مصطلحات إعلامية بحاجة إلى تصويب
يستنزف البث المباشر مدى 24 ساعة طاقات المحطات التلفزيونية وموازناتها. تكلفة البث والبرمجة مرتفعة جداً لا تتحملها إلا المؤسسات الضخمة التي تحظى بنسبة إعلاناتٍ كبيرة وبدعم من دول ومتمولين لغايات معروفة. الفضاء له ثمن تدفعه المحطات لأصحاب الأقمار الاصطناعية وشبكات الإنترنت ومواقع التواصل وأخيراً للذكاء الاصطناعي، عدا أكلاف التشغيل الروتينية والبرامج والكادر البشري...
تلجأ المحطات التلفزيونية (والإذاعية) في البلدان الفقيرة (لبنان نموذجاً) إلى ملء الهواء ببرامج قليلة التكلفة على مدار اليوم، تقوم على مقدم وضيف أو مجموعة ضيوف يثرثرون طوال النهار ويكررون الكلام نفسه من برنامج إلى آخر وينتقلون من شاشة إلى أخرى، وقد يظهرون في اليوم نفسه أكثر من مرة. وتحرص المحطات على استضافة شخصياتٍ إشكالية أو تثير إشكاليات، وغالباً من أصحاب المواقف المتطرفة والمتعصبة لهذه الجهة أو تلك من الجهات السياسية المتصارعة في حربٍ إعلامية ونفسية لا هوادة فيها. لكن، للإنصاف، لا بد من الإشارة إلى وجود بعض البرامج والشخصيات المعتبرة والمتمتعة بمستوى من الموضوعية والرصانة والفهم الصحيح والواقعي للأمور.
لم تعد المعلومة ذات أهمية، الأهم الرأي. برامج رأي لا برامج معلومات، لم يعد الجمهور مهتماً بالمعلومة التي يقدمها المتحدث بل بحضوره ولهجته وبمدى قربه من رأيه الشخصي ورأي جماعته الطائفية والحزبية، وعليه أصبح كثيرون (وليس الجميع كي لا يظلم أصحاب الكفاءة) نجوماً تلفزيونيين وشخصيات عامة تلهج بها الألسن (مدحاً أو ذماً أو سخرية أو كرهاً)، رغم ضآلتهم الفكرية وضعف قدراتهم التحليلية.
ومن غرائب تلك الفورة من "نجوم" البرامج التلفزيونية التسميات التي يطلقونها على أنفسهم أو تطلقها عليهم المحطات للضحك على الجمهور المأخوذ بالألقاب المعظّمة رغم المبالغة السافرة فيها. من نماذج ذلك:
-باحث في الشؤون الإيرانية أو الإسرائيلية أو الدولية أو الأفريقية... الباحث هو لقب علمي يحصل عليه صاحبه بالبحث المنهجي المعترف بقواعده عالمياً، وغالباً البحاثة يبدأ عملهم البحثي الحقيقي في مرحلة الماجستير في اختصاص ما وما فوق. ولكي يكتسب الأكاديمي لقب باحث عليه أن ينشر أبحاثاً في مجلاتٍ علمية محكمة معترف بها. لكن لقب باحث على بعض الشاشات بات يغدقه مقدم البرنامج أو مقدمته مجاناً على أي ضيفٍ يرغب في نفخ سيرته وتعظيم أهميته وصدقيته.
- باحث استراتيجي، وما أكثر من يطلق عليهم هذا اللقب، خصوصاً من العسكريين المتقاعدين الذين لم تعرف عنهم انجازات عسكرية مهمة، الاستراتيجيا مصطلح كبير جداً يختص بدولٍ ومؤسسات كبرى لا بمسائل محلية صغيرة وضيقة. ثم أن إغداق لقب استراتيجي على صاحب رأي سياسي أو غير سياسي غير ملائم معرفياً ولغوياً، والأصح أن يقال باحث (أو محلل) في الشؤون الاستراتيجية، إذا كان فعلاً يملك معرفة بحثية حقيقية في هذه الشؤون لا مجرد متابعة للصحف اليومية ونشرات الأخبار.
- كاتب في شؤون معينة... الكاتب هو من امتهن مهنة الكتابة المعمقة ويطرح رؤى وافكاراً في القضايا المطروحة تترك أثراً وله مؤلفات في هذه القضايا، إما الكاتب الصحافي فهو كاتب المقالات التي تصبح مرجعاً في ميدانٍ ما لما تحمله من معلومات ورؤى نظرية متقدمة، وبالطبع ليس كل من كتب خبراً أو رأياً أصبح كاتباً. وما أكثر من كلمة كاتب التي تذيل أسفل الشاشة تحت صورة المتكلم الذي ربما لم يكتب شيئاً ذا قيمة في حياته. ولعل بعض من تطلق عليهم هذه التسمية هم مجرد "حكوجية" لا يجيدون الكتابة الصحيحة.
- مختص بشأن معين أو خبير، وهو الشخص الذي درس ها الشأن بشكل معمق حتى أصبح مرجعاً فيه ويملك معلومات واسعة عنه، وهذه المعرفة يجب أن تكون مثبتة بالشهادات أو المؤلفات والأبحاث لا بمجرد القدرة على إطلاق بعض المعلومات المجمعة على عجلٍ من "غوغل" و"ويكيبيديا" وغيرهما من محركات البحث، ولا من الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يحلل ويكتب غب الطلب.
تطول اللائحة التي تضم في ثنايا تسمياتها محرضين ومضللين ومسترزقين ومنتحلي صفة ومتاجرين ومهرجين وأبواقاً و...
ماذا لو أرفقت المحطات سيرةً ذاتية بكل متكلم على شاشتها وإنجازاته البحثية الاستراتيجية وغير الاستراتيجية الموثقة وشهاداته العلمية واختصاصاته؟