معادلة "الضاحية مقابل شمال إسرائيل" صمدت... الجولة الرابعة للمفاوضات تناقش تثبيت وقف النار
وسط أصداء شديدة التناقض والغموض والشكوك حيال "وقف نار" ارتجله الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الاثنين، وأدى إلى "ترحيل" ضربة إسرائيلية كانت على وشك الحصول للضاحية الجنوبية من بيروت، انعقدت الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، من دون أوهام كبيرة في إمكان تثبيت وقف النار الجزئي وتوسيع إطاره إلى وقف نار شامل كما كان يأمل الجانب اللبناني ويطالب به. ولكن تثبيت وقف النار وتوسيعه بدأ بمثابة الاختبار الأساسي للجولة التي تستمر اليوم أيضاً، فيما فرضت الوقائع الميدانية التي شهدها الجنوب أمس مزيداً من الشكوك في صمود وقف النار، في انتظار ما إذا كان الوفد الأميركي الذي يرعى المفاوضات سيطرح مقاربات واقتراحات تستكمل الضغط الكبير الذي مارسه الرئيس الأميركي لفرض وقف النار الهش، وتحويله إلى واقع صلب على أساس تقوية موقع الدولة اللبنانية. واللافت أن أجواء تفاؤلية نسبياً سادت كواليس الجولة الرابعة انطلاقاً من مبادرة ترامب لوقف النار، إذ تردّد أن التركيز جرى حول خطة لتثبيت وقف النار لمدة ستين يوماً، كما تردّد أنه جرى طرح سحب "حزب الله" من جنوب الليطاني إلى شماله وإعادة انتشار الجيش اللبناني، ولكن من دون اتّضاح ما إذا كان الطرح لحظ انسحاب إسرائيل في وقت متزامن.
ونقل عن مصدر ديبلوماسي غربي في هذا السياق، أنه لا يجب أن تُعطى إيران الكلمة الفصل في ما يتعلق بالملف اللبناني، مشددًا على ضرورة عدم ربط مصير لبنان بمحادثات إسلام أباد. وأشارالمصدر إلى أن توجّه الولايات المتحدة نحو اتفاق مع إيران دفع إسرائيل إلى التصعيد في لبنان، في ظل التداخل بين المسارات الديبلوماسية والتطورات الميدانية، وأن واشنطن تدفع في اتجاه تطورات إيجابية بشأن لبنان، بما يفتح المجال أمام خفض التصعيد وإيجاد مخرج سياسي للأزمة.
وتعزّزت التقديرات بازدياد الضغط الأميركي مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات "أننا تلقينا اتصالات عبر حكومة لبنان ورئيس برلمانه نيابة عن "حزب الله" بأنه لن يهاجم إسرائيل ما لم تهاجم بيروت".
وكشفت "هيئة البثّ الإسرائيليّة" أنّ المفاوضات مع لبنان "تسير بشكل جيّد"، وأشارت إلى "وجود توافقات" مع الوفد اللبنانيّ. وأضافت أنّ "قوات أميركية ستتولى تدريب الجيش اللبناني وتأهيله".
وأكّدت أنّ "إسرائيل لن تُهاجم بيروت، لكن لن تنسحب من الأماكن التي تحتلّها". وأوضحت أنّ تعليمات ترامب هي احتواء التصعيد في لبنان، وقد وجّه بعدم تحويل لبنان لورقة تفاوض بيد إيران.
كما أن مصادر بعبدا توقّعت قبيل الجولة أن تؤدي إلاتصالات التي أجريت الاثنين الماضي إلى إراحة أجواء التفاوض، ولفتت إلى أن مطلب الوفد اللبناني هو وقف شامل لإطلاق النار، وواضح أن الفرصة باتت أكبر بعد اتصالات يوم الاثنين. ولفتت إلى أنه على "حزب الله" أن يعلن إذا وافق أم لم يوافق على اتفاق تحييد الضاحية مقابل وقف ضرب شمال إسرائيل، مؤكدة أن كل التواصل مع المعنيين من "حزب الله" أو الرئيس نبيه برّي يحصل بشكل مباشر. وأشارت المصادر إلى "أن هناك ظروفاً مادية وواقعية فرضت هذه الصفقة وسننطلق منها للذهاب نحو توسيع مسار التفاوض، والوفد اللبناني جاهز لمناقشة أيّ مسّودة لإعلان النيات، والتراجع حصل سابقاً من الجانب الإسرائيلي بعدما تبيّن أن وجهة نظر لبنان كانت راجحة".
أما في مدى ترجمة وقف النار، فبقي الوضع الميداني أمس على الكثير من الهشاشة ولكن مع تراجع واضح في وتيرة إطلاق "حزب الله" صواريخ ومسيّرات في اتجاه شمال إسرائيل، عملاً بمعادلة تحييد الضاحية مقابل الامتناع الكامل عن استهداف شمال إسرائيل، فيما استمرت الضربات الإسرائيلية في الجنوب. وقد جدّد الجيش الإسرائيلي إنذاره سكان مدينة النبطية، داعياً اياهم إلى إخلاء منازلهم والانتقال إلى شمال نهر الزهراني. كما واصلت إسرائيل تهديداتها. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "أنّ إسرائيل ستهاجم الضاحية معقل "حزب الله" إذا استمرت الهجمات علينا". وأضاف: "لن نقبل بقصف الشمال دون ردّ قوي على ضاحية بيروت". وأشار إلى أن "نشاط الجيش داخل لبنان سيستمر في جميع الأحوال". ولفت إلى أن "الولايات المتحدة تبنّت معادلاتنا الجديدة وأبلغت بها حكومة لبنان"، مضيفاً، سيتّضح في الأيام المقبلة إذا ما كان القصف على الشمال سيتوقف أو سيستمر، فنبدأ بمهاجمة الضاحية". وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنه "رغم تجديد إعلانات وقف إطلاق النار يواصل "حزب الله" انتهاكه، وهذه الانتهاكات المستمرة لوقف إطلاق النار غير مقبولة". وأعلن الجيش الإسرائيلي أن "قواتنا تواصل عملياتها في جنوب لبنان وهاجمت مخازن أسلحة ومقار وبنى تحتية تابعة لحزب الله"، كما أعلن لاحقاً أن وحدات منه عبرت نهر الليطاني ونفّذت عمليات للسيطرة على زوطر الشرقية والغربية. ووجّه الجيش الإسرائيلي مساءً تحذيراً بإخلاء الحي المسيحي في صور، قائلاً إنه رصد عشرات العناصر التابعة لـ"حزب الله" داخل الحي ودعا أهالي الحي إلى اخراج العناصر من المنطقة.
وقبيل انعقاد جولة المفاوضات، قال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام: "يبقى المطلوب تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان، وأكرر أن المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين. وتكون طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مدنهم وقراهم، كلما توحّدت كل الجهود تحت سقف الدولة".
وبدوره اعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري أن "الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به"، بحسبما نقلت "روسيا اليوم" عن صحيفة "نيويورك تايمز". وشدّد على أن "حزب الله منفتح على وقف إطلاق نار حقيقي"، موضحاً أن "الحاجة الحالية تكمن في تحقيق وقف لإطلاق النار، بغض النظر عما إذا كان الاتفاق منفصلاً عن إيران أو مرتبطا بها".
أما التطور الداخلي البارز أمس، فتمثّل في انعقاد القمة الروحية الإسلامية – المسيحية في دار طائفة الموحدين الدروز. ومع أن بعض كلمات الرؤساء الدينيين عكست التباينات العميقة حيال سلاح "حزب الله" ضمناً، فإن البيان الختامي خرج بنص تسووي، إذ تضمّن "تأييد الدولة في سعيها من أجل بلورة حلول تحفظ حقوق لبنان والعمل الحثيث لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار"، معتبراً أن "مواجهة العدوان تتطلب وحدة وطنية راسخة وعميقة متجذرة في كيان الدولة ومؤسساتها وينبثق منها القرار الوطني الحر والجامع". ولفت إلى أن "استفراد العدو الإسرائيلي في مناطق محددة في لبنان قتلًا وتهجيراً واحتلالاً، لا يعني أنّ المناطق الأخرى تنعم بالأمان"، لافتاً إلى أن "جميع اللبنانيين معنيّون بالدفاع عن بلدهم في إطار الدولة الحاضنة والمسؤولة ومواجهة العدوان تتطلّب وحدة وطنية".