مصطفى العرش: الجسد هو شاشة الروح .. والفنان لا يرسم تحت الطلب

لا يتعامل الفنان التشكيلي المغربي مصطفى العرش مع الجسد بوصفه موضوعا بصريا، وإنما باعتباره فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والسلطة والهوية وأسئلة الوجود، ففي أعماله تتحول اللوحة إلى مساحة للتأمل، ويغدو اللون وسيلة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، بينما يظل الرمز مدخلا لقراءات متعددة لا تنتهي.

وتقارب تجربة العرش الإنسان في هشاشته، بعيدا عن المباشرة أو الشعارات؛ إذ تتداخل في لوحاته الأبعاد الجمالية والفكرية، ويتحول الجسد إلى سجل يحمل آثار الزمن والخوف والأمل، في رؤية تجعل الفن فعلا معرفيا بقدر ما هو ممارسة إبداعية.

في هذا الحوار مع جريدة هسبريس، يتحدث مصطفى العرش عن فلسفة الجسد في أعماله، وحدود العلاقة بين الفن والحرية والسلطة، ومكانة الرمز في تجربته التشكيلية، كما يقدم رؤيته لمستقبل الفن المغربي في ظل التحولات الرقمية، مؤكدا أن اللوحة لا تمنح أجوبة نهائية، وإنما تدعو إلى إعادة النظر في الإنسان والعالم.

نص الحوار:

تبدو أجساد المرأة والرجل في أعمالك أبعد من كونها موضوعا تشكيليا، فهي تتحول إلى لغة بصرية تحتج وتقاوم وتفكر. ما الذي يقوله الجسد في لوحات مصطفى العرش ولا تستطيع الكلمات قوله؟

في تجربتي التشكيلية هاته لا يمثل الجسد الإنسان في ذكوريته أو أنثويته، ولكنه انعكاس لحالته الوجودية، حيث يمكن اعتبار الجسد هو النص الأول الذي كُتب قبل اللغة، مُحَمّلا بآثار الذاكرة والزمن، والخوف والأمل معا، لهذا تجد أجسادي منحنية أو منهزمة أو مرهقة أو مندهشة أو رافضة، أو معلقة بين السكون والحركة، وذلك راجع للصراع الذي يعتمل داخلها.

وأعتقد أن الجسد يبوح أحيانا بما يعجز اللسان عن الإفصاح عنه، عبر وضعيته وثقله وصمته، فأجسادي لا تُصرِّح، لكنها تترك وقعا يجعل المتلقي يسمع ذلك الصمت.

ينظر كثيرون إلى تجربتك بوصفها مواجهة مع الحدود الفاصلة بين المقدس والمدنس، وبين الحرية والرقابة، وبين المسموح والممنوع. إلى أي حد تعي هذا الاشتباك، وهل تعتبره خيارا جماليا أم قدرا يفرضه الفن الحقيقي؟

كوني أشتغل على الجسد العاري، فليس لغاية إغوائية أو إيروتيكية تتعمد الاستفزاز، بقدر ما يهمني هو مساءلة الإنسان في هشاشته، والجسد هنا جزء من المساءلة.
فنحن عندما نفرض الرقابة على الجسد، يفقد المجتمع فرصة لفهم ذاته.

وفي المقابل، لا يقدم هذا الطرح أجوبة جاهزة، وإن بدا طرحي وكأنه يشتبك مع المحظور والمقدس والسلطة، فذلك لأن الحياة نفسها مليئة بهذه التوترات.

وهذا ليس خيارا لإثارة الجدل، ولكنه نتيجة طبيعية للبحث الفني التشكيلي.

تحضر السياسة في لوحاتك دون شعارات، كما يحضر المقدس دون وعظ، ويظهر الاجتماعي دون مباشرة. كيف تنجح في تحويل القضايا الكبرى إلى خطاب بصري يظل مفتوحا على التأويل بدل أن يتحول إلى بيان أيديولوجي؟

يحيلنا هذا السؤال على مفهوم المثقف العضوي للمفكر الإيطالي غرامشي، الذي يعني أن الفنان أو المثقف لا ينفصل عن هموم مجتمعه في برجه العاجي، ولكنه يستخدم أدواته لإحداث تغيير إيجابي، وتحسين الوعي الثقافي والاجتماعي.

فأنا إلى حد ما كذلك، إلا أنني أفضل في تجربتي التشكيلية الرمز عن الشعار، والإيحاء عن التصريح، فحين تتحول اللوحة إلى خطاب مباشر، تفقد جزءا من قوتها وطاقتها الشعرية.

لذلك أترك الأجساد والمفردات التشكيلية التي تؤثث فضاء اللوحة من: كتابات، زخارف، أرقام، عناصر نباتية، وفراغات تتجاور داخل هذا الفضاء دون أن أفرض تفسيرا معينا، إيمانا مني بأن المتلقي يجب أن يكون شريكا في إنتاج المعنى لا أن يكتفي بتلقيه.

فالتعبير التشكيلي بالنسبة لي مساحة للتفكير والتفاعل الحر، ليس بيانا سياسيا.

الجسد في أعمالك لا يبدو موضوعا للإغواء، وإنما يصبح وثيقة ثقافية ونفسية وتاريخية. كيف ترى العلاقة بين الجسد والذاكرة وبين الجسد والهوية وبين الجسد والسلطة داخل مشروعك التشكيلي؟

من وجهة نظري، الجسد هو شاشة الروح التي تسكنه، وبالتالي لا يوجد جسد بريء أو محايد؛ فكل جسد يحمل آثار الزمن والسلطة والذاكرة والطفولة، إنه سجلّ كُتبت عليه التجارب.

لذلك تجدني في أعمالي أستعمل تقنية اللصق (Le collage)؛ قصاصات الجرائد، والنصوص القديمة، والأرقام، والزخارف، وكل ما توفر لدي من عناصر، وكأنها طبقات من الذاكرة التي التصقت بالإنسان.

الجسد عندي ليس هوية ثابتة، وإنما هوية تتشكل باستمرار، لهذا تبدو الأجساد في حالة تحول دائم؛ فتارة تنكمش، وتتقوقع وتنهض وترفض تارة أخرى، ومرة تتلاشى داخل خلفية اللوحة.

ما يشغلني حقا هو الإنسان في هشاشته، لأن فيها تتكشف حقيقته.

لك معارض تركت أثرا في المشهد التشكيلي المغربي، لكنها في الوقت نفسه أثارت أسئلة وجدلا واسعا. ماذا بقي في ذاكرتك من تلك التجارب؟ وهل تعتبر أن نجاح المعرض يقاس بعدد الزوار أم بحجم الأسئلة التي يتركها في وعي المتلقي؟

أكثرُ ما يبقى في ذاكرتي ليس الافتتاح أو عدد الزوّار، ولكن تلك الحوارات التي تبدأ خلال وبعد انتهاء العرض. حين يغادر المتلقي وهو يحمل سؤالا جديدا، أشعر بأن أثري التشكيلي ما زال يعمل داخله.

فكثافة الحضور ليست دليلا على النجاح الحقيقي، وإنما في عمق الأثر الذي يتركه العمل، وفي قدرته على الرسوخ في الذاكرة.

ألا يزال الفن التشكيلي المغربي، في رأيك، يعاني من هيمنة القراءة التزيينية التي تختزل اللوحة في جماليات اللون والشكل بينما تغيب المقاربات الفكرية والفلسفية القادرة على تفكيك خطابها البصري؟

ما أحوجنا إلى تربية وثقافة بصرية أعمق وأشمل، فكثير من القراءات والتحليلات تتناول العمل الفني تناولا شاعريا، انطباعيا مسطحا، إن صح التعبير، متوقفة عند التقنية والموضوع، بينما تتجاهل الأسئلة الفكرية التي تطرحها اللوحة.

فأنا لا أستسيغ سؤالا يتردد باستمرار في جل المعارض التشكيلية: “ماذا تريد أن تقول في عملك هذا؟”؛ فهذا النوع من المتلقي لا يريد إعمال ملكة للتأويل والتفاعل، ولكنه يبحث عن الجاهز.

والعمل التشكيلي اليوم أصبح معطى فكريا، يستدعي الفلسفة (التساؤل)، وعلم النفس، والسيميائيات، والأنتروبولوجيا لسبر أغواره وحل شفراته، فمن دون هذه الأدوات تبقى القراءة مسطحة ناقصة.

في زمن الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والوسائط الجديدة، هل ما زالت اللوحة التشكيلية قادرة على الدفاع عن فرادتها أم إن الفنان أصبح مطالبا بإعادة تعريف مفهوم اللوحة ووظيفتها داخل عالم يتغير بسرعة مذهلة؟

دعني أعود بك إلى زمن اختراع آلة التصوير الفوتوغرافي سنة 1839. فهي كذلك كانت تكنولوجيا جديدة وفعّالة، قادرة على تصوير وتمثيل الواقع بدقة وسرعة، ورغم ذلك بقيت اللوحة وما زالت تتمتع باستقلالها وتفرّدها، لأن الفنان حينها لم يبقَ مكتوف الأيدي، بقدر ما طوّر من أدواته وتقنياته وتصوراته لمفهوم اللوحة الفنية، حيث ظهرت بعدها عدة تيارات تشكيلية ابتداء بالمدرسة الانطباعية وصولا إلى الفن الرقمي.

وبالتالي، فاللوحة ليست منافسة للصورة الرقمية، لأنهما أصلا ليستا من الجنس نفسه؛ فالصورة الرقمية تُستهلك، أما اللوحة فتُواجه. فالمتلقي حين يقف أمام اللوحة لا يرى فقط ما رُسم، ولكن كيف وُجد هذا الشيء في العالم، والزمن الذي استغرقه الفنان، والقرارات التي اتخذها، والأخطاء والتصحيحات التي قام بها. وكل هذا كله يبقى حاضرا على السطح المادي للوحة بطريقة لا تمتلكها الصورة مهما كانت واقعية.

يرى بعض النقاد أن الفن المغربي يعيش أزمة مؤسسات أكثر مما يعيش أزمة إبداع، بسبب هشاشة سوق الفن، وضعف النقد المتخصص، وغياب سياسة ثقافية واضحة. كيف تقرأ أنت هذه الإشكالات؟ وما الذي يحتاجه التشكيل المغربي ليستعيد حضوره محليا ودوليا؟

أعتقد أن المشكلة ليست في المبدع المغربي، فالإبداع بأنواعه حاضر وبقوة، إلا أن الإشكال يكمن في ضعف البنية الثقافية التي تحتضن هذا الإبداع من تربية جمالية، ونقد متخصص، وبحث أكاديمي، وسوق الفن، وسياسة الاقتناء. فعندما تتكامل هذه العناصر حينها سيأخذ الفن المغربي المكانة التي يستحقها.

لوحاتك تبدو وكأنها رحلة في أعماق النفس البشرية، حيث يختلط القلق بالرغبة، والخوف بالأمل، والجرح بالحرية. إلى أي حد تستفيد من علم النفس والتحليل النفسي في بناء عالمك البصري؟ وهل يبدأ العمل عندك من فكرة فلسفية أم من انفعال داخلي أم من صدمة بصرية؟

عندما أواجه بياض اللوحة، لا أنطلق من فكرة نظرية جاهزة، وإنما من مشهد يستفزني أو يزعجني، قد يكون وضعية جسد في فضاء، أو أثرا تركته ذاكرة قديمة، أو خبرا عابرا، أو إحساسا شخصيا بالقلق. وبعد ذلك يبدأ العمل في مساعدتي لأرى أنا أيضا.

أما بالنسبة لمواردي ومصادري الإلهامية فهي متنوعة كالشعر، والقصة، والرواية، والموسيقى، والسينما، إغناء ذاكرتي البصرية، التي تساعدني على فهم الإنسان والمحيط.

فاللوحة هنا هي التي تفرض قوانينها، وغالبا ما تأخذني إلى مكان لم أكن أتوقعه (عامل الصدفة وعامل الخطأ مهمان في هذه الحالة).

فأنا أرغب أن يجد المتلقي نفسه داخل هذه الأجساد، لا أن يرى أشخاصا آخرين.

بعد هذه المسيرة الفنية، وبعد كل ما أنجزته من معارض وتجارب وأسئلة، ما الوصية التي يود الفنان مصطفى العرش أن يتركها للفنانين الشباب؟ وهل تؤمن بأن الفن قادر فعلا على تغيير المجتمع أم إن مهمته الأعمق هي تغيير الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم؟

أنصح الفنانين الشباب بألا يُمارسوا الفن لإرضاء السوق أو الموضة، ولكن ليكتشفوا صوتهم الداخلي، وهذه النتيجة كنتُ وما زلتُ أنصح بها نفسي، لأنه حين ترسم تحت الطلب أو لإرضاء ذوقٍ معيّن يضيع الفنان الذي يسكنك، وتصبح حرفيا يتقن صنعته. فالصنعة أو التقنية مهمة، لكنها لا تكفي، ولكن ما يبقى هو الصدق.

أما فيما يخص الشق الثاني من السؤال، فأنا لا أؤمن بأن الفن يغيّر المجتمع بشكل مباشر، لكنه يغيّر نظرتنا إلى أنفسنا وإلى المحيط.

وعندما تتغير طريقة الرؤية، يبدأ التغيير الحقيقي، لأن الفن لا يمنح أجوبة نهائية، بل يعلمنا كيف نطرح السؤال الذي يجعل الإنسان أكثر وعيا وحرية.

كلمة مفتوحة لكم

أعتقد أننا بحاجة إلى فن يسائل ويقدم نظرة جمالية وله القدرة على نقل ما يعج به المجتمع من تناقضات. وأود أن أشكر جريدة هسبريس على هذه النافذة الثقافية الجميلة وأشكر الأستاذ عبد الله الساوره على هذه الأسئلة العميقة.

The post مصطفى العرش: الجسد هو شاشة الروح .. والفنان لا يرسم تحت الطلب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress