مطالب بتشريع مغربي لحماية الأطفال من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي تقتصر اليوم على كونها فضاء ترفيهيا يرتاده الكبار، بل باتت بيئة يومية يعيش فيها الأطفال واليافعون قبل أن يتعلموا كيف يتعاملوا معها، إذ أصبحت هذه الوسائط رفيقة الطفل منذ سنواته الأولى، تشكّل مداركه، وتصنع صورته عن نفسه وعن العالم.

وفي ظل تأثيرها على الأطفال واليافعين بادرت العديد من الدول إلى تقنين استخدام “السوشل ميديا” لدى هذه الفئة. وكانت أستراليا أول من اتخذ هذه الخطوة في دجنبر الماضي، قبل أن تليها العديد من الدول، كبريطانيا التي أعلن رئيس وزرائها بداية هذا الأسبوع عن أن بلاده تعتزم حظر مواقع التواصل الاجتماعي على من تقل أعمارهم عن 16 عاما، لافتا إلى أن القرار سيشمل على وجه الخصوص تطبيقات “سنابتشات” و”يوتيوب” و”تيكتوك” و”إنستغرام” و”فايسبوك” و”إكس”، دون أن يشمل تطبيقات المراسلة كـ”واتساب”.

بدورها أضحت دولة الإمارات أمس الخميس أول دولة عربية تنظم ولوج الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، معلنة عن حظر استخدام “السوشل ميديا” للأطفال الذين يقل عمرهم عن 15 سنة، وذلك استنادا إلى بيان نشره الموقع الرسمي لوكالة الأنباء الإماراتية.

وينص القرار ذاته على إيجاز استخدام من تتراوح أعمارهم بين 15 و16 سنة هذه الوسائط شريطة إخضاع حساباتهم لتدابير حماية خاصة تتضمن تصنيف وتقييد المحتوى وفق الفئة العمرية، إلى جانب تعطيل الخصائص “عالية المخاطر”، كالتفاعل مع المستخدمين غير المعروفين، علاوة على تنظيم مدة الاستخدام، وتوفير أدوات للرقابة الأبوية.

وفي ظل هذه المعطيات يرى خبراء مختصون أنه آن الأوان أن يبادر المغرب بدوره إلى اتخاذ إجراءات تقنن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى الأطفال واليافعين، ولا سيما أن إحصائية سابقة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كانت كشفت أن نسبة استخدام الأطفال دون سن 18 سنة منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب بلغت 97 % مع مطلع عام 2024.

إدمان يسائل المؤسسات

محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير “حاتم”، وخبير في المساءلة المجتمعية، يرى أن إدمان الشاشات يسائل عدة مؤسسات في المغرب، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات السياسية أو التشريعية أو التربوية أو الإعلامية والتواصلية.

وأضاف العوني، في تصريح لهسبريس، أن العديد من الدراسات أكدت أن إدمان الشاشات عامة ووسائط التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص أدى إلى بروز العديد من الظواهر الجديدة، المعبر عنها بأشكال وصفها بـ”المخيفة جدا”، من ضمنها عدة مظاهر ترتبط بالتخلي عن القيم والأخلاق والترويج للإجرام والإضرار بالذات وبالآخرين، مشيرا إلى أن هذه المظاهر تجسدت عبر مخاطر صحية سواء جسدية أو نفسية أو ذهنية، وموضحا أن هذه التأثيرات لم تعد مجرد تهديد، بل أصبحت واقعا متجسدا يمس أجيالا بكاملها، وأن هناك توجها عالميا متزايدا لحماية الأطفال من هذه المخاطر.

وشدد المتحدث ذاته على أن منظمة حريات الإعلام والتعبير “حاتم” لم تكن لتؤيد تقنين استعمال الأطفال واليافعين وسائل التواصل الرقمية لولا ما وصفه بـ “تغول” الشركات التي أصبحت الأضخم في العالم، والمتحكمة في كل ما هو مرتبط بالرقمنة واستخدام الهاتف والأنترنيت والتكنولوجيا الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أنها استغلت هذا الأمر لتحقيق “أرباح خيالية” اعتبر أنها “غير معتمدة على أي أساس سوى التوحش الرأسمالي”.

استخدام مفرط

بدوره شدد محمد النحيلي، رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب وخبير في قضايا الطفولة والشباب، على أن قضية تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال تجاوزت حدود النقاش التربوي التقليدي، لتتحول إلى واحدة من أكبر معارك حماية الطفولة في العصر الرقمي، موردا أن خلف الواجهات البراقة للتكنولوجيا وسهولة التواصل الفوري تعمل خوارزميات معقدة على استقطاب الأطفال واستبقاء انتباههم لأطول فترة ممكنة، ضمن نماذج اقتصادية تقوم أساسًا على “تعظيم التفاعل وزيادة الأرباح”.

وأردف النحيلي، في تصريح لهسبريس، بأن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طريقة تعاطي الحكومات والمؤسسات الدولية مع هذه القضية، مشيرا إلى أنه بعد عقود من الاحتفاء “غير المشروط” بالتكنولوجيا الرقمية واعتبارها فضاءً للحرية والانفتاح والتعلم بدأت تتزايد الأصوات المطالبة بفرض ضوابط قانونية أكثر صرامة، لحماية الأطفال من الآثار السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، ولافتا إلى أن عدة دول، من بينها أستراليا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى، اتخذت أو تدرس اعتماد إجراءات تهدف إلى رفع سن الولوج إلى بعض المنصات الرقمية أو فرض آليات صارمة للتحقق من السن وتعزيز الحماية الرقمية للأطفال.

وتابع المتحدث ذاته بأن هذه التوجهات لم تأت من فراغ، بل استندت إلى تراكم علمي وحقوقي متزايد يؤكد أن الاستخدام “المفرط وغير المؤطر” لمواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي والتنمر الإلكتروني لدى الأطفال والمراهقين، مبرزا أن هذه المنصات أصبحت فضاءات خصبة لمختلف أشكال الاستغلال الرقمي، بما في ذلك الاستدراج الإلكتروني والابتزاز وانتهاك الخصوصية والتعرض للمحتويات العنيفة أو غير الملائمة للفئات العمرية الصغيرة.

وأورد الخبير في قضايا الطفولة أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية لم تعد خيارًا سياسيًا أو أخلاقيًا فحسب، بل هي “التزام قانوني” تفرضه المرجعيات الدولية والوطنية، مستدلا في هذا السياق بالمادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي تنص بوضوح على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع القرارات والإجراءات المتعلقة به، كما تؤكد المادة التاسعة عشرة التزام الدول بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف والإساءة والاستغلال، بينما تدعو المادة السابعة عشرة إلى اتخاذ التدابير المناسبة لحماية الأطفال من المعلومات والمواد التي قد تكون ضارة برفاههم ونمائهم.

وخلص محمد النحيلي إلى أن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في الحد من ولوج الأطفال إلى التكنولوجيا، بل في ضمان استفادتهم منها في بيئة آمنة تحترم حقوقهم وتصون كرامتهم وتحمي صحتهم النفسية ونموهم الاجتماعي، مجددا التأكيد على أن أي تأخر في اتخاذ التدابير الضرورية قد يحمل كلفة اجتماعية وتربوية ونفسية باهظة، ومعتبرا في هذا الصدد أن فتح ورش وطني لتقنين استعمال الأطفال مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد “ترفا تشريعيا”، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها مسؤولية الدولة والمجتمع في ضمان المصلحة الفضلى للطفل وحماية أجيال المستقبل.

وكان وزير الشباب والثقافة والتواصل كشف في شهر ماي من السنة الماضية، خلال تقديمه عرضا أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أن الوزارة تشتغل على إعداد الإطار القانوني الذي يهدف إلى توسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لتمكينها من ضبط وسائل التواصل الاجتماعي وفق منظور يجمع بين حرية التعبير، حماية الجمهور، والعدالة الرقمية، مع إعطاء أهمية قصوى لدور الدولة في حماية الجمهور من التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي، وتفعيل آليات التعديل الذاتي والرقابة المؤسسية.

The post مطالب بتشريع مغربي لحماية الأطفال من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress