبي عبد الله الزاهد”.

***

لقد ابتدع الحلاج لنفسه طريقا خاصا به، يروم في جوهره تحقيق الكمال القلبي والخلقي، واتصال روحه بربه اتصال حب وشوق وفناء، وهذا يسمى ب “معراج الحلاج”، وهو معراج يتفرد في تاريخ الحياة الروحية بسمات لم تعرف سواه. وقد جعل الحلاج كل ما له صلة بالمحبة طريقا للوصول إلى المعرفة الحقة، وهي المعرفة القلبية، ولاتتم المعرفة الإلهية بشكل عام، كما جاء عند المتصوفة بطريق دلائل العقل ولا شواهد النقل فحسب؛ بل بالذوق وهو وحده وسيلة المعرفة، ومصدرها معرفة الله وصفاته وما يجب له.

فالذوق هو الذي يقَوّم حقائق الأشياء، ويحكم عليها بالحسن أو القبح بأنها حق أو باطل، ولذلك قال:

وطار قلبي بريش شوق مركب في رياح عزمي

إلى الذي سألت عنه رمزت رمزا ولم أُسم

وما كانت للحلاج القدرة على ستر وكتمان أسرار المحبة؛ حيث كان يفيض بها شطحا في المساجد والأسواق، وبهذا البوح لقب بالحلاج لكشفه أسرار القلوب ( حلاج الأسرار)، وثمة من قال بسبب مهنة أبيه في حلج القطن، وسواء أكانت دلالة التلقيب مادية أو رمزية فالمدلول واحد. وقد عيب على الحلاج بوحه، وعد ذلك تجاوزا، فما بين السالك وربه من محبة ينبغي كتمانها، ولكنه – على خلافهم – تمثل البوح بالسر ” ترجمانا إلى السر”.

هذا حال الصوفي العاشق الذي يستند إلى الجرأة، وقد نحا الحلاج بها منحى كلاميا عميقا، حين تعدى تقييمه للعشق مجرد اعتباره سرا لمعرفة الحق ليعده سر الوجود وحقيقته. ولولا العشق الإلهي لما بدا الحق كونا “ناسوتيا”؛ وهذا ما عبر عنه بكلماته المشهورة” أنا الحق” كما نطق بقوله:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا

فــإذا أبصرتني أبصرتــه وإذا أبصرته أبصرتنا

***

أثارت كلمات الحلاج هاته حفيظة المعاصرين له، فأدانوه بكلمتي الحلول – المزج، لما فيها من دعاوى نصرانية، بحلول الله بالبشروامتزاجه بهم، وقد استثقلوا كلامه حول “اللاهوت” و”الناسوت” لنفس السبب. وقد آمن الحلاج بأن التصوف يمكن أن يهيمن على هذه المذاهب الفكرية المتعارضة، ويوحدها في منهجه الإيماني، كما يملك القدرة على محو هذه العصبيات الجامحة بروحانيته العالية، وتجاوز الصراع الفكري وسيادة الظلم، وشدة العصبيات بين الفرس والترك والعرب وبين القبائل العربية. والتصوف بطبيعته النقية، بنظر الحلاج يملك القدرة على محاربة الترف والفساد والسيطرة التي فرضتها الخلافة العباسية على المجتمع الإسلامي، وقد سعى إلى تقديم نفسه ضحية عن الآخرين؛ ومن أجل خلاصهم قال ” تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي”؛ وعلى الصليب أهدى مهجته ودمه، وعلى الصليب أيضا طلب المغفرة لقاتليه لمَّا قال ” قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك، وتقرباً إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لَمَا فَعلوا”.

فالحلاج إذاً على قناعة ذاتية بأن صلبه وعذابه هما من مشيئة ربه، بعدما استشرف موته صلبا؛ ولذا قال” وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي ما رجعت عن دعواي”، ويبدو هذا واضحا من خلال قوله:

والله، لو حلف العشاق أنهم موتى من الحب أو قتلى، لما حنثوا

لا شأن للحلاج إذن بالتقية؛ فلم يتخذها منهجا له في حياته الروحية والسياسية، بل تكلم بكل جرأة، وعانى ما لم يعانه أحد من المتصوفة؛ حيث اتهم واضطهد، وسجن ثماني سنوات في بغداد، ثم صلب وقطع رأسه، كما تم تحريق جسمه وذر رماده.

The post معراج الحلاج appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress